أسرة ومجتمع / صحة

أثر الإدارة الأسرية في التربية الدينية

235-236

بقلم: الشيخ الدكتور محمد أحمد حجازي

 

ينطلق مدير الأسرة في وظيفته الأبوية ليؤمّن مختلف المكاسب والأرباح الماديّة والمعنويّة لعائلته، ويعمل بكل جدٍّ لإبعاد أي نوع من أنواع الخسارة والتعثّر عنهم.

والسبب في ذلك أن الولد هو جزء من كيان ربّ العائلة وقد تكوّن وجوده بسببه، حتى أصبح نسخة عنه، ولهذا أشار الإمام علي (ع) لولده الإمام الحسن (ع) في قوله: «وجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأّن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي»(1).

ولأجل هذا كلّه، فإنّ الأب المتديّن يحرص على إدارة شؤون أولاده الدينيّة والدنيويّة على حدٍّ سواء، بمعنى أنه يخاف عليهم من الناحيتين الدنيويّة والأخرويّة، ويسعى لإسعادهم في مراحل وجودهم المتقدّمة والمتأخّرة، الحياة الأولى والحياة الآخرة، لأنّ ما يصيبهم من السعادة يصيبه، وما يصيبهم من البلاء يصيبه.

ففي الأولى (الدنيا) يدلُّه على طريق الحقّ ويبعده عن الضلالة والأفكار المنحرفة، وفي الثانية (الآخرة) يهيّئ له لوازمها من الاستقامة على جادّة الشريعة وإقامة الفرائض الإلهيّة والابتعاد عن المعاصي.

وهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدلّ على أنّ تصميم وتنظيم وتخطيط ورقابة مدير العائلة هدفها تجنيب الولد أيّة خسارة من الخسائر العاجلة أو الآجلة، ويكون فعله وتنظيمه للأفعال طبقاً لحديث النبي (ص) القائل: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا»(2).

إذاً، من هذه النقطة بالتحديد تنطلق أهداف إدارة ربّ الأسرة الدينيّة بأن يكون ولده مشروع الإنسان الكامل المطيع الذاكر لله تعالى والنافع للناس، ومصداقاً لحديث النبي (ص): «ما يمنع المرء أن يتّخذ أهلاً، لعلّ الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله»(3). ولأجل هذا الهدف الشريف فعلى الأب ومن أول يوم يرزق بولده أن يؤمّن له كافة الأسباب التي تجعله من الذين يثقلون الأرض بذكر الله تعالى. والذي ينبغي أن ننبّه عليه أنّ ثمَّة فرق بين الأمنيات وبين الأفعال والوقائع، فلا يكفي لربِّ الأسرة أن يحلم ويخطِّط دون أن يقوم بالدور التربوي الذي يربّي ولده على حبِّ الطّاعة وكراهة المعصية لله تعالى. بل لا بد من إدراك هذه المسؤوليّة الدينيّة ـ من أول الأمر ـ وألَّا يكون من الذين تبرّأ منهم النبي (ص)، وهم آباء آخر الزمان، فقد ورد أنّ النبي (ص) قال لأصحابه: «ويل لأولاد آخر الزمان من آبائهم! فقيل: يا رسول الله من آبائهم المشركين؟ فقال: لا، بل من آبائهم المؤمنين، لا يعلّمونهم شيئاً من الفرائض، وإذا تعلّموا ـ يعني أولادهم ـ منعوهم ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم بريء وهم مني براء»(4).

فبعض الآباء لا يبالون بما يقوم به أولادهم من الناحية الدينيّة، ولا يُشرفون على نضوجهم ووعيهم الإسلامي، فيتركونهم لشوارد الزمان ومتاهات الأيام!

لذلك ينبغي على مدير الأسرة أن يلتفت إلى ركائز إدارته الدينية من خلال استيعاب الأمور التالية:

الأول: أن يميّز بين الجانب العاطفي والجانب التربوي الديني، بأن لا يكون الجانب العاطفي تجاه أولاده غالباً على الجانب الديني. بمعنى إذا بالغ في الخوف عليهم فقد يمنعهم من أداء الفرائض العبادية كأداء فريضة الصيام خوفاً على صحتهم، أو الذهاب للمسجد، أو حتى إذا كان أحدهم مستطيعاً ـ وكان بالغاً ـ فقد يمنعه من الذهاب إلى مكَّة لتأدية فريضة الحج، وكذلك إذا بلغت البنت الصغيرة فقد يمنعها من لبس حجابها الشرعي، وغير ذلك.

وإنّما الصحيح أن يدرك مدير الأسرة  بوعي تام أنّ أمام ولده ثلاث مراحل عمريّة وعليه أن يديرها بحكمة ودراية:

أ ـ  المرحلة الأولى: من السنة الأولى إلى السنة السابعة: وهي مرحلة الإمهال والانتظار لتنامي المدركات العقليّة عنده، وهي مرحلة إعداد القابليات والبُنى النفسية السليمة، والتي تستدعي من الأب تنظيم لَهْوَ الولد ولعبه وإشباع  رغباته في التعرّف على مظاهر الحياة.

ب ـ المرحلة الثانية: من السنة السابعة إلى الرابعة عشرة: وهي مرحلة تعليم الكتاب والتمرين على العبادات. ويجب على الأب أنْ يحرص حرصاً شديداً بأن يتأكد من ميول ولده نحو العبادة وغرس المحبة في قلبه لها، وينظِّم له أوقاته، ويخصّص له بعض البرامج لتعليمه الدين وتمرينه على العبادات.

ت ـ المرحلة الثالثة: من السنة الرابعة عشرة إلى الواحدة والعشرين وهي مرحلة النضوج والخروج من المراهقة إلى الرُّشد والالتزام التام بالأحكام الإلهية، واحترام سنِّ التكليف، وتعليمه الحلال والحرام(5).

في هذه المراحل الثلاث تظهر جدّية إدارة الوالد وأنّه حريص فعلاً على مصلحة ولده الدينيّة كحرصه على مصلحته الدنيويّة، فيُلزمه بتطبيق سائر البرامج الدينيّة، ويشعره بالمسؤولية عند بلوغه سنَّ التكليف الشرعي، الذي يتمّ للصبي في عمر الأربعة عشر عاماً وسبعة أشهر، وللفتاة في الثماني سنوات وتسعة أشهر، وكذلك على الأب والأم معاً، أن يلتفتا إلى المسؤوليّة الشرعيّة تجاه الفتاة وأن تعلّمها الأم الواجبات الدينية وترشدها إلى الأحكام الشرعية وتمرّنها على لبس الحجاب.

الثاني: هناك شيء أساسي يرتبط بالإدارة الدينيّة تجاه الأولاد وهو الجانب الفكري، فكما يحرص الأب الصالح على تمرين ولده على العبادة، عليه أيضاً في الوقت ذاته أن يشرف على خريطة أفكاره ومحتواه العقائدي، وأن يراقب كافّة المعلومات التي تدخل ذهنه من مختلف المصادر وخاصة الإعلاميّة منها.

وعلى هذا المبدأ نبّه الإمام الصادق (ع) الآباء بقوله: «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة»(6). والمرجئة هم فرقة كانت تقول بعقائد فاسدة لا تتوافق مع منطلقات أئمّتنا المعصومين (ع)، حيث كانوا يقولون: بأنَّه لا يضرُّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وكان مذهبهم نظير ما يقال في زمننا أنَّ الأصل في الإيمان طهارة القلب ولا تأثير لأعمال جوارح البدن(7).

والمقصود مما استعرضناه، أنّه قد يطرأ في كلِّ زمان أمثال المرجئة الذين يحرفون الأجيال عن أهدافها، وهو كما عليه في زمننا حيث غزتنا الثقافة العالميّة بغثّها وسمينها واستحوذت على عقول شبابنا، وأخذت بألبابهم، واستهوت قلوبهم حتى بات الميل إلى الحضارة الماديّة أكثر منه إلى المعالم الروحيّة والدينيّة.

وهنا في هذه المفاصل الأساسيّة تأتي مهمة مدير العائلة حيث يكثِّف من عمليّة التوعية والتوجيه لأولاده، وينبّههم على ما يضرّهم من كلّ ما يتلقّونه من البيئات العالميّة المختلفة.

وفي حال تراخي الأب في سلطته وإدارته فإنَّ المجال مفتوح أمام الأولاد ليخرجوا بشكل كلّي من تلك السلطة ويتأثّروا بما يدور حولهم بشكل مطلق.

الثالث: من حقِّ الولد على والده أن يشرف على أدائه الديني، وهذا الأمر يتطلّب حزماً أكثر من الأب، وذلك بالمتابعة اليوميّة ـ وبمساعدة معاونته ـ والإشراف المسؤول والوجيه المثمر والنافع.

فليس صحيحاً أن يتغافل عن أي تقصير يصدر من ولد من الأولاد، وخصوصاً في المرحلة الأولى للتكليف الشرعي، حيث يحتاج الولد إلى المتابعة وعدم الإهمال ومراقبة صلاته، وتصرفاته الأخلاقية، قال (ص): «إرجعوا إلى أهليكم فكونوا فيهم، وعلّموهم ومروهم»(8).

الرابع: يسعى ربّ العائلة ومديرها لتكوين عائلة متناسقة على المستوى الديني بحيث أنّها ترفد بعضها البعض، وتُغذّي بعضها البعض، وتكون واحدةً على مستوى الفهم الديني والتطبيق العملي للإسلام، مما يساعدها على تطوير ذاتها كعائلة محافظة ومستقيمة، وتكون قدوة للمجتمع بأسره.

وممّا لا شك فيه، أنّه في حال اجتمعت العائلة بأجمعها على كلمة التوحيد فإنَّ ذلك قمَّة التوفيق وسعادة الدارين، في الدنيا والآخرة.

الخامس: تحذيرهم من الوقوع في المعاصي بشكل دائم، وخاصّة في المعاصي الكبيرة التي تهلك الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وذلك من قبيل فاحشة الزنا، واستماع الغناء، وأكل الربا، والعادة السريّة، والتجسّس على أعراض الناس، والسرقة والكذب، والغشّ والخيانة وغيرها من الموبقات والجرائر التي تُسقط الإنسان من إنسانيّته وتجعله في حضيض البهائم. وأن يحرص من حين إلى آخر على إسماعهم الروايات الدينية التي تحذِّرهم من الوقوع في الأخطاء، وذلك من قبيل قول الإمام علي (ع): «إيّاك والزنا، فإنّه يمحق البرَكة ويهلك الدّين»(9) .

أو قوله (ع): «الكذب ينقص الدّين واعتياد الكذب يورث الفقر»(10).

أو حديث رسول الله (ص): «لا يكسب عبدٌ مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق به فيُقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زادَه إلى النار»(11)، وغيرها من الأحاديث المنبّهة.

وممّا يساعد على بثِّ هذه الثقافة وتثبيت المرتكزات الدينية هو التعليم الديني ـ المعاصر ـ الذي أصبح جزءاً من البرامج التعليميّة في المدارس الخاصّة.

فإلى جانب المتابعات المنزليّة، والإشراف الإداري الأبوي، يأتي دور التربية الدينيّة في المناهج التعليميّة المدرسيّة لتكون عوناً للوالدين على تنشئة الولد في بيئة إسلاميّة سليمة، بل إنَّ مثل هذه الإعانة تشكِّل محفّزاً كبيراً للوالدين على تكملة هذا الدور ودعم المناهج التربويّة بتركيز المفاهيم الدينيّة في عقل الولد وجعلها مناهج حياة، وتفعيل التعاون بين المدرسة والإدارة المنزليّة لتوحيد الأهداف الدينيّة وتجنّب الوقوع في الأخطاء العمليّة.

أمام هذه الحقائق، ينبغي على ربِّ الأسرة أن يكون مراقباً بشكل دقيق لتصرّفات أولاده غير متغافل عن أقوالهم وأفعالهم، ومتداركاً لكلِّ خطأ قد يصدر منهم.

والنتيجة، أنَّ الإدارة الدينيّة تتقوّم بالإرشاد والتوجيه الدائمَين من قِبَل الوالدين لتحقيق الإستقامة الذاتيّة عند الأولاد ومنعهم من الإنزلاق في مهاوي الضياع.


المراجع:

(1)  نهج البلاغة، خطب الامام علي (ع)، 3/38.

(2) الشهيد الثاني، منية المريد، ط1،قم، مكتب الاعلام الاسلامي، 1409هـ، ص211..

(3) الكاشاني، الملا فتح الله، تفسير كبير منهج الصادقين في إلزام المخالفين، قم، 1333ش، 6/282.

(4) فلسفي، محمد تقي ، الطفل بين التربية والوراثة، ط2، قم، مكتبة الأوحد، 2005، 2/143.

(5) هذه المراحل الثلاث هي طبق حديث الامام الصادق (ع). راجع كتابي، التأهيل التربوي للوالدين الجديدين.

(6) ميزان الحكمة، 4/3680.

(7) الفيض الكاشاني، الوافي، ط1،قم، مكتبة الامام علي (ع)، 1406هـ، 1/240.

(8) عبد خدائي، محمد هادي، وقسم الحديث بمجمع البحوث الإسلاميّة، الأسرة في رحاب القرآن والسنة، ط2، مشهد، الاستانة الرضوية، 1434هـ، ص318.

(9) الريشهري، محمدي، الخير والبركة، ط1،قم، دار الحديث، 1423هـ، ص307.

(10) المرجع نفسه، الموضع نفسه.

(11) المرجع نفسه، الموضع نفسه.

 

إغلاق