أحيوا أمرنا

إنّي فاطمة: حقيقة إنسانية لها من النبوة سِرَّها ومن القداسة جلالها

بقلم: د. زينب محمد عيسى(*)

 

«دخل رسول الله (ص) يوماً فسمع خديجة تُحدث فاطمة (ع) فقال لها: يا خديجة من تُحدِّثين؟ فقالت: الجنين في بطني يحدثني ويُؤنسني. قال: «يا خديجة هذا جبرائيل (يُبشرني) يخبرني أنها أنثى، وأنها النسلة الطاهرة الميمونة وأنَّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها أئمة ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه»(1).

«إعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمد، أقول عوداً على بدء، وما أقول ذلك سرفاً ولا شططا فاسمعوا بأسماع واعية وقلوب راعية»(2).

1 ـ خَلَقَها الباري عزّ وجل من نور عرشه لقوله (ص): «لما خلق الله عزّ وجل الجنة خلقها من نور العرش، ثم أخذ من ذلك النور فقذفه فأصابني ثلث النور، وأصاب فاطمة ثلث النور، وأصاب عليّاً وأهل بيته ثلث النور، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلى ولاية آل بيت محمد، ومن لم يصبه من ذلك النور ضلَّ عن ولاية آل محمد (ص)»(3).

وتمَّ الميقات، وأتتْ (ع) إلى دار الدنيا «فأشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضعٌ إلاَّ أشرق فيه ذلك النور… وتباشرت الحور العين، وبشَّر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة (ع)، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك»(4). وقد اختلف العلماء في تاريخ ولادة السيدة فاطمة (ع) كما في تاريخ وفاتها (ع). والمشهور أنها ولدت (ع) بعد المبعث بخمس سنين وتوفيت (ع) ولها ثمانية عشرة سنة وخمس وسبعون يوماً، وبقيت بعد أبيها (ص) خمس وسبعين يوماً(5).

وكانت فاطمة (ع) الوعد الإلهي، والنور السماوي، وكانت معجزتها أنها انكشفت من عالم الملكوت، استوت في صلب النبي (ص) ورحِم السيدة خديجة (ع)، جاءت (ع) وفيها نور النبوّة يزهو، وشعاع الإمامة يتجلى ويبدو… فكان لها من النبوة مقام رفيع، ومن الإمامة سرٌ عظيم. وكانت (ع) النعمة التامة.

فسبحانك اللهم فاطر السموات العلى وفالق الحب والنوى، فطرت اسماً من إسمك، واشتققت نوراً من نورك فناديت في الملأ الأعلى: أنا الفاطر وهي فاطمة. تجلّيت بها في سبحات الجبروت وحلّيتها بصفاتك في سترات الملكوت، فأشرقت وتلألأت وامتدت؛ فسبحان من أفاض وأعطى!!

2 ـ سيدة نساء الحواضر والبوادي لقوله (ص): «أربع نسوة سادات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وأفضلهُّن عالماً فاطمة»(6). وقوله (ص): «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين»(7).

السيدة فاطمة (ع) شخصية يصعب سبر أغوارها، والتبحر في محيطها، فمن أين تبدأ مع السيدة فاطمة (ع)؟؟ من النبوة حين نظرت إلى نفسها؟؟ أم من الإمامة حين احتبكت في ذاتها؟؟ أم من السيدة فاطمة الأم والزوجة؟؟

السيدة فاطمة (ع) ظاهرة أو ظاهرات متكاثفة تغزو القلوب، في شخصيتها (ع) عِظَة من التاريخ، لكنها تجمع التاريخ، شخصية لم يعد معناها في حدود ما وقعت في الزمان؛ إنما في امتدادها حتى تخطَّت معالم الزمان والمكان؛ لتصبح (ع) الشخصية الكاملة، القدوة الصالحة، والمثل الأعلى للإنسانية الكاملة والصراط السوي المستقيم. فلا عجب فالفَرعُ تابع أصلهِ: لُطف الله، سِر حكمته الذي ضاق صدر الغيب عن كتمانه.

روي في الحديث خرج النبي وهو آخذ بيد فاطمة (ع) فقال: «من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد وهي قلبي وهي روحي التي بين جنبي من أذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله»(8).

وقال النبي (ص) لفاطمة (ع): «أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله، وأنا أبوك، ووصييّ خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك… ومنَّا سبطا هذه الأمة وهما إبناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما ـ والذي بعثني بالحق ـ خير منهما. يا فاطمة والذي بعثني بالحق، إنَّ منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت بالفتن…»(9).

وقد تشرَّفت السيدة فاطمة (ع)، سيدة نساء العالمين أن تكون «أم أبيها» وفيه منتهى التعظيم والتشريف. أم أبيها هو تشبيه يصحّ حتى في علوم البلاغة وذلك للعلاقة الوجدانية بين تلك الأصول الموضوعية التي تكوَّنت منها السيدة فاطمة (ع) وبين ما تكوَّن منه النبي (ص).

وتشرَّفت (سلام الله عليها) وارتقت وتسامت لتكون وارثة المجد الذي جاء به الوحي. أخرج الطبراني عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: «كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني عصبتهم وأنا أبوهم»(10). وقال (ص): «لكل بني أنثى عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم»(11).

تعابير أعلن بها النبي (ص) حقيقة شخصية السيدة فاطمة (ع)، حقيقة بعيدة بمعناها،  فمن مثلك يا ابنة النبي المصطفى وأم الأئمة النجباء؟ كريمة الدارين وأم السبطين! سر النبي الأعظم والنور المبين المُتزَّل “يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم” (المائدة: 16).

2 ـ أ ـ دينامية العلاقات الأولية وأثرها في بناء شخصية السيدة فاطمة (ع):

تتمثل العلاقات الأولية بالمرجعية الأسرية، وهذه المرجعية تشكل الوحدة الحيوية بين الفرد ومحيطه الطبيعي والاجتماعي. فالأسرة هي حجر الأساس ونواة المجتمع. إنها ذاك التلاقي الإنساني ـ الوجداني ـ الاجتماعي. هي مصدر الاستقرار والتواصل والنماء والإنتماء. هي الإطار الطبيعي للسند العاطفي والمادي الذي لا غنى عنه لتطوُّر أفرادها. إنَّها أول عامل من عوامل التفاعل مع المجتمع والاندماج فيه والحفاظ على القيم الاجتماعية والثقافية، ونقلها من جيل إلى جيل. وقد توافر للسيدة فاطمة (ع) خلال نشأتها كل المقوِّمات البنَّاءة التي جعلت من شخصيتها وحدة متكاملة لها فرادتها وتمايزها:

والدها النبي الأعظم محمد (ص):

والدها محمد المخصّص في القرآن بالخُلُقِ العظيمِ أقسَمَ فيه الله بالقلمِ ومن ُخَصَّهُ بِوقارٍ منه له في أنفُسِ الخلقِ تعظيمٌ وتبجيلُ…

والدها محمد من عرَّفها بقوله: «فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها. وأن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري»(12).

هذا التعبير المتسامي من النبي (ص) «فاطمة بضعة مني» إعلان وتأكيد من النبي (ص) على عصمة السيدة فاطمة. فمن حيث هي بضعته يثبت لها حكماً عصمتها بدليل النص، عصمة شاملة لكل المراتب المادية والمعنوية. رسخ هذا النص مدلول الاية الكريمة: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”[الأحزاب: 33].

والدها محمد من بيَّن قائلاً: «يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(13). والنبي الأعظم محمد (ص) لا يصح عنه، أن يأمر بشيء يخالف حكم الله؛ وعليه، تكون إطاعته (ص) بإرضاء فاطمة (ع) واجبة التنفيذ، واجبة وجوباً مطلقاً. إنَّ ما يأمر به النبي (ص) هو حكماً ما أمر به الله تعالى، بل هو عين ما أمر به الله تعالى “وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيٌ يُوحى” [النجم:  3 ـ 4]. وقوله تعالى:” وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون” (آل عمران: 132). وقال تعالى:” ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً” (النساء: 69).

إنَّ في إعلان النبي (ص) أن الله عزّ وجل يغضب لغضبها ويرضى لرضاها (ع) آيات بيّنات شكَّلت وثيقة عملية، تجسّد فيها مقام السيدة فاطمة (ع) ورفعتها ومنزلتها، والتي تستلزم وجوب الطاعة والالتزام على سبيل الحزم والجزم. فالسيدة فاطمة (ع) «سيدة نساء العالمين» ارتقت بمعناها حتى غدت الميزان، الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، الحد الفاصل بين الطاعة والمعصية.

لقد قدّم النبي (ص) صورة نموذجية للعلاقات الوالدية القائمة على الحب والحنان والرحمة والمودة، يُغدق على إبنته من حبَّات نفسه الكريمة، وكانت هي (ع) في فطرتها الطريَّة الغضّة كالعدسة اللاقطة، تحيل ما تقع عليه إلى سِرِّه وحقيقته العظمى. فحازت من الكمالات الإنسانية ما جعل لشخصيتها لوناً منفرداً لا يشبهها في هذا اللون إلا هي. روى عليّ بن الحسين بن عليّ عن أمه فاطمة (ع) بنت رسول الله (ص) قالت: «لما نزلت على النبي (ص) “ولا تجعلوا دعاء الرسول ” [آل عمران:  132] فهبتُ النبي (ص) أن أقول له يا أبه. فجعلت اقول له: يا رسول الله. فأقبل عليَّ فقال لي: يا بنية إنها لم تنزل فيك ولا في أهلك من قبل. أنت مني وأنا منك، وإنما نزلت في أهل الجفاء والبذخ والكِبر. قولي يا أبةِ فإنه أحب للقلب وأرضى للرب. ثم قبَّل النبي جبهتي ومسحني بريقه فما احتجت إلى طيب بعده»(14).

ورد في الحديث عن ابن عباس قال: «دخلت عائشة على رسول الله (ص) وهو يقبّل فاطمة، فقالت له: أتحبها يا رسول الله؟ فقال: «أي والله لو تعلمي حبّي لها لازددت لها حُباً»(15). وفي الحديث عن عائشة قالت: «ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة. وكان إذا دخلت عليه قام فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلتها وأجلسته في مجلسها»(16). وروي عن الباقر والصادق (ع) أنه كان النبي (ص) لا ينام حتى يقبّل عرض وجه فاطمة..»(17).

لقد حرص النبي (ص) في ظل رسالته الحنيفة، وشريعته السمحاء ودستوره الخالد على تطبيق نظرية الإسلام، حول العلاقات الأسرية، من خلال تحديد قانون رسالي للتبادل الإنساني والاجتماعي، وإرساء أسس الروابط العلائقية التي شملت المرأة ومكانتها في أقصى حدودها. لقد جهد النبي (ص) في تطبيق رؤية الإسلام في التعامل مع الأنثى، ملغياً معالم الضيق والتذمُّر التي كانت تستقبل بها حين ولادتها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعالم في حالة من التساؤل والتوبيخ بقوله تعالى:وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به أيمسكه على هون أم يدُسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون“(النحل:58-59). وقوله تعالى: “وإذا الموءُُدة سئلت بأي ذنب قتلت”(التكوير: 8-9).

والدتها السيدة خديجة بنت خويلد:

أي كلمة، أو مقولة يمكن الحديث فيها عن السيدة خديجة (ع)، عن المستودع الحاضن سر الكون، الحاضن سر الإمامة،. كيف الوصول إلى وصف سيدة أتحفها الله أن تكون زوجة أشرف المخلوقات، وأن تكون مستقراً ومستودعاً لِمَنْ أَجْلِهَا قامت الأرضون والسموات. ومن نورها فاضت الإشراقات؟ السيدة خديجة أولى أمهات المؤمنين، سيدة تخطّت تقاليد عصرها في الجاهلية القائمة على أتوقراطية الحكم، حيث الحقوق الشخصية شبه معدومة حيث كان النظام في شبه الجزيرة العربية نظام قبلي قائم على الذكورة. وحيث كانت المرأة في هذا المجتمع أوضح مثالا للعجز والقصور وعُقد العار. تتجمع في شخصيتها أقصى حالات التبخيس على جميع الصعد. يُعزز هذا التبخيس قرار بوجوب وأدها لأسباب لها جذور اقتصادية، اجتماعية، نفسية.

السيدة خديجة حاضرها يُعبِّر عن رفعة شخصيتها، شخصية غدت تاريخاً؛ السيدة خديجة لم تأتِ من تاريخ النبوة لكن كان لها من عمل النبوة وسعي النبوة شيء كثير حتى استحقت بذلك وسام تقدير من السماء، حيث ورد في الحديث أن جبرائيل (ع) قال لمحمد (ص): «بشِّر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب»(18). كذلك ذكر ابن هشام أن جبرائيل (ع) أتى رسول الله (ص) فقال: «أُقرىء خديجة السلام من ربها. فقال رسول الله (ص): يا خديجة هذا جبرائيل يقرئك السلام من ربك. فقالت: لله السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام»(19).

وفي رواية عن عائشة قالت: فأدركتني الغيرة يوماً فقلت: وهل كانت إلا عجوزاً وقد أخلف الله لك خيراً منها. قالت: فغضب حتى اهتزَّ مقدم شعره وقال: والله ما أخلف لي خيراً منها. لقد آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وأنفقتني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء. فقلت في نفسي والله لا أذكرها بسوء أبداً»(20).

في هذه الأجواء الوالدية كانت السيدة فاطمة (ع) تتعاظم بصفاتها وخصائصها حتى ارتقت لتتشرف أن تكون سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين لقول النبي (ص): «يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة»(21). العلاقات الوالدية القائمة على الرباط العاطفي الوثيق بالأم والأب التي خبرتها السيدة فاطمة (ع) أدَّت في دينامياتها وتحولاتها وانعكاساتها إلى حالة من الوعي الإيجابي بالذات والهوية، وإلى بزوغ شخصية متكاملة وصورة ذات تتصف بالتماسك وبفاعلية التبادل العلائقي. فالاعتراف والتقدير الإيجابي غير المشروط، وسلامة الرعاية الأولية انطلقت منهما وعليهما بُنيت كل الخصائص للشخصية المعافاة لدى السيدة فاطمة (ع). وحين يتكون البنيان النفسي ويتشكل أسلوب الوجود، يميلان إلى الاستقرار وإلى إعادة إنتاج ذاتهما في مواقف الحياة اللاحقة في ما يشبه «بالوراثة النفسية» التي تكرر ذاتها. فالمجال الأسري للسيدة فاطمة (ع) كان من الغنى والتنوع والدينامية والتحول بما يفوق كل وصف؛ أسَّس لأبنائها بنية شخصية نمائية وانتمائية ذات خصوصية عالية شكَّلت بدورها مرتكز كل نشاط وظيفي لاحقاً، تحول إلى عنصر إغناء للجماعة والمجتمع والثقافة في مشروع صيرورة تبني وترتقي على الدوام.

حديث الكِسَاء، حديث خِلعَه النبي الأعظم (ص) أفرغت على فاطمة وعلى بعلها وبنيها صحَّ إسناده لم يزل سارياً سُرى الشمس من سماء إلى سماء.

3 ـ حديث الكِسَاء شهادة الباري عزّ وجل في فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بقوله تعالى: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيرا”[الأحزاب: 33].

وأكثر المفسرين قالوا: إن هذه الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين(22).

4 ـ وتمت كلمة ربك صدقاً وجاءت البُشرى:

وتمّ الميقات وجاءت البُشرى، بشارة إلهية أصغى إليها النبي (ص)، أوسع لها قلبه، إنه (ص) يسمع في أعماق قلبه نداء، نداءً بعيد يتساقط عليه من نحو إلى نحو، نداء كأنما له به عهد، يؤكده صداه، نداء في جوهره غير مريب، إنه صوت الملاك يقول: «يا رسول الله إن الله بعثني أن أزوِّج النور من النور، أعني فاطمة من عليّ (ع)»(23). وما أسرع ما أن أجاب النبي (ص) النداء، وما أسرع أن انبسط في غبطة! حقاً إنها البشارة: زواج الأحب إليه إلى الأعز إليه. وقد روي عن أبي هريرة: أنْ النبي (ص) قال لعليّ (ع): فاطمة أحبُّ إليَّ منك وأنت أعزُّ عليَّ منها»(24). فمن هو ذا خيرٌ من عليّ بن أبي طالب لتُزَّف إليه السيدة الزهراء!؟

وهو بمقياس الكمال البشري: الشخصية الكبرى، وحيد دهره، فريد عصره، لا يدانيه أحد.

ليس له مِثل ولا نظير، مخصوص بالفضل من المفضل الوهاب. من ذا الذي يعرف حقيقة وليد الكعبة، موضع سر النبوة، عيبة علم النبي (ص) وموئل حكمه.

وهو بمقياس الكمال الخلقي: الآية العظمى، الموضح بدلائل خلقه دلائل السالكين، مصباح ومنارة الهدى، المنهاج، والسراج لمن استضاء، والسبيل لمن اقتدى…

وهو بمقياس الكمال الروحي: المسلم بالفطرة، خيرة الله وصفوته، ركن من أركان الدين، المنير بزهده قلوب المتقين(25).

وقال (ص): هبط عليَّ جبرائيل (ع) فقال: يا محمد إن الله جلَّ جلاله يقول لو لم أخلق عليّاً لما كان لفاطمة ابنتك كفؤاً على وجه الأرض(26).

5 ـمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ” [الرحمن: 19 ـ 22].

يوم عليّ وفاطمة (ع) يوم النبوة الخالدة، يوم انبلاج الحقيقة الكبرى، يوم تزاوج الفضيلة المثلى…

واجتمع قبس النبوة، وقبس الإمامة، وتلاقت القلوب وبلقياها سكب الغيب عمقه وأسراره، واستمر بها، واستمرت به. بين أمنية وأمنية، وعاطفة وعاطفة، أعطته (ع) ذات نفسها وبرها ما يليق بمثلها، أشرعت له قلبها، ملأت به حياتها، وقفت عنده بكل آمالها وأحلامها، سكنت منه إلى ودٍ وارف، فتحت له قلبها كزهرة تستقبل برغبة العبق مع ندى الفجر.

وعاشت (ع) تحت ظلين: ظل أبيها (ص) وظل زوجها (ع) وحلّقت على البيت الجديد سعادة: فيها من الندى كل طراوة، حتى أينعت من باحته ثمرات هذا الزواج، ثمرات أعادت إلى النبي بعض روحه، بل كل روحه، أعطته الكوثر الموعود، فكان الحسن والحسين، زينب، أم كلثوم، سلام الله عليهم أجمعين.

عن ابن عباس: “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ” [الرحمن: 19] عليّ وفاطمة، ” بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ” [الرحمن: 20] رسول الله (ص)، “يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ” [الرحمن: 22] الحسن والحسين (ع)(27).

وعن أنس أنه قال: «سئل النبي (ص): أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال (ص) الحسن والحسين (ع)، وكان يقول لفاطمة: إدعي إليَّ ابنيَّ فيشمهما ويضمهما إليه»(28).

قال أبو محمد البغوي في المصابيح عن ابن عمر: «إن رسول الله (ص) قال: الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا»(29).

6 ـ ربي إنِّي وهن العظم منِّي: بيت الأحزان

انتقل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى، وبانتقاله فقدت الأمة قائدها، ومرشدها. وبانتقاله (ص) فقدت السيدة فاطمة (ع) وزوجها وبنيها كل الناس… في بضع ساعات؛ في بضع منها لا غير بات الناس كلهم غرباء.

أي عاصفة ألمَّت بابنة المصطفى المرتضى لتقف على قبر أبيها شاكية باكية قائلة:

قل للمغيب تحت أطباق الثرى        إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صبّت عليَّ مصائب لو أنها              صبّت علي الأيام عدنا لياليا

قد كنت ذا حمى بظل محمد          لا أختشي ضيماً وكان جماليا

فاليوم أخشع للذليل وأتقي            ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا

فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي        ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا

ماذا على من شمَّ تربة أحمد          أن لا يشم مدى الزمان غواليا(30)

 

وها هي (ع) تستشعر في راحة لقاء الحبيب، وقد نشطت إلى اللقاء الموعود، أمرت بمد فراشها في وسط البيت، نامت عليه مستقبلة القِبلة وقالت لأم سلمة يا أماه إني مقبوضة الآن فلا يكشفني أحد. وكبرت (ع) ونمت.. فما أقصر الأجل وما أقصر العمر الذي كتب لها (ع)… ثمانية عشر عاماً… عاشتها (ع). ثم مضت (ع) وفي رحيلها سجَّل الزمن قضية فُتح لها ألف باب وباب… سجَّل الزمان أن نور فاطمة (ع) لا تطفأ مصابيحه، وسرها لا يخبو توقده، ومنهجها لا يضل نهجه، ستبقى (ع) شعاعاً لا  يظلم، وفرقاناً لا يخمد وبنياناً لا يهدم…

 

(٭) رئيسة جمعية السيدة زينب الخيرية ـ مستشار في علم النفس ـ كاتبة وباحثة.

المصادر:

(1) الطوسي، الثاقب في المناقب، مؤسسة أنصاريان، ط2، قم، 1412هـ، ص285/ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط2، 1983، ج43، ص2 مع اختلاف يسير في الألفاظ.

(2) الطبرسي، الفضل بن الحسن، الاحتجاج، شركة الكتبي للطباعة والنشر، بيروت، 1992، ج1، ص 134.

(3) الحسني، نبيل، هذه فاطمة، العتبة الحسينية المقدسة، 2013، ج1، ص 46.

(4) الطبري، دلائل الإمامة، مؤسسة البعثة، طهران، ط1، 1413هـ، ص 78.

(5) الكليني، الكافي، دار صعب، ط4، 1401، ج1، ص 458.

(6) السيوطي، النور المنثور، مكتبة المرعشي النجفي، قم، إيران، 1404هـ، ج2، ص23.

(7) ابن حجر، الصواعق المحرقة، (م.س)، ص 191.

(8) الشبلنجي، نور الأبصار، (م.س)، ص 45-46/ ابن الصباغ، الفصول المهمة، (م.س)، ص 146.

(9) الصدر، محمد، تاريخ ما بعد الظهور، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1992، ملجد3، ص 75.

(10) ابن حجر، الصواعق المحرقة، (م.س)، ص 187.

(11) (م.ن)، ص 187.

(12) ابن حجر، الصواعق المحرقة، (م.س)، ص 188.

(13) الطبري، دلال الإمامة، (م.س)، ص 146/ سبط الجوزي، تذكرة الخواص، (م.س)، ص 279.

(14) التويسركاني، مسند فاطمة الزهراء، دار الصفوة، ط1، بيروت، 1992، ص36.

(15) الطبري، دلائل الإمامة، (م.س)، ص 147.

(16) القندوزي، ينابيع المودة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، ص 170.

(17) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، (م.س)، ج43، ص 42.

(18) (م.ن)، ج 16، ص 8.

(19) ابن هشام، السيرة النبوية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، مصر، 1995، ص 241.

(20) اجع سبط الجوزي، تذكرةالخواص، ص 273/ ابن الصباغ، الفصول المهمة، (م.س)، ص 150.

(21) سبط الجوزي، تذكرة الخواص، (م.س)، ص 278.

(22) راجع ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص 143/ السيوطي، الدر المنثور، ج5، ص 198/ الاستربادي، مختصر تأويل الآيات الطاهرة، ص 457.

(23) الكليني، الكافي، ج1، ص 467/ المقرم، عبد الرزاق، وفاة الصديقة الزهراء، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط1، 1983، ص 29.

(24) ابن حجر، الصواعق المحرقة، (م.س)، ص 191.

(25) عيسى، زينب، إني فاطمة، جمعية السيدة زينب الخيرية، ط1، بيروت، 2004، ص 105.

(26) الهمداني، أحمد الرحماني، فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى، مؤسسة النعمان، بيروت، 1990، ج1، ص 80.

(27) المستنبط، أحمد، القطرة من بحار مناقب النبي والعترة، مكتبة نينوى، طهران، ط2، ص165/ الحسكاني، شواهد التنزيل، ج2، ص284.

(28) الشرواني، ما روته العامة في مناقب أهل البيت، (م.س)، ص 243.

(29) ابن حجر، الصواعق المحرقة، (م.س)، ص 191.

(30) الأمين، محسن، أعيان الشيعة، المجلد الأول، ص 323.

إغلاق