عقيدة

بحث حول التوسُّل (الجزء الثاني)

219-220

بقلم: السيد حسّان الحسيني

 

تقدّم في القسم الأول من بحث التوسل الكلام عن التوسل والمناط المصحح له، ولكن حتى يكتمل المشهد لا بُدَّ من عرض أدلّة النافين للتوسل ومن ثم مناقشتها حتى يتبيَّن الحق من الباطل.

لقد تمسَّك القائلون ببطلان التوسل بعدَّة أدلة منها ما هو عرفي ومنها ما هو نصي سواءً من الكتاب أو السُّنّة الشريفة. فقالوا بأنَّ الدليل العرفي هو طلب الحي من الحي وهو أمر طبيعي وجداني، لذا فهو لا يعتبر شركاً وذلك كالذهاب إلى الطبيب للشفاء من الأمراض، بمعنى آخر الرجوع إلى أهل الفنون والإختصاص لا يشكل توسلاً ينتج عنه الشرك، وهذا باتفاق المسلمين قاطبة وذلك:

أولاً: لأن استعانة الحي بالحي بما هو قادر عليه هو من الأمور الاعتيادية الحياتية الطبيعية.

ثانياً: إن استعانة الحي بالحي القادر ليس أمراً عبادياً حتى يرد عليه إشكال الشرك أو يلزم منه ذلك. وما يدل على ذلك هو استعانة أحد بني إسرائيل بالنبي موسى (ع) كما في قولـه تعالى: :“فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ” [القصص: 15].

أمّا الاستغاثة بغير ذلك كالاستغاثة بالأموات والجن والأحجار فهولا شك يُعتبر من الشرك المُنهى عنه وهي كالإستغاثة باللات والعزى بلا فرق.

مناقشة:

لقد قام الدليل الأول على كون الحياة هي المصححة للاستعانة بالغير وبالتالي هو موجب لصحة الاستعانة والتوسل. ولكن إذا دققنا أكثر نجد أن الغيريّة مع الله تعالى لا تفترق بين الحي والميت، بل لا موجب للتفريق بينهما، وذلك لأنّه إذا كان التعلّق بالقادر أو بالقدرة على نحو الاستقلال فلا ريب أنّه شك، أمّا إذا كانت قدرة القادر هي قدرة طولية من الله تعالى هنا لا نجد فرقاً بين الحي والميت لأنَّ القدرة بحسب الغرض ليست ذاتية، أمّا حصر ذلك بالحي فهو من باب الانغماس بالمادة وهذا يتنافى مع المُتديِّنين الذين يؤمنون بالغيب.

ثم تمسّك هذا الفريق ببعض النصوص القرآنية حيث فهموا منها حرمة التوسل، ولكن هذه النصوص ليست تامة الدلالة على مطلوبهم.

أولاً: فإن بحث التوسل هو بحث عقلي لأنه من مدركات العقل، أما النصوص فهي مؤيّدة ومنبهة أي ليست تأسيسية، بحيث أن العقل لا يدرك ذلك لولا النصوص. وإذا كان كذلك فمـن المعلوم أن الأحكام العقلية لا تُخصَّص وبالتالي فلا فرق بين التوسل بالحي أو الميت.

ثانياً: قالوا بأنَّ الطلب من الأموات هو شرك فلا فرق بينه وبين التوسل والطلب من الأوثان والأصنام حيث أنَّ الآيات أوضحت ذلك وبيَّنته، ولكن كما مرَّ أن الاستنكار الإلهي لم يكن مُنصبّاً على نفس التوسل بل على التصرُّف والجعل الإنساني، حيث جعل الإنسان من تلقاء نفسه أوثاناً يتقرّب بها إلى الله دون إذن إلهي.

ثالثاً: إذا كان جواز الاستغاثة والتوسل بالحي قائماً على النص والإجماع أي أن هذا يكشف عن إذنٍ شرعي، بالتالي لا داعي للتفريق بين الحي والميت إلا بوجود دليل مخصص ولا دليل في البين.

كما تمسَّك المانعون بقوله تعالى: :” وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِه” [الأعراف: 180]، حيث حصروا الدعاء بأسماء الله تعالى وما سوى ذلك فهو شرك، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي هذه الأسماء؟

من المعلوم أن الإسم غير المسمّى، والإسم هو عبارة عن السِّمة أو العلامة أو الآية، وكثير من أسماء الله تعالى هي أسماء فعلية أي هي مُفتقرة لله لتتحقق في الخارج، ولا شك أن النبي محمد (ص) وأهل البيت (ع) هم أفضل الأسماء وبالتالي رفض هذه الوسائط وعدم التوجُّه بها إليه تعالى يؤدي إلى الإلحاد بلا شك، وهذا هو نص الآية الكريمة.

قـــال تعــالى :” وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ” [المائدة: 35] حيث تمسّك الذين منعوا التوسل بهذه الآية، فإنه من المتفق عليه عند المسلمين كافة أن الوسيلة عند الله تعالى هو ـ المقام المحمود ـ وشفاعة نبي الرحمة (ص) لمقامه العالي. فابتغاء الوسيلة إلى الله في هذه الآية يكون أو يتحقق بالتوجه بمقام رسول الله (ص) حيث لم  تُعبّر الآية بـ «ابتغوني» أو «ابتغوه» بل أُسند الإبتغاء إلى الوسيلة.

ولكن المانعين تبنوا أن ابتغاء الوسيلة مختص بيوم القيامة وغفران الذنوب ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة أمَّا غيره من الحاجات في عالم الدنيا فهي خارجة تخصصاً وتُعدُّ شركاً.

ولكنَّ شرح هذه الآية كما فسَّره المانعون، لا يستقيم أمام الدليل وذلك لأنَّه كما أسلفنا، إذا كان التوسل جائزاً فلا فرق بين الحياة والموت لأنَّه لا مخصص.

أما الدعوى الثانية فهي أنَّ الشفاعة محصورة في يوم القيامة أو حال كونه (ص) حياً، فليست في محلها؛ أولاً: لأن الشفاعة ليست محصورة بغفران الذنوب بل هي تشمل رفع الدرجات، وبالتالي فلا داعي للتفريق.

بعدما تمَّ بيان مواضع الخلل والضعف في المنظومة الاستدلالية للمانعين من التوسل، فثبت بالضرورة جواز التوسل بل رجحانه، خاصةً أن العديد من الآيات تؤيد ذلك، كقوله تعالى: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” [آل عمران: 159]  وقوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا[النساء: 64]. بالإضافة إلى النصوص الموجودة في التراث الإسلامي والتي تؤيد أيضاً فكرة التوسل والحث عليه، كما روى البخاري عن الجعيد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد قال: ذهَبَت بي خالتي إلى رسول الله (ص) فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وقع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ فشربت من وضوئه(1).

وأيضاً روى البخاري عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «سمعت رسول (ص) فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، ورأيت بِلالاً أخذ وَضُوء رسول الله (ص)، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسّح به، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه(2)، وغيرها الكثير من النصوص الروائية التي تؤيد فكرة التوسل.

هل الله يحتاج إلى التوسل؟

قد يجول هذا السؤال في ذهن البعض. وما الحاجة لإثبات التوسل وحشد الأدلّة على إثباته، فالسؤال مفتاح المعرفة لمن ألقى السمع وهو شهيد وهو أمر مطلوب ومشروع.

فالله تعالى هو الغني المطلق ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ” [فاطر: 15]، فهو المنعم والمدبِّر إبتداءً وإستمراراً، ولكن للتوسل أو التوسُّط له عدَّة حِكَم يمكن أن نفهمها من ظاهر بعض النصوص، فمثلاً، التوسل قد يكون سبباً في قبول الدعاء لأنَّ مقام المعصوم يكون من مقتضيات العلّة ومن الاسباب التي ترفع الموانع، وهذا يؤدي إلى قبول الدعاء، أما الداعي بذاته فقد تكون هناك موانع تؤدي إلى عدم قبول دعائه، كما أنَّ الدعاء من العبادات التي تبرز الخضوع والتذلل لله تعالى، وهو موقف يحبه الله أي يحب عبودية عباده.


المصادر:

(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبوة، ص ٦٨٤.

(2) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الأحمر، ص ٩٢.

إغلاق