قضية ورأي

النظام الاجتماعي بين المدنية الحديثة والنظام القرآني

221-222

بقلم: الشيخ يحيى رسلان العاملي

 

لا شكّ أنّ البناء يتوقف على الأساس، فإذا لم يكن سليماً صار البناء في معرض الانهيار.

وهذه القاعدة تنطبق على البناء الفكري، فلا بد من النظر في أسس الأفكار والتأكد من سلامتها حتى نبني عليها. فإذا كانت الأسس خاطئة فالانهيار حتمي.

والمفروض أن المدنية الحديثة مبنية بما يناسب النفس البشرية، فإذا لم تتناسب معها فإنَّ بناءها سينهار لا محالة. و للمدنية الحديثة وجهتا نظر شاملتان: الشيوعية، والرأسمالية.

الشيوعية:

بنت الشيوعية نظريتها على المساواة بين الناس، ولكن النفس البشرية لا تندفع للعمل باستمرار دون وجود منفعة فردية لها مترتبة على الاندفاع في هذا العمل.

فالفرد يصعب عليه أن يضحي ويتعلم ويعمل، وينجز للأمة أهم الإنجازات، ثم يعيش بنفس مستوى شخص آخر لم يقدم للأمة ما قدمه هو.

ففي هذه المعادلة انتقاص من تقدير العمل والإنجاز الذي قدمه للأمة. فلا بد من تفاوت الأجرة بتفاوت أهمية العمل وجودته، وهذا أمر تحكم به الفطرة.

هذا الخطأ الفادح خفف من حماسة الإنسان للعمل في ظل النظام الشيوعي، فأدى به إلى التراجع ثم الانهيار. ذلك أن النظام لم يراعِ طبيعة النفس البشرية ودواعي العمل الطبيعية لديها، حتى يحفزها ويدفعها نحو الاجتهاد.

الرأسمالية:

وقفت الرأسمالية على طرف النقيض من الشيوعية، فرسمت قوانينها على أساس الفردية البحتة، ولم تراعِ موقع الفرد كجزء من منظومة اجتماعية، فصار عمل الفرد هادفاً حصراً إلى الكسب الفردي والربح الشخصي.

وبما أن النظام يحتاج إلى مسؤولين يديرون مراكز السلطة، وكان الفرد محكوماً بثقافة الفردية، تمكن أصحاب السلطة من التحكم بالنظام العام، وجيروه لبناء كيانات عملاقة لا يمكن للأفراد أن يجاروها، فتحكمت هذه الكيانات بحياة الأفراد.

ونظّروا لذلك برسم معالم نظام أنيق الظاهر، قذر الباطن. فقام النظام لديهم على الديموقراطية، وهي تحكيم رأي الأغلبية الاجتماعية، لكنهم تحكموا برأي الأغلبية عن طريق إمساكهم بناصية الإعلام، فصار المجتمع محكوماً بقناعات يتحكم بها الإعلام بشكل عجيب.

فصار المجتمع مسيراً بديكتاتورية ناعمة تفرض عليه قناعات بما يشبه غسل الأدمغة، بل صار الوضع أسوأ من الديكتاتورية المكشوفة، لأنّ هذا النظام لم يترك للفرد حتى حرية التفكير .

وأطلقت يد عمالقة المال ليمتصوا الموارد الطبيعية والمالية والبشرية ولا يتركون مورداً في الأمة خارج أيديهم. وسيطروا بنفوذهم على الحكام ، لسيطرتهم على الوعي الجمعي للناس بواسطة الإعلام، فصارت فرص نجاح الحاكم في الانتخابات مرهونة بدعمهم ورعايتهم.

ومن هنا صار الحاكم مضطراً لسن القوانين المتناسبة مع مصالحهم، فصار نهبهم للموارد مشروعاً بموجب قوانين تشريعية.

ثم تعدت مطامعهم حدود أوطانهم، فأرادوا التوسع عن طريق عولمة الرأسمالية، لتمتد أذرعهم حول العالم ممسكة بموارده، وناهبة لخيراته.

وصحيح أنهم أعطوا الفرد حرية المبادرة والربح، فهو حر قانوناً بالعمل وتنمية قدراته، لكن القانون شيء، والواقع الموضوعي شيء آخر.

فصار المنع الواقعي أقبح من المنع القانوني، لأنه منع فعلي بلا تشريع، فلا يسع الفرد الاعتراض عليه ولا المطالبة بتغييره.

بل حتى الأموال العامة المملوكة للدولة هي تحت سيطرة الأفراد وتدار وفق مصالحهم، فتصرف في شراء المعدات والأسلحة منهم، بل إن سياسات الدول تنسج وفق مصالحهم، فتندلع الحروب لفتح أسواق السلاح، وتنفق المليارات من خزائن الدول لصالح هؤلاء العمالقة في سباق التسلح، بل قد يدفعون بالدول إلى اختراع أعداء بالمخابرات ثم مقاتلتهم بالجيوش.

وهكذا يكون الفرد القوي قد ابتلع المجتمع والدولة بل الدول.

وهكذا يتحول النظام إلى عامل دمار للمجتمع، بدل أن يبنيه.

وهو بهذا أسوأ من النظام الشيوعي من عدة جهات .

ورغم هذه السيطرة الظاهرية الشاملة، يبقى هذا النظام مبنياً على قياس أفراد، ولكنه لا يناسب المجتمع، لذا فإن النفس البشرية لن تتقبله على المدى الطويل، لذا فالانهيار واقع لا محالة، فالمسألة مسألة وقت ليس إلا.

النظام القرآني:

أعطى النظام القرآني للفرد حريته في تحقيق رخائه، ولكن بحدود لا يضر معها بالمجتمع.

وساوى قانون الدولة بين المواطنين ، مسلمين وغيرهم من جهة تقديمات الدولة، ولم يفرّق فيها بين الحاكم والمحكوم. وحمى القانون المجتمع من جموح حرية الفرد، فمنع الاحتكار في السلع الضرورية، حتى لا يجعل المجتمع تحت رحمة الفرد وترك حرية الاحتكار في الكماليات، ليتسنى للفرد أخذ فرصته في الربح.

وجعل ضريبة الزكاة على بلوغ نصاب معيّن من المواشي والغلات والنقدين.

وضريبة الخمس على الأرباح الفائضة على المؤونة. وعليه فلا تطال الضريبة إلا الأفراد ذوي المداخيل الفائضة عن حاجاتهم المعتادة.

وحتى لا تقتصر حماية الحقوق على القوانين والعقوبات، التي قد يتحايل الإنسان عليها بألف شكل وشكل، فقد أوجد القانون الأخلاقي في الأمة الذي يخلق عند الفرد وازعاً لاحترام القوانين فيخفف من الفساد بدرجة عالية ومن لم يرتدع بالوازع الأخلاقي يكون قانون العقوبات بانتظاره ليردعه.

فإن تمكن من الالتفاف على قانون العقوبات، كان القصاص الإلهي بانتظاره يوم القيامة. لكن المشكلة التي وقع فيها المسلمون ، أنهم حاولوا تقديم وثيقة حسن سلوك للعالم الغربي، فتخلوا عن الكثير من مفاهيمهم وقيمهم، التي لو فهموا عمقها لحافظوا عليها.

نظام حياة الأفراد بين المدنية الحديثة والنظام القرآني:

نتيجة عدم التعمق في الطبيعة الفطرية للنفس البشرية، شرّعت المدنية الحديثة أحكاماً راعت فيها راحة الفرد المطلقة، لكن هذه الراحة تضمنت خراب المجتمع.

فنظروا في حقوق الطفل إلى راحته فعطّلوا ولاية الأهل عليه .

ونظروا في حقوق المرأة إلى استقلاليتها فأخرجوها من الاستناد إلى الرجل، ففقدت اطمئنانها.

بل تعدت هذا الحد فصار كل فرد هو بلحاظ نفسه المحور الذي تدور حوله الحياة. ففقد الإنسان إنسانيته في فوضى من الحرية غير المحدودة. في حين أن علاقة الوالدين مع الولد في الغالب قائمة على الحب والرحمة التي تدفعهما للتضحية بحقوقهما في سبيل الولد.

وحين يدرك الولد هذا المعنى فإنه يرسم مع والديه علاقة مبنية على الاحترام والتقديس، ما يوجب عليه رعايتهما عند العجز .

وهذا التلاحم بين الولد ووالديه ينعكس على علاقته بإخوته، فيسرع أحدهم لمعونة الآخر عند الحاجة.

وهكذا يصبح المجتمع وحدة مترابطة تتجاوز الأسرة النواة إلى العائلة الممتدة بما فيها الأعمام والأخوال.

أما مع تكريس نظام راحة الفرد فقد زالت هذه الروابط، فأصبح الولد ينظر إلى عطاء والديه كحق متوجب عليهما كونهما قد أتيا به إلى هذه الدنيا، بدل نظرة الإحسان والتفضل.

فذهبت قداسة الوالدين، ولم يعد لدى الولد دافع لكفالة أهله في الكبر، فألقى بهما إلى العاملات بل إلى مأوى العجزة الذي تجاوز دوره العجزة الذين لا كافل لهم، ليعطي فرصة للأولاد القادرين للتخلص من آبائهم.

وبين أولوية راحة الفرد، وحالة جحود الولد، ستسري حالة أولوية الذات إلى الأهل فيتخليان عن تكريس حياتهما للأولاد، ويتركان الولد لدور الحضانة، ثم لتدبير شؤون نفسه بنفسه.

وبتضرّر علاقة الأبوين والأولاد، سوف يسري التفكُّك تلقائياً إلى علاقة الإخوة، فضلاً عن الأسرة الممتدة.

أمّا الحياة الزوجية فقد رسم النظام القرآني خطوطها العريضة في قوله تعالى:

“وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” [الروم: 21].

فالعلاقة بين الزوج والزوجة في الدين قائمة على الرحمة التي منها العطاء كما حال الأم مع طفلها وهذا يستدعي الإحسان من الطرفين، فيكون الحب نتيجة له.

ولكن إذا ركزنا الاهتمام  على الحقوق الفردية كما هو الحال في الغرب، عندها يحتاج كل بيت إلى قاضٍ ،لأن كل شخص غالباً  سيرى نفسه محقاً،  وغير مضطر إلى التضحية، فالمعركة واقعة لا محالة، لنسبية الحق باختلاف وجهة النظر، و هكذا تصبح العلاقة بينهما قانونية فتفارقهما السكينة وغالب المشاعر الانسانية.

خرجت المرأة باحثة عن استقلاليتها، فتركت البيت للعاملة، والولد للحضانة، والرجل للعمل والشارع.

فاقتصر دور البيت على فرص مقتنصة من اللقاءات الجسدية ومظهر يواجهان به المجتمع. فلا رابط ولا حب ولا رحمة ولا إنسانية. بل منظومة من المصالح التي اعتبرت حقوقاً. فإذا ناسبت اجتماع الأسرة فبها، وإلّا حقَّ للفرد أن يدمر الأسرة لحماية مصلحته.

فأصبح الزواج بدافع الشهوة أو المصلحة المادية، دون أي نظر للمشاعر الإنسانية.

هذا المشهد الكارثي هو نتاج علم اجتماعٍ قائم على الحق المباشر للفرد. وهكذا يتفكك المجتمع، وتذهب الضوابط الإنسانية لتحلّ محلها الأنظمة الوضعية.

ويتحوّل المجتمع إلى مجتمع متوحش لا ضابط له سوى قانون العقوبات دون أدنى رادع ذاتي أخلاقي.

هكذا نظام لا يمكن أن تتحمّله النفس البشرية طويلاً، لمخالفته لفطرتها، لذا لا بدّ له من الانهيار عاجلاً أو آجلاً.

إغلاق