أحيوا أمرنا

الإمام الجواد (ع):الممهّد للغَيبة

235-236

بقلم:  مرتضى السيد حيدر شرف الدين

 

لم يحصل لإمام من أئمة أهل البيت (ع) من التبشير بولادته وإمامته والتنويه به بعد الإمام المهدي عجِّل الله تعالى فرجه الشريف ما حصل لإمامنا الجواد (ع) وذلك على عدّة مراحل:

١ ـ بشارة النبي (ص): حيث ورد عنه قوله: «بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة، يكون من ولده الطريد الشريد، الموتور بأبيه وجدّه، صاحب الغيبة، فيقال: مات أو هلك في أي واد سلك؟»(1).

٢ ـ بشارة الإمام الكاظم (ع): فقد روى يزيد بن سليط في حديث له مع الإمام الكاظم (ع): ثم قال لي: «يا يزيد فإذا مررت بهذا الموضع ولقيته وستلقاه فبشّره أنّه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك، وسيُعلِمك أنك قد لقيتني، فأخبره عند ذلك أنّ الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية القبطية جارية رسول الله (ص) [أم إبراهيم]، فإن قدرت أن تبلّغها مني السلام فافعل ذلك»(2).

٣ ـ روي عن أبي يحيى الصنعاني، قال: كنت عند أبي الحسن (ع) فجيء بابنه أبي جعفر (ع) وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه(3). وهذا النص لم يشاركه فيه إلّا جدّه الكاظم (ع)، فقد ورد في حقه نصٌّ مماثل. وسيظهر لنا بعض وجوه الشبه بين أدوارهما (ع).

من أهم أدوار إمامته:

التمهيد لمرحلة الغيبة:

وذلك عبر عوامل عدّة:

١ ـ إشعار القاعدة بخطر الفراغ: فقد بقي الرضا (ع) بدون أولاد ٤٦ سنة و٧ أشهر و٢٩ يوماً. وهي حالة غير مسبوقة في أئمة أهل البيت (ع)، فالإمام الرضا (ع) ثامن الأئمة، ولا بد من وجود تاسع من صلبه حتى تستمرّ المسيرة.

وقد استغلّت الفرقة الواقفية المنشقّة بعد شهادة الإمام الكاظم (ع) هذا الموقف فقامت بحملات من التحدّي والتشنيع على الشيعة بانقطاع نسل الإمامة، وأخذوا يستدلّون بذلك على أحقّية مذهبهم. بل وصل بهم الأمر إلى مبارزة الإمام الرضا (ع) بهذا التحدي.

حتى كتب ابن قياما الواقفي إلى أبي الحسن الرضا (ع) كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟
فأجابه أبو الحسن (ع): «وما علّمك أنه لا يكون لي ولد، والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ذَكَراً يفرّق بين الحق والباطل»(4).

هذا التحدّي أدّى إلى تزلزل قلوب عامة الشيعة بعقيدة الإمامة واستمراريتها فكانوا يتوجّهون إلى الإمام الرضا(ع) بمخاوفهم.

فقد روى السيّد المرتضى في عيون المعجزات عن كلثم بن عمران، قال: قلت للرضا (ع): أُدعُ الله أن يرزقك ولداً، فقال: إنّما أرزق ولداً واحداً وهو يرثني.

فلما ولد أبو جعفر (ع)، قال الرضا (ع) لأصحابه: قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم، قُدِّسَت أم ولدته، قد خُلِقت طاهرة مطهرة.

ثم قال الرضا (ع): «يُقتَل غصباً فيبكي له وعليه أهل السماء، ويغضب الله على عدوّه وظالمه فلا يلبث إلا يسيراً حتى يعجّل الله به إلى عذابه الأليم وعقابه الشديد. وكان طول ليلته يناغيه في مهده»(5).

 ٢ ـ إعلان غيبيّة الإمامة: كان الأئمة (ع) حتى عهد الإمام الرضا (ع) يحرصون على عدم تعميم الجنبة الغيبية للإمام من جهة إلهامه العلم واختصاصه بالولاية على الموجودات، فكانوا لا يلقون هذه المعارف إلّا إلى خواصّهم كسلمان وأبي ذر وميثم التمار وكميل بن زياد في عهد أمير المؤمنين (ع)، وجابر بن يزيد والمفضّل بن عمر الجعفيّين في عهد الصادقَين (ع).

وكان الإمام إذا سُئل عن علمه غير المعتاد من قِبَل العامة لا يجيب. وكان العمر الذي يتولّى فيه الإمام الإمامة يتجاوز العشرين إلى الخامسة والثلاثين من العمر، ما يسمح بتوهّم أنّه قد فاق الأنام في العلم من جهة التربية والتعليم وظروف البيئة وعوامل الوراثة.

حتى جاء عهد الإمام الرضا (ع) بما فيه من اعتراف السلطة بأهليّة العترة للحكم عبر مكيدة ولاية العهد التي أراد المأمون منها أن يورّط الإمام الرضا (ع) في مآزق الحكم العباسي، فما كان من الإمام إلا أن أعلن شروطه التي تجعله بمنأى عن الحكم وشؤونه، فنجا من التورّط بوحوله، وانتزع من المأمون اعترافاً بأهليّة أهل البيت (ع) للحكم لم تكن السلطة لتعترف به منذ زمن السقيفة.

هذا الموقف سمح للإمام الرضا (ع) بإعلان بيان رسمي يُظهر غيبيّة منصب الإمامة، وأنّها ليست مجرَّد موقع فقاهة وإفتاء لعلماء أبرار، وإنّما هي باب لتوحيد الله ومعرفته ومفتاح للنّجاة وقبول الأعمال، وهو ما رأيناه في حديث السلسلة الذهبية الذي ألقاه على المئات في نيشابور:

لمّا وافى أبو الحسن الرضا (ع) نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن رسول الله ترحل عنا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟ وكان قد قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يقول سمعت النبي (ص) يقول سمعت الله (عزّ وجلّ) يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي.

قال: فلما مرّت الراحلة نادانا: «بشروطها وأنا من شروطها»(6).

وفي بيانه الذي فصّل فيه حقيقة مقام الإمامة: «هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟!» إنّ الإمامة أجلُّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إنّ الإمامة خصَّ الله (عزّ وجلّ) بها إبراهيم الخليل (ع) بعد النبوة والخِلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: “إنّي جاعلك للناس ‘إماماً” فقال الخليل (ع) سروراً بها: “ومن ذريتي” قال الله تبارك وتعالى: “لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” [البقرة: 124].

إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء.

إنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (ص) ومقام أمير المؤمنين (ع) وميراث الحسن والحسين (ع).

إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي.

بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يُحِلُّ حلال الله، ويُحرِّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة.

الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والابصار.

الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى  وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار. الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى.

الإمام النار على اليفاع، الحارّ لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، مَن فارقه فهالك.

الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل  والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.

الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البَرّة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد. الإمام أمين الله في خلقه، وحجّته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذابّ عن حرم الله.

الإمام المطهّر من الذنوب والمبرّأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين.

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالِم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهاب.

فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألبّاء، وكلَّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلّه، أو يُنعَت بكنهه، أو يُفهم شيء من أمره، أو يوجد مَن يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنّى؟ وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟!(7)

فجاء هذا الخطاب تمهيداً منه للتجسيد العملي لهذا الإعجاز بإمام بلغ من العمر سبع سنوات و سبعة أشهر و٢٠ يوماً منصوب من الله تعالى، يخوض غمار المناظرات ويخرج غالباً أمام علماء الملل على اختلاف توجّهاتهم وتفاوت أعمارهم ومستوياتهم، وهو الذي غاب عنه أبوه سنتين قبل ذلك، بحيث لا يُحتَمل بأي شكل أن يكون هذا ناتج عن تعليم وتربية طبيعيّة، إذا مهما كان الوضع العلمي للبيت والعناية بتعليم الولد فإنه لن يصل في ظروف طبيعية إلى جعل ابن خمسة أعوام أعلم أهل زمانه والظاهر على أعيان علمائهم، فلا بدَّ من يد غيبيّة صنعته على عينها.

وهذا لم يحصل دون مقدمات، بل بدأ التمهيد لذلك بظهور هذه البوادر عليه منذ طفولته الأولى. منها قياس واقع طفولته بواقع طفولة النبي عيسى (ع).

فقد روى صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (ع): قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: «يهب الله لي غلاماً» فقد وهبه الله لك وقر عيوننا به، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كَون فإلى مَن؟

فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه، فقلت له: جُعلت فداك، وهذا ابن ثلاث سنين!!

قال: «وما يضرُّ من ذلك! قد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقل من ثلاث سنين»(8).

وبطبيعة الحال فإن هذا الإعجاز أدخل الخطاب الإمامي إلى مرحلة التصريح به أمام المؤالف والمخالف، فلم يعُد هناك مجال لتجنّب التصريح.

منها ما رُوي عن عمر بن فرج الرخجي، قال: قلت لأبي جعفر (ع): إن شيعتك تدّعي أنك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه؟

وكنّا على شاطئ دجلة.

فقال (ع) لي: يقدر الله تعالى أن يفوّض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا؟

قلت: نعم، يقدر.

فقال: إنّا أكرم على الله تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه(9).

وعمر بن الفرج هذا من أشدّ أعوان بني العباس عداوةً لأهل البيت (ع) وله مواقف أساء فيها إلى أئمة أهل البيت (ع).

فقد روى محمد بن سنان: دخلت على أبي الحسن (ع) (الهادي) فقال: يا محمد حدث بآل فرج حدث؟

فقلت: مات عمر.

فقال: الحمد لله على ذلك ـ أحصيت له أربعاً وعشرين مرة ـ ثم قال: أفلا تدري ما قال لعنه الله لمحمد بن علي أبي؟

قال: قلت: لا.

قال: خاطَبَه في شيء، قال: أظنّك سكراناً. فقال أبي: اللّهم إن كنت تعلم أنّي أمسيتُ لك صائماً فأذقه طعم الحَرَب(10) وذلَّ الأسر. فوالله ما إن ذهبت الأيّام حتى حُرب مالَه وما كان له ثم أُخذ أسيراً فهو ذليل حتى مات(11).

٣ ـ غربلة واستصفاء الشيعة: من الطبيعي أن هكذا ظاهرة صادمة ستشكِّل محكّاً يسقط عنده الكثيرون، فالأمّة لأول مرة تواجه ظاهرة إمامة الصبي في مجتمع يراعي الشكليّات، مفتتن بالجاه، لا يسلِم قِياده لحقٍّ ولا إنصاف.

فظهرت كوامن النفوس وتميّزت القلوب، فأبرز من كان يُظهر الإيمان حقيقة طويّته، فكأنّه إعادة لاختبار السجود لآدم (ع). اختبار صعب حتّى على النخبة من صفوة أصحاب الأئمة (ع)، اقتضت منهم تدخّلاً حاسماً لدفع أي تزلزل في نوايا بعضهم، حتى بادر بعض أكابرهم إلى النطق بما قد يخطر في أذهان بعضهم ليتلقّى من نظرائه توبيخاً شديداً يظهر به للعامّة حقيقة الأمر ولو على حساب جاهه.

فقد اجتمع الريّان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمّد بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحجّاج، ويونس بن عبد الرحمن رضوان الله عليهم أجمعين، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجّاج في بركة ذلول، يبكون ويتوجّعون من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمن: دعوا البكاء! مَن لهذا الأمر؟ وإلى مَن نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر (ع). فقام إليه الريّان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له:

أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشك والشرك، إن كان أمره من الله جل وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالِم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكَّر فيه، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبّخه(12).

وبما أنَّ الزلزلة في هذا الموقف لا تزول بخضوع عامة الأصحاب ـ حتى الفقهاء منهم، بل لا بد من كسر للاعتبارات على مستوى عالٍ من داخل دائرة العترة، ومن مواقع متقدّمة في السنّ والنسب، وراسخة في العلم، فالحمل الثقيل لا ينهض به سوى أهله، فقد قام الصفوة من أهل بيت النبوّة (ع) بمهمة تكريس إمامته في قلوب الناس عن طريق الخضوع له في المحافل العامة وعلى رأسهم عم أبيه شيخ بني هاشم، وفقيه البيت العلوي علي بن جعفر، فلا يبقى عذر للعامة الذين لم يتشرفوا بقربى النسب، ولا بمقامات العلم والعمل التي حظي بها هؤلاء الصفوة، فتخضع الرقاب لإمامته العظمى بتسليم لا حرج فيه.

فقد روى محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد (ع) جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه ـ يعني أبا الحسن (ع) ـ إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا (ع) المسجد ـ مسجد رسول الله (ص) ـ فوثب علي بن جعفر رحمه الله بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه.

فقال له: أبو جعفر (ع): يا عم اجلس رحمك الله.

فقال: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم؟!

فلمّا رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون: أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟! فقال: اسكتوا؛ إذا كان الله (عزّ وجلّ) ـ وقبض على لحيته ـ لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أأنكر فضله؟!

نعوذ بالله ممّا تقولون، بل أنا له عبد(13).

حتى بلغ الأمر ببعض شيوخ البيت العلوي إلى أن يكون فدائيّاً بين يدي إمامنا الجواد (ع)، فيتسرّع في الجواب على حكم شرعي، حتى يصوّب له الإمام على صغر سنّه، فيعرف الناس عظيم منزلته، ويتعلّموا من أعمامه الخضوع له والتسليم لفضله. فقد روى إبراهيم بن هاشم القمي قال: لما مات أبو الحسن الرضا (ع) حججنا فدخلنا على أبي جعفر (ع) وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر (ع).

فدخل عمّه عبد الله بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجّادة فجلس، وخرج أبو جعفر (ع) من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل حذو بيضاء، فقام عبد الله واستقبله وقبّل بين عينيه وقامت الشيعة، وقعد أبو جعفر (ع) على كرسي.

ونظر الناس بعضهم إلى بعض تحيراً لصِغَر سنّه فانتدب رجل من القوم فقال لعمّه: أصلحك الله ما تقول في رجلٍ أتى بهيمة؟
فقال: يُقطَع يمينه ويُضرب الحد.

فغضب أبو جعفر (ع)، ثم نظر إليه، فقال: يا عمّ اتّقِ الله، اتّقِ الله إنّه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله (عزّ وجلّ) فيقول لك: لمَ أفتيت الناس بما لا تعلم؟

فقال له عمّه: أستغفر الله يا سيّدي أليس قال هذا أبوك صلوات الله عليه؟

فقال أبو جعفر: إنّما سُئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة، فنكحها، فقال أبي: تُقطع يمينه للنبش ويُضرَب حد الزنا، فإنّ حرمة الميّتة كحرمة الحيّة.

فقال: صدقت يا سيدي وأنا أستغفر الله.

فتعجَّب الناس، فقالوا: يا سيّدنا أتأذن لنا أن نسألك؟

قال: نعم.

فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين(14).

خلاصة:

وهكذا بعد أن تكرّست غيبية الإمامة، وتجاوز الشيعة اختبار صغر سنِّ الإمام، وترقُّب ولادته، وامتازت النفوس، وخرج المرتابون من صفوف المؤمنين، صارت الأمَّة جاهزة لاستقبال إمام خفيّ الولادة في الخامسة من عمره، وانتظاره مدَّة مديدة، فهو ليس مجرّد فقيه عادل يسعى للإصلاح، بل هو ناطق إعجازي عن لسان الغيب، وممثِّل حصري للعدالة الإلهية. كلُّ ذلك بفضل الدور الرئيسي لإمامنا الجواد (ع)، إضافة إلى أدوار أخرى أكمل بها رسالات آبائه الطاهرين، فكان بحق فاتح عهد جديد من عهود الإمامة الإلهية بعد عهد جدِّه المختار وعهد جدِّه الباقر، بانتظار العهد الخاتم لحفيده المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه).

فكان ارتباط ملفت بين الاسم الشريف (محمّد) وبين افتتاح عهود جديدة في الحُجّيّة الإلهيّة على البشر.


المراجع:

(1) المفيد؛ الإرشاد؛ ج٢؛ ص٢٧٦.

(2) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٣١٥.

(3) المفيد؛ الإرشاد ؛ ج٢؛ ص٢٧٩.

(4) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٣٢٠.

(5) المجلسي؛ بحار الأنوار ؛ ج٥٠؛ ص١٥.

(6) الصدوق؛ عيون أخبار الرضا؛ ج١؛ ص١٤٤/١٤٥.

(7) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص١٩٩ ـ ٢٠١.

(8) المفيد؛ الإرشاد؛ ج٢؛ ص٢٧٦.

(9) الحسين بن عبد الوهاب؛ عيون المعجزات؛ ص١١٣.

(10) الحَرَب: خسارة  المال.

(11) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٤٩٧.

(12) الحسين بن عبد الوهاب؛ عيون المعجزات؛ ص١٠٨.

(13) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص ٣٢٢.

(14) المفيد؛ الاختصاص؛ ص١٠٢.

إغلاق