الافتتاحية

هل هي النهاية؟

231-232

 

كانت الإنسانية تمشي الهوينا نحو الأمام، فتأخذ النفس والبصيرة مداهما في استيعاب كلّ نقلة يعيشها الإنسان في حياته العملية والمعرفية، مراعيةً توازناً بين الحركة الخارجية والداخلية.

توازن كان يضمن للبشرية تفاعلاً متناسباً مع كلّ خطوة، وتغيراً تدريجياً انسيابياً في القيم والأنماط.

حتى انبلج فجر الثورة الصناعية، فأضحت البشرية تعيش سلسلة من المنعطفات الحادّة تنساب خلالها بسرعة فائقة، أورثت انقلابات جذرية في نمط المعيشة، ومتطلّبات الحياة، رافقها انفجار معلوماتي ضخم، وتشعّب معقّد في مجالات المعرفة، وكثافة في مصادرها.

فأخذت الأنماط المعيشية تتبدّل بسرعة لم يعد وعي الإنسان الإدراكي ـ فضلاً عن تكيّفه النفسي ـ يتماشى معها، ومع تكثّر وسائل الرفاهية ـ التي تحولت إلى متطلبات حياة ـ بات السعي للحصول عليها من ضروريات المعيشة، فاستغرق الإنسان في ماراتون لتحصيل رزقه، الذي بات خاضعاً لتعقيدات الحياة الاقتصادية في ظلّ حكومة النظام المصرفي الربوي القائم على رفد حياة الأغنياء بالمزيد من الربح السهل، وتيسير أمور الفقراء والمتوسطين بالقروض التي ما هي إلا طوق نجاة ملفوف على عنق، ينقذ الإنسان من الموت غرقاً ليقتله شنقاً.

فصار الإنسان يعيش الركض الدائم لمواكبة هذه المتطلبات.

ومن جهة أخرى، فإنّ الكثافة العشوائية لمصادر المعلومات، المتداخلة، يسّرت للإنسان سبيل الوصول إلى أيّ معلومة، لكنّها من جهة أخرى أخضعته لحشو غير مركز أفقده القدرة على التحليل والربط والاستنتاج، فحال دون التحصيل السريع للمعلومات المتشابكة دون الهضم الصحي لها واستيلاد المعلومة من المعلومة عن طريق شحذ الملكات الذهنية والمعرفية.

وبين هذين المضمارين المتسارعين، افتقد الإنسان أهم عنصرين في تقويم مساره: الوقفة مع الذات التي تجعله يستعيد حراكها ليحكم عليه سلباً أو إيجاباً، ويتلمس مواطن استقامته فينميها، ويضع اليد على مكامن خلله فيعدّلها.

والحياة الاجتماعية المترابطة المتفاعلة، والتي تجعل من الأخ مرآةً لأخيه، فيريه ما خفي عليه من عيوبه، حيث صارت الصداقات تبادل مصالح، أو اجتماع بين أفراد يستغرق كلّ منهم في الأنس الافتراضي المتطور من الأنس الجماعي بالراديو ثم التلفزيون، وصولاً إلى الأنس الانفرادي بالعالم الافتراضي، فاكتفى كلٌّ منهم بنفسه وجهازه عن التفاعل مع أخيه الجالس بإزائه.

ومع فقد هذين العنصرين، ودخول موجات القيم المتداخلة، بدأ النظام القيمي بالتلاشي، لتحلَّ محلّه الحرية الفردية القائمة على مبدأ اللذة، مستعيدة فلسفة أبيقور التي عفى عليها الزمن، ولكن بشكل عملي.

كلّ هذا أنتج فرداً انطوائياً، أنانياً، ضعيف الروادع، متخماً بكم هائل من المعلومات العشوائية، غير المهضومة ولا المستوعبة، غارقاً في قلق المصير الآني ـ مصير تأمين الحاجات ومواكبة المتطلبات ـ غافلاً عن المصير الوجودي، يسير في الركب بوداعة واستسلام، دون أن يكلّف نفسه عناء التفكير بالعواقب.

في ظلّ رعاة جسدوا هذا المسار بأضخم تجلياته، فتجاوز فسادهم البر والبحر إلى الهواء والفضاء، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء الالتفات إلى أنّهم على متن هذا المركب الذي يمعنون بقاعه تحطيماً.

هو منحدر لا يرى الناظر البصير في أفقه إلا نهاية لهذا الوجود.

فهل هي النهاية؟!

أم أنّها إرهاصات لتَدخُّل إلهي يعلن للبشرية قصورها عن تحمل مسؤولية الكون، ويفرض عليها وصايةً تُعيد الأمور إلى نصابها؟!

هو سؤال جوابه طي غيب السماء.

مدير التحرير

نور الإسلام

إغلاق