الافتتاحية

الطقوس والمراسم: إختبار إيمان

235-236

 

من الطبيعي أن يلتزم الإنسان بأنشطة واضحة الهدف، تصبُّ في صالحه الشخصي على مختلف المستويات، فيقوم بتمارين تحافظ على صحة ورشاقة بدنه، ويلتزم بحِمية غذائية تقيه من الأمراض المزمنة، ويزاول الأعمال التي ترفده بمقدّرات المعاش، إلى ما هنالك من أنشطة تنمّي قدراته وتزيد من قوّته، وتمهّد له سُبل الراحة وإمكاناتها.

ومألوف أن يقوم الإنسان بأنشطة غيريّة تصبُّ في صالح الغير، فيشارك في أعمال تطوعية في وحدات إسعاف، أو جمعيات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ودور المسنّين، ويدفع الصدقات للفقراء، ويشارك في إعداد الموائد للمعوزين، فكلُّ ذلك يورثه لذَّة روحية عالية تأنس بها نفسه في نشوة قد لا يجدها من ذاق طعمها في أيِّ لذَّة مادّية حسّية.

ذلك أنَّ النفس البشرية مجبولة على حصر تحرّكها في اتجاهين: جلب لذَّة، ودفع ألم، فلا تراها تجد دافعاً للعمل خارج هذا النطاق، ولا تتحفّز إلى ما لا ترى فيه جلب لذَّة لها ولا دفع ألم عنها.

وبطريق أولى فإنَّها لا تتحرّك بأيّ عمل لا تفهم له مغزى، ولا ترى له معنى، ذلك أنّها تعدّه ضرباً من العَبَث يوقعها في عناء غير مُجدٍ.

ولذا فإنَّ الإنسان يستهجن العناء في سبيل أمر لا يدرك قيمته، ولا يجد فيه متعة، فترى العامل يهزأ بتجشّم المحقّقين وباحثي التراث عناء السفر والجري المضني خلف مخطوطة قد مضى على رسم حروفها بضعة قرون.

كلُّ ذلك لأنّه لا يعي قيمتها، ولا يدرك أهميّة إيجادها وتوثيقها وتحقيقها، لأنّه لم يطأ عالم التحقيق بقدم، ولم يتطلَّع إلى فوائده بعين.

وترى غالب الناس يعتبرون جمع العملات القديمة والاحتفاظ بها عبثاً لا طائل منه، فما هي إلا أوراق فقدت قيمتها الشرائية، فلا ينفع الاحتفاظ بها فضلاً عن البحث عنها، في حين أنَّ لبعضها أثمان باهظة في سوق خاص لهواة جمعها، والعارفين بقيمتها التاريخيّة والتراثيّة، حتى أنَّ الثمن يبلغ في بعض العملات النادرة قيمة خيالية، كالجنيه الفلسطيني الذي طُبع حصراً عام ١٩٣٦ والذي تبلغ قيمة الورقة منه اليوم في سوق العملات النادرة ٢٠٠ ألف دولار أمريكي.

هذا الاستهجان في مقابل هذا الاهتمام هو الخط الفاصل بين الداخل في جماعة محقّقي التراث والخارج عنهم، وبين هواة جمع العملات وبين غيرهم. لأنَّ هذه الأنشطة لا يتكلّفها إلّا من عرف قيمة ما يترتّب عليها، وهي بالنسبة لمن لم يعرف قيمتها مجرّد عبث يَخرج بصاحبه عن طريقة العقلاء. فهي عنوان هويّة جماعة المهتمّين الذي يميّزهم عن غيرهم.

هذه الضابطة تنطبق على العبادات الطقسيّة، التي لا يظهر لها هدف عملي، إلا التعبّد الإيماني بما تمليه الرسالة التي اعتنقها المؤمن، والمطّردة في الديانات؛ سماويّها ووضعيّها، بل حتى في الجماعات الفكرية والسياسية؛ غير الدينية.

فطقوس ـ كمناسك الحج ـ هي مراسم عبودية وانقياد لله تعالى يؤدّيها المسلم إعلاناً لهويته، وتثبيتاً لطاعته والتزامه بتعاليم الله، واتّباعه أثر أنبيائه، فتتجلّى لديه قيمتها العالية التي تستحقّ كلَّ عناء في التأسِّي بإبراهيم الخليل وإسماعيل الذبيح (ع) وبسيد المرسلين (ص) في رسوم طاعتهم التي قدّموها لله تعالى فتقبّلها منهم بأحسن القبول.

معانٍ لا يمكن إدراكها إلا لمن دخل حيّز هذا الإيمان وأدرك معانيه، وآمن بمفرداته، وهي في نظر من لم يدخل هذا الباب ولم يذق هذه الحلاوة مجرّد أعمال مجهولة الغرض عند المنصف، وعبث خارج بصاحبه عن طريقة العقلاء عند مَن لم يتّخذ الإنصاف مسلكاً لتفكيره.

من هنا فإنّ تبريرها لغير أهلها تكلّف مشقة دون نتيجة، والبحث عن قيمة لها بعيون من لم يعتنق مبدأها إخراج لها عن قيمتها.

ولذا فهي اختبار إيمان منتحلي المبدأ به، فمن اعتزّ بها فهو راسخ الإيمان بالمبدأ، عميق الانتماء له. ومن بحث لها عن علل وفوائد وغايات ترضي الآخرين فهو مذبذب الانتماء، غير واضح الهوية، لأنّ الهدف الإيماني لا يكفيه، فهو يبحث عن غيره، فإن لم يجد غيره ـ وقد لا يجد ـ تزلزل إيمانه بما بين يديه، لأنّه لا يرى في الانقياد والإشعار الإيماني هدفاً كافياً.

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ” [الحج: 73].

مدير التحرير

إغلاق