الافتتاحية

شهر الله، أم مهرجان التخمة واللهو؟!

233-234

 

مع بداية شهر رجب الحرام يفتتح المؤمن دورة مكثّفة لتزكية النفس والترقي بها في مدارج العبودية، في موسم من القرب الإلهي يقطعه بالعبادة والذكر والمحاسبة خلال شهرين يؤهّلانه لاستقبال شهر الله، حيث ينفصل عن الكثير من الملذّات، ويعيش في أجواء مغايرة لما يعيشه خلال العام، ينفصل عن المألوف، وينفض عن قلبه غبار الغفلة المتراكم، فيصل مع إطلالة هلال العيد إلى احتفالية تخرّج مظفّر يشرّفه بوسم الخروج من عبادة الذات إلى عبادة الخالق الأوحد، وينال وسام العتق من النار.

ولكن النّفس الأمّارة بالسوء والميّالة إلى اللَّهو لا تموت مع إشراق هذه المواسم، بل تكمن في جحرها بانتظار أي مؤشّر يحفّز توجهاتها، ويعينها على كسر القيود التي يفرضها عليها الجو الروحي. وهنا يأتي دور آليات الجشع التي تحاكي هذه الميول الجامحة في النفس لتوجهها نحو استهلاك سلعها المطروحة، لتملأ نهمها نحو الربح الوفير.

فتحوّلت فريضة الصوم من رياضة لتهذيب الشهوات، ودواء لصحة الأبدان، إلى موسم من الإخلال بالتوازن الغذائي بين وجبات اليوم، فيصبح الليل مهرجاناً للتخمة العشوائية المتنوعة، في ظلِّ مائدة متعددة وفنون من الحلويات التي صار اختصاصها بالشهر الكريم ألصق من اختصاص دعاء الافتتاح ودعاء السّحَر.

ولا شكَّ أنَّ هذا المتخم لن ينهض من مقعده إلى دور العبادة وأماكن الطاعة، بل سيخلد إلى الأرض مدفوعاً بعوامل ثلاثة: تخمة تكتم أنفاسه وتقعده عن الحركة، ورغبة في الاستزادة من الطيبات، وتشوّق إلى مائدة الإعلام الحافلة بألوان اللهو ومواد أحسنها فارغ لا ينفع، وأسوأها مترع بالمواد الهدامة التي تقلب موازين القيم في نفس متابعها، فيتخدّر أمامها ولا يتحوّل عنها.

هذا حال الأمس، أمّا اليوم فقد قدَّمت الشبكة العنكبوتية ـ بما طوّرت من وسائل عرض وتواصل ـ آلية إدمان مطبقة لا تدع للفرد هروباً منها حتى في أوقات العمل والاختلاط الاجتماعي، بل وحتى في أوقات العبادة، التي صارت مناسبة لتدوين اللحظة في لقطة للنشر، بدل أن تكون وسيلة لتخليد اللحظة بالتفكّر.

ووسط هذه الغمرة انقلبت دورة ترويض النفس على مزاولة الأنشطة اليومية وتحريك البدن والذهن بمعونة الخفة الناتجة عن فراغ المعدة، إلى دورة قلب الليل إلى نهار لهو والنهار إلى ليل خمول، فغدا الصوم عامل كسل بدل أن يكون دافع عمل. وبدأت أصوات تنادي بإعفاء الطلاب من الصوم بذريعة إعاقته من القيام بالاستحقاقات المطلوبة في المواسم الحاسمة لتُخرِج اليافع منذ بدء تفتّحه من أوج العزم والالتزام إلى حضيض الخَوَر والتفلُّت.

ومن البديهي أنّ كلّ هذه المنظومة لم تدع مجالاً لشعور الغني بألم الفقير، ولا لتذكُّر جوع يوم القيامة وعطشه.

بل صار الموسم المبارك موسم غفلة تنوب فيه النفس المتفلتة عن الشيطان المغلوب بالخوض في غمرات الموبقات، لتخرج منه بمزيد من الغفلة والبعد عن كمال الإخلاص.

مدير التحرير

مرتضى شرف الدين

 

 

إغلاق