أعلام وشخصيات

إطلالة على سيرة المرجع الديني الشيخ محَّمد تَقي الفقيه (الجزء الثاني)

لمّا توطّدت مرجعية آية الله السيد الحكيم، كان الشيخ الفقيه....

بقلم: الشيخ محمَّد صالح الفقيه

 

العودة إلى جبل عامل وأسبابها:

لمّا توطّدت مرجعية آية الله السيد الحكيم، كان الشيخ الفقيه من كبار مساعديه في شؤون المرجعية، لمنزِلته العلمية المتميّزة في الحوزة، حتى إنّه كان يعدّ ـ كما قلنا ـ مؤهلاً لأن يكون خليفة له، فأوكل إليه السيد أمر الإهتمام بشؤون التبليغ، وترتيب أمور وكلاء المرجعية من العلماء والمبلّغين في كثير من نواحي جنوب العراق، وكان هو شخصياً يتردّد في مواسم التبليغ كشهر رمضان ومحرّم وصفر، على بعض تلك النواحي، وكان مركز إقامته هناك في ناحية قلعة سكر(1)، إلى أن كانت عودته إلى لبنان سنة ١٩٦٣م تقريباً بسبب الإضطرابات السياسية التي حصلت في ذلك الوقت في العراق، فإنّه صار بِحُكم مسؤوليته الدينية مهدداً من قبل الحكم، خصوصاً أنّه ليس عراقي الجنسية.

فرجع إلى موطنه جبل عامل في ربوع لبنان سنة ١٣٨٣هـ، بعد أن أقام في النجف الأشرف قرابة أربعين سنة، قضاها بالإشتغال بالدرس والتدريس والتربية والتبليغ والوعظ والإرشاد.

فعاد إلى لبنان مُكرهاً على الإنفصال عن الحوزة الأم النجف الأشرف، ولجأ مع عياله إلى ربوع الوطن مؤقتاً، على أمل الرجوع إلى العراق حالما تهدأ الأوضاع السياسية فيها، ولذا لم يقرّ له قرار في لبنان في السنوات الأولى، بل ظلَّ يتواصل مع حوزة النجف فيسافر إليها عدّة مرّات في السنة سفرات طويلة، لكنَّ الأوضاع لم تستقرّ في العراق بل كانت بعد ذلك تزداد سوءًا، وطال الأمر إلى أن استقرّ في لبنان.

إقامته في لبنان:

وفي لبنان أقام في مسقط رأسه حاريص بداية، ثم لما استقرّ به المقام صار يقيم في بيروت شتاءً وفي حاريص صيفاً، لأن الجنوب كانت قراه تكاد تخلو من أهلها في غير أشهر الصيف، فإن أهل الجنوب كانوا يهاجرون إلى مدينة بيروت، تارةً فراراً من الحرمان وشظف العيش، وتارةً أخرى من اعتداءات العدو الإسرائيلي الغاشم التي لم تنقطع منذ سنة ١٩٦٩م. وبعد الإجتياح الإسرائيلي ترك بيروت نهائياً لتردّي الأوضاع الأمنية فيها، وكان الجنوب حينها أشفى حالاً، فآثر البقاء في حاريص والانتقال شتاءً إلى صور بدل بيروت.

تربيته للمؤمنين:

وقد تربّى عليه من غير أهل العلم أجيال من الشباب المؤمنين في العراق وبيروت وأخيراً في الجنوب وحاريص فقد كانوا يلتفّون حوله، فلا يفوتهم مجلسه، يتعبّدون فيه بالنظر إلى وجهه، ويسترشدون بفقهه وحكمته، ويلينون قلوبهم بموعظته، ويتبرّكون بالصلاة خلفه، وكانوا يلتزمون بما يعوّدهم الإلتزام به من العبادات والأدعية والأوراد، كالنوافل اليومية والزيارات المخصوصة، ومجالس العزاء، وإحياء الليالي المخصوصة بالعبادات.

فامتازوا بطابع خاص قلّما تجد نظيره حيث جمع فيهم التفقّه والأخلاق والروحانية والاحتياط.

نشاطه في شيخوخته:

رغم ابتعاده (قدس سره) عن النجف والأجواء العلمية فيها، لم يترك الإشتغال يوماً، فهو في بيروت أو حاريص أو أينما حلَّ تجده منكبّاً على كتبه ومسوداته الفقهية والأصولية، يحمل بعضاً منها في حقيبة خاصة يصحبها في شتّى أسفاره ورحلاته، لا يكاد يفرغ من روّاده ومُراجعيه حتى يعود إلى شغله، ولطالما صرف البطّالين من مجلسه إذا شغلوه عن درسه، وكان يمتنع عن استقبال الزوار ليلاً لأجل ذلك. وكان يدرّس طلابه صباحاً، ينصرفون من درسه ضحى، ويبقى ثلّة منهم يراجع معهم مسودّات كُتبه التي يهيئها للطباعة، خصوصاً أنّه في السنوات الأخيرة ضعف بصره، فيبقون بين يديه يقرأون عليه مسودّاته ويكتبون إلى الظهيرة ويعود بعضهم عصراً وآخرون ليلاً للغاية نفسها، منهم بعض أبنائه وأرحامه، يملّون ولا يملّ يكلّون ولا يكلّ.

لطالما أخبرهم بأنّه أمضى شطراً من ليله يتفكَّر في حلّ معضلة علمية أو دليل مسألة أو صياغة عبارة أو جواب إستفتاء، فينهض على كبر سنّه وضعف بصره، فيكتب بيده المرتعشة ما أثبتته بصيرته النيّرة على قصاصات ورق يحتفظ بها إلى جانب سريره، ليعطيها صباحاً لمساعديه فيضعونها في موضعها.

وفاته:

ظهرت عليه أعراض المرض الذي ابتلي به يوم الإثنين ١ ذو الحجة ١٤١٨هـ أي ٣٠ آذار ١٩٩٨م. فبقي يعاني من مرضه قرابة سنة غير شهر ونصف الشهر إلى أن نودي به فوفد إلى ربّه ضحى الأحد ٢٨ شوال ١٤١٩هـ أي ١٤ شباط ١٩٩٩م.

وبقي جثمانه مسجّى في منزله في حاريص، يتعاهده أفواج محبيه بقراءة القرآن، إلى ظُهر الثلاثاء ١٦ شباط حيث شُيّع في حاريص وصليَّ عليه فيها، ثم توجهوا به إلى بيروت، وتوقفوا به سويعة في قاعة الإحتفالات الكبرى في الغبيري لقراءة الفاتحة وتلقي التعازي من الوفود الرسمية وغيرها.

ومع غروب الشمس، كان جثمان الفقيد مع رَكْب مشيّعيه يبتعد عن أرضه آخذاً طريقه باتجاه الشرق لتبقى شمسه مشرقةً على العالم كلِّه لا تغيب ما بقي الدهر.

وفي الشام سجيَّ تلك الليلة بجانب ضريح السيدة زينب (ع) وعند الفجر انطلقوا به إلى النجف الأشرف، إلى جوار أمير المؤمنين (ع)، فدفن حيث أوصى في وادي السلام.

وكان يواظب على الدعاء بين الأذان والإقامة :” اللّهمّ اجعل قلبي بارّاً وعيشي قارّاً ورزقي دارّاً، وإجعل لي عند أمير المؤمنين مستقراً وقراراً.»

مؤلفاته:

1 ـ جبل عامل في التاريخ: يتحدّث عن تاريخ جبل عامل من مختلف الجهات الإجتماعية والدينية والسياسية والثقافية وغيرها ويقغ في ثلاثة أجزاء.

2 ـ جامعة النجف في عصرها الحاضر: مقارنة بين الدراسة فيها وبين الدراسة في أعظم الجامعات، ويليه سيرة السيد الحكيم (ره)، وفيه صورة عن المرجعية الشيعية،وطبع ضمن «موسوعة النجف الأشرف» دار الأضواء، كما طبع ضمن الجزء الرابع من كتاب «حجر وطين».

3 ـ قواعد الفقيه: كتاب يجمع القواعد المهمة السيالة المذابة في الفقه والأصول.

4 ـ من فلسفة التشريع أو الربا في مذهب أهل البيت (ع): مجموعة من الأسئلة تتعلّق بالربا، تُعالَج من خلال بيان فلسفة التشريع الإسلامي.

5 ـ عمدة المتفقّه: وهي رسالة علمية موجزة في العبادات وضعَها بأسلوب مبسّط بطريقة السؤال والجواب ليسهل على العوام تناولها.

6 ـ مباني العروة الوثقى: يقع في عدّة مجلّدات، طُبع منها كتاب الخمس.

7 ـ من مناهج الفقيه ومبانيه: خرج منه صلاة المسافر والدماء الثلاثة في مجلّد واحد، وهو فقه استدلالي.

8 ـ مناهج الفقيه: رسالة علمية في العبادات والمعاملات، وهو متن فقهي يصلح للتدريس في الحوزات الدينية، لأنّه يتضمّن تحرير المسألة، والإحاطة بجهاتها، والإشارة إلى الأقوال فيها، وكثيراً ما يتعرّض لكيفية الإحتياط فيها، وأقلّ ما يستفيد منه العالِم والمتعلّم هو معرفة المسائل الخلافية من غيرها، ويصلح رسالة عمليّة موسّعة يعلّق عليها المراجع. خرج منها ثلاثة مجلدات.

9 ـ مناسك الفقيه: يشتمل على أعمال الحج والعمرة وأحكامها.

10 ـ مباني المناسك: وهو تعليق على مناسك الفقيه.

11 ـ مكاسب الفقيه: وهو يشتمل على قواعد المكاسب ومنها المعطاة وأصالة اللزوم، وعلى كتاب البيع.

12 ـ حجر وطين: مجموعة أدبية كتبها في ساعات الفراغ، تتضمّن حلقات في مختلف فنون الأدب والتاريخ والعلوم والأخلاق والمواعظ والمراسلات، خرج منها أربعة أجزاء في أربعة مجلدات.

كتيّبات مطبوعة:

1 ـ مبادئ الإسلام في مذهب أهل البيت (ع): هو كتاب مدرسيّ مُعدّ لتربية الناشئة على الإعتقادات الضرورية الصحيحة.

2 ـ الإسلام الكامل: مهيأ للطبع فيه محاولة تهدف إلى تقليل الخلاف بين المذاهب الإسلامية والتقريب بينها.

3 ـ كتب ورسائل فقهية متعدّدة: الحضانة ، السلف، الرهن، الوصايا، المال المجهول المالك أو الذي لا يمكن إيصاله لمالكه.

4 ـ الشموع: وهو ديوان شعر، وضع فيه شعره وشعر والده، وأكثر ما قيل فيهما، وطبع شطر من محتواه ضمن كتاب «حجر وطين».

تلامذته:
  • ـ السيد مهدي الحكيم،
  • ـ الشيخ محمد تقي الجواهري،
  • ـ السيد محمد علي الحمامي،
  • ـ الشيخ مفيد الفقيه،
  • ـ السيد علي السيد حسين السيد يوسف مكي،
  • ـ الشيخ جعفر الصائغ،
  • ـ الشيخ سليمان اليحفوفي،  وغيرهم.

(1)  وهي ناحية في جنوب العراق تابعة لمحافظة الناصرية (ذي قار) وهي مدينة تجارية كبيرة.

إغلاق