آفاق معرفية

صراع العقول (الجزء الثاني)

233-234

بقلم: حسن العاملي(*)

 

صراع العقول في محكمة الذات:

هل يستطيع الدماغ الذي يحفظه الجسم داخل كهفٍ محصَّنٍ على مدار الساعة، أن يردَّ له الجميل ويقدِّم له المساعدة، إذا تمرّضت المعدة أو الكلى أو الكبد أو أيّ عضو آخر؟ وهل يستطيع أن يفعل شيئاً للجسم إذا هرم، أو أصيب بالشلل؟ وماذا يفعل إذا هوى الجسم من الأعلى، أو إذا أُصيب بصدمة عنيفة مفاجئة؟ إنّه يتخلّى عن وظيفته فوراً، وينام تاركاً الجسد ينزف لوحده. الدماغ كالحاسوب  (الكمبيوتر)، يقبل البرمجة والحفظ والتذكّر ويفكِّر بمنطق. لكن قرارته المصيرية تأتي متسرِّعةً أو خاطئة أو خجولة، إن لم يوافق عليها الجسم بعد ليلة واحدة أو ليلتين. فمن يتعرّض لموقف حرج يقول: «دعني أفكر وغداً أعطيك الجواب». هذان العقلان يتعاونان ويتشاركان في تنظيم شؤون الإنسان، والعلاقة بينهما كعلاقة التيار الكهربائي العام مع تيار البطارية. فالآلة الكهربائية تستمدّ طاقتها من التيار العام، وعند انقطاع التيار تتحوّل تغذيتها تلقائياً إلى بطاريتها الداخلية. وهكذا، حينما يتوقّف عمل الدماغ، يتسلم الجسم القيادة.

عندما يهاجمنا حيوان مفترس يتوقف عمل الدماغ فجأةً، فيبادر الجسم إلى الهرب أو المواجهة. في كلّ زوايا الجسد، يقع الضمير الذي يراقب دوماً أفعال الدماغ. وفي محكمة الضمير يحاكمه جسمه على تسرّعه وطيشه ويلطِّف أجواءه، ثم يطالبه بتصحيح هفواته ورفع راية الندم. هذان العقلان يتعاونان في الليل وفي النهار، وفي أوقات الشِّدة والأمان. لكن حينما يتشرَّب عقل الرأس بعقيدة راسخة، يصبح الجسد تابعاً له، فلا يحسّ بألم ولا يخاف الموت. ومن الناس من يصوم أشهراً بلا غذاء، أو يمشي على الجمر، وكأنّه ماشياً على الطريق. أمّا عقل الجسم فيتمرّد على عقل الدماغ في المواقف المصيرية.

عقل القانون وعقل العدالة:

عقل الجسم أقرب إلى الذات من عقل الدماغ. فعقل الدماغ يتعلّم العلوم والنظريّات خلال عشرين سنة، أمّا عقل الجسم، فقد خلق مدرَّباً ليقوم بواجباته من أول لحظة من حياته، فيعبِّر عن انفعالاته وردود أفعاله مباشرة، دون استئذان. بينما، عقل الدماغ يزن كلماته قبل إطلاقها ويتأنّى قبل إعلان قرارته. ميزة الدماغ أنّه يلتزم بالمنطق، فيبدأ بالسبب ثم يبحث عن النتيجة. أمّا سلوك البشر، فيبدأ من الحاجة أولاً، ثم يبحث عن الأسباب التي تؤدي إلى النتيجة. فالجائع يبحث عن الغذاء (النتيجة) بسبب الجوع، والعطشان يبحث عن الماء (النتيجة) بسبب العطش، والبردان يبحث عن الدفء (النتيجة) بسبب البرد. هذه الأمثلة توضح المنطق الحيوي أي (منطق النتيجة قبل السبب). لغة الجسد أصدق تعبيراً من لغة الدماغ، لذا ينظر المحقق إلى ردّات فعل جسم المتّهم وليس لأقواله فقط. بهذا الاختلاف، يتمسَّك عقل الجسم بالعدالة والفطرة، ويلتزم عقل الدماغ بالمنطق والقانون، وليس من الضروري أن يتَّفق العقلان. وحينما يجنح الدماغ ويطيش، فإنّه يُربك الجسم ويولِّد له اضطرابات نفسية. وحينما يخطىء الدماغ، يعاقب الجسم بالجلد أو الحبس أو الإعدام.

فلماذا يعاقَب الجسد عن أخطاء الدماغ؟ أين العدالة في القانون؟

عقل الليل وعقل النهار: 

عقولنا مشكَّلة من قطبين، يعملان سوية، أحدهما في الرأس والآخر في الجسم. عقل الجسم يعمل في العلن ولا يمكنه أن يخفي انفعالاته، أمّا الدماغ فيعمل في السر ومن وراء ستار. في أثناء الليل، يستقلّ كلُّ عقل لوحده تماشياً مع ساعة الجسم (الحيوية). وحينما يخالف أحدهما آليّة هذه الساعة، يسقط متعباً. فالدماغ قبل أن يستسلم للنوم، يمرُّ بغفوة قصيرة تسمّى (السنى أو السنا)، وهي الغفوة بين اليقظة والنوم. في هذه الغفوة، يحصل تسلّم وتسليم (تبادل معلومات) بين العقلين. الدماغ يسلِّم الجسم ما علق به من أفكار، وما استعصى عليه من قرارات، وفي الليل، يترجمها الجسم لاحقاً كأحلام. الجسم بدوره يُرسل ومضات من الاستشراف إلى الدماغ، عند الفجر، لحلِّ مشكلة عالقة، أو جواب لسؤال مطروح. لكنّ الدماغ ينساها، فيعود ثانيةً ليفتش عنها.

أغلب علماء الطبيعة اختبروا جانباً من هذه الظاهرة. فمثلاً: الكيميائي (كوكلي) عالِم الأحياء الألماني، مرّ بمثل هذه التجربة. فعندما حلَّل البنزين، وجده مركّباً من ستة ذرّات فحم وستة ذرّات هيدروجين، وهذه النتيجة، لا تصحّ في علم الكيمياء. لأنّ كلّ ذرّة فحم تحتاج إلى أربعة ذرّات من الهيدروجين. فستة ذرّات من الفحم تحتاج إلى أربعة وعشرين ذرّة من الهيدروجين. ظلّ (كوكلي) أياماً يُفكِّر بدماغه عن حلٍّ لذلك التناقض، فلم يوفَّق. وفي إحدى الليالي، رأى في الحلم ستة سمكات تعضُّ الواحدة منها ذيل الأخرى، مكوِّنة حلقة سداسية. وهي الحلقة السداسية الأساسية في المركّبات العضوية والأدوية وسلاسل المادة الحيّة.

كذلك ظلَّ العالِم الشهير (نيوتن)، يفكّر بدماغه زمناً طويلاً عن سرِّ الجاذبية، فلم يوفّق إلى نتيجة. وفي يوم من الأيام، كان جالساً تحت شجرة تفاح، فسقطت على رأسه تفاحة. منذ تلك اللحظة اهتدى (نيوتن) إلى قانون الجاذبية. فهل احتاجت أدمغة أولئك العلماء إلى حلم في الليل أو إلى تفاحة تسقط من الشجرة، لتقودهم إلى تلك الاكتشافات العلمية؟ أم هو الإصغاء، في ساعات التألق إلى طيف الجسم الذي يتلقّى صوراً رائعة من الوحي والإلهام فيبدِّد الغموض ويزيل الأبهام.

في الجسم عقلٌ مدبِّر وخزان من الحكمة: 

الدماغ يُعلَّم لأنّه جاهل، والجسم يٌدرِّب لأنَّه عالِم. الجسم أقرب من الدماغ للذات، فهو الذي يستنير بالتسامي والرؤيا والاستبصار، هو الأجدر بحمل عنوان «الطهارة الروحية» و«نقاء السريرة»  و«التصالح مع الذات». مثل هذه الأمارات تظهر عندما يتحرَّر الجسد من ضغط المحيط الخارجي، ووسوسة شيطان الدماغ، فيقترب من ذاته. عقل الجسم لا ينسى أمراً بسيطاً أو مسألةً هامةً تخصّ الجسد، إلا واهتم بها، بعكس الدماغ الذي ينسى ويتناسى.

الجسم يقوى بتحمل الشدائد، بينما الدماغ يرتبك إذا حمل فوق طاقته. الجسم لا يخالف الطبيعة، فهو يمشي متوازناً بقدمين وأذنين، وإذا خالف الطبيعة، ومشى على مركب فوق سطح الماء، يُصاب بغثيان ودوار البحر. الجسم كائن عاقل حكيم يمشي على الأرض، أمّا الدماغ فهو مراهق يجول في الفضاء ويتصرَّف على هواه.

من الموهوبين، فنانون وشعراء وكتّاب أبدعوا في حقولهم، بفضل إلهامهم الفطري. أمثال الشاعر أبو العلاء المعرّي، الأعمى. والكاتب طه حسين، الأعمى. (والموسيقار بيتهوفن)، الأصم.  وأشهر رسام عالمي (ليوناردو دافنشي) ـ صاحب لوحة (الموناليزا)، الأعسر. وعالم فيزياء النسبية (انشتاين)، الذي لم يوفّق في دراسته.

الجسم يتّسخ ولو كان في صحة جيدة، فينظَّف من الخارج بالماء والصابون، ومن الداخل بصيام شهر واحد في السنة. أمّا تطهير عقل الدماغ، فيحتاج إلى خمس صلوات في اليوم. ولإزالة الخطايا والمظالم، يحتاج إلى ندم، وحجّ بيت الله الحرام. وما تبقّى من رواسبها يحتاج إلى أدعية وابتهالات. عقل الدماغ أعمى، لا يرى نفسه ولا يعرف مما يتركب وكيف رُكِّب ومن أين جاء، ولو كان يعرف ذلك لأنتج عشرات الأدمغة مثله. أمّا الجسم فيعرف جميع أعضاءه وكيف ولد ومتى أدرك الوعي، لذلك هو قادر أن ينتج أجساماً أخرى مثله، يأكلون ويشربون ويعملون ثم يتعبون وينامون، لهم أعضاء متطابقة في أشكالها ووظائفها. لكن لا يوجد بين مليارات البشر، دماغان برأيين متطابقين في جميع الأمور.

عقل البصيرة وعقل الاستنارة:  

بين البصر والبصيرة صلة قرابة لغوية. فالبصر يستقبل معلومات مرئية آنية، أمّا البصيرة فهي رؤية فكرية لأحداث ونتائج لم تقع بعد. عمل البصيرة كالبوصلة المغناطيسية، التي تشير إلى القطب أينما وضعت، بالبصيرة نرى المستقبل قبل أن يأتي، والحدث قبل أن يقع، والصورة قبل أن تكتمل، والخبر قبل أن ينتشر. عين البصيرة تقرأ المستور وتنير المجهول وتفتح أبواباً للتأمل. البصيرة تربط الماضي بالحاضر وتتطلّع إلى المستقبل. من أمثلة ذلك: النحات الذي يرى صورة المنحوتة في داخل صخرة، قبل أن يمسك الإزميل، والعالِم الذي يطمئن إلى صحة نظريته قبل أن يبرهنها، والمخترع الذي يطمئن إلى اختراعه، قبل أن ينفِّذه، والقائد الذي يوحِّد شعبه قبل أن يتبعثر، والشاعر الذي يرسم لوحة قصيدته قبل أن ينظمها.

البصيرة تتخطى الزمن الفاصل بين السبب والنتيجة، فتتوقّع الحدث قبل أن يقع.

عندما يتطهَّر عقل الدماغ من كلِّ رجس وخطيئة، ويُنظَّف الجسم من كلّ شائبة، يتصالح العقلان ويتوحدا. في ظلِّ هذا التوحد، وتحت ضغط المعاناة والتجارب المريرة والأحداث القاسية، تنبع يقظة دائمة وإشراق. هي الاستنارة التي ترفع الطاقة الروحية إلى الأعلى وتنير العقل إلى أبعد من البصيرة. هي تكشف خفايا الأمور وتفتح آفاق العقل. الإستنارة، ترسم مسار الأحداث على امتداد الزمن، الماضي والحاضر والمستقبل. من تلك التجارب، مثلاً، أن يجد الإنسان نفسه وحيداً في بلد غريب، وهو بلا هوية ولا وسيلة للعيش، أو أن يقع تحت ظلم وهو بلا نصير، أو أن يفقد الإنسان أعزاء له، بحادث مفاجيء. عندها يتعانق العقلان ويتوحدان، فيرتفع بينهما الحجاب ويعملان سوياً بانسجام وتناغم، وتنفتح أمامهما الخفايا، كما يراها عين الطير.

” لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فنظرك اليوم حديد” (ق:22) 

وردت في القرآن الكريم مئات من الآيات الكريمة، التي تحثُّ العقل على التعقُّل، بعدَّة صيغ ومنها:

” وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر مسخرات بامره ان في ذلك لايات لقوم يعقلون.”(النحل:12 )

” ومن اياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماءا فيحي به الارض بعد موتها ان في ذلك لالايات لقوم يعقلون.”( الروم:24)

” ومن نعمره ننكسه في الخلق افلا يعقلون.” (يس:68)

” سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن انفسهم ومما لا تعلمون. (يس :36)

” ان الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون.” (الحجرات:4)

” وهو الذي يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار افلا تعقلون.( المؤمنون :80)

” اعلموا ان الله يحي الارض بعد موتها قد بينا لكم الايات لعلكم تعقلون.” (الحديد :17)

” وقالوا لو كنا نسمع ونعقل ما كنا في اصحاب السعير.” الملك :10)

” وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون.” (العنكبوت:43)

” وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يعلمون.”(الانعام:97)

” هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون.” (يونس :5)

” لخلقُ السمواتِ والأرضِ أكبر من خلقِ الناسِ ولكنَّ أكثر الناسِ لا يَعلمون.”(غافر :57)


(٭) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق