آفاق معرفية

الحَدس يُفكِّكُ الأربطة

235-236

بقلم: حسن العاملي(*)

 

الحدسُ تجربةٌ روحيّةٌ، ليست لها علاقةٌ بالذكاء ولا بالإرادة ولا بالتحليل المنطقي، بل تنشأ من معاناةٍ مع مشكلةٍ خفيّة. الحدسُ مثل عين الطير، يطلُّ في غفلةٍ من الزمن، فيَرى ولا يُرى، ويرافق المشكلةَ الخفيّةَ حتى يحلَّ عقدها، عندئذٍ يطلقُ شرارةً في الذهن تفكِّكُ الأربطة.

ليس للحدسِ علاقةٌ بالصدفةِ ولا بالبصيرة ولا بالإلهام ولا بالهاجس. الهاجسُ شعورٌ يرافقه خوفٌ أو توتر أو ترقُّب من أمرٍ يُحتمل وقوعه. أمّا الحدس فهو فيضٌ روحيٌ لا يختصُّ بشخصيةٍ معيّنةٍ دون سواها، ولا بشعبٍ دون سواه، ولا بمنطقةٍ دون سواها، ولا بزمنٍ دون سواه. لكن هذا الحدس لا يحلُّ في مزاجٍ مضطرب ولا في نوبةِ غضب أو موجة انفعال، ولا في نفسٍ شريرة، بل يطلُّ على نفسٍ مطمئنّةٍ وفي صفاء فكري.

المشكلةُ الخفيّةُ تطلق الحدس

لا يسلم إنسانٌ من مواجهة مشاكلَ في حياته اليومية، فهي مزروعةٌ أمامه كيفما اتّجه. من المشاكل ما تكون طارئةً، فتجدُ لها حلاًّ سريعاً. وأُخرى تجد لها طبيباً يداويها أو خبيراً يعالجها أو قاضياً يفتي فيها أو حكيماً يحلِّلها. ومنها أيضاً ما يذيبها مرور الزمن، مثل هذه المشاكل لها أسبابٌ واضحةٌ ومكشوفةٌ، فهي ليست من المشاكل الخفيّةِ التي تحتاجُ إلى حدسٍ يكشفُ لغزها، بل إلى معالجةٍ للتخلُّص منها.

مقابل ذلك، هناك مشاكل غير اعتيادية تغلّف أسبابها بالخفاء فتتطلَّب حدساً للخروج منها. المشكلةُ الخفيّةُ تُتعبُ الفكر وتُربكُ المزاج وتستهلك الطاقة. هذه الدوّامةُ تولِّد في النهاية رؤيةً لحلها، هي الحدس.

الحدس كما مارسته الشعوب سابقاً

واجه الإنسانُ أثناء صراعه مع الطبيعة والتأقلم معها، مصاعبَ وعقباتٍ ابتكر لها حلولاً. ففي الزراعة ابتكر الناعورةَ لرفع المياه الجوفيّةِ ومياه الأنهار لريِّ المزروعات، مثل ناعورة حمص في سوريا وناعورة بئر موسى في القاهرة. كذلك استخدم التيّارات المائيّةِ والهوائيّةِ لتدوير مطَاحن الحبوب. وابتكروا للسلمِ وللحرب، الدولاب والزورق للتنقُّل ورفع الأثقال. وللكتابةِ استعمل المصريّون القدامى الصورَ بدلاً من الكلمات في لغتهم (الهيروغليفيّة)، ومثلهم رسم الصينيون كلماتهم على شكلِ رموز، ومثلهم رسم سكّان ما بين النهرين حروفهم على هيئةِ مسامير في كتاباتهم (المسماريّة). ومنهم أيضاً، الفينيقيّون الذين حوّلوا الصوتَ إلى حروفٍ تُكتَب. كذلك ابتكر الأقدمون أدواتٍ لقياس الزمن، مثل الساعة المائيّة التي تنقّطُ قطراتِ الماء بانتظام. والساعة الشمسيّة التي تتابعُ حركةَ الشمسِ من ظلِّها الواقع خلف مسمار. وآخرين ابتكروا الساعة الفلكيّة (الإسطرلاب) لتتبُّع حركات المجرّات والنجوم والكواكب في ظلامِ الليل. ومنهم من استخدم الحمامَ الزاجل كبريدٍ ينقلُ الرسائلَ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر، وغيرهم ابتكر النول لحياكة الأنسجةِ من الخيوط.

لاحقاً، في العصور الحديثة، استخدم المواطن الألماني (زبلن) التيّارات الهوائيّةِ للتنقُّل بالمنطاد (بالون)، من منطقةٍ إلى منطقةٍ أخرى. وفي إنجلترا، راقب الطفلُ (جيمس واط) أمَّه، وهي تغلي الماء في قِدر، فلاحظ حركة غطائهِ بفعل البخار، نتيجةً لذلك، صمّم الآلة البخاريّة، فسارت القطارات في العالم بقوّةِ البخار. ومنهم أيضاً، الملّاح البرتغالي (كريستوف كولمبوس) الذي أراد أن يُبحر إلى الهند، غرباً بدلاً من مروره في البحر العربي شرقاً، لاعتقاده أنَّ الأرض كرويّة، فالاتجاه غرباً يؤدّي إلى المشرق/ وحينما وصل إلى أمريكا ظنَّ أنها الهند. لكنً الملاح الآخر (أمريكو) الذي جاء بعده، كان يعرف الهند، فوجد تلك الارض عالماً جديداً، سُمِّي لاحقاً أمريكا.

كلُّ هؤلاء وأمثالهم، كانت لديهم حاجةٌ ماسةٌ لابتكار وسيلة للتغلُّبِ على مشاكلهم الحياتية فاستعانوا بقوّةِ الحدس. ولكي يخرج الحدسُ ويصبح فاعلاً يحتاج إلى إشارةٍ أو حاجة أو حافز أو تحدّي، كما جرى مع العالم أرخميدس.

رياحُ الإلهام وسحرُ الحدس

كان ملكُ اليونان قديماً، يلبس تاجاً مصاغاً من الذهب، وفي لحظةٍ من الحدس راوده شكٌّ بوجودِ معادن رخيصة في داخل التاج. لذلك استدعى (أرخميدس) وطلب منه أن يتحقّق من شكوكهِ، شرط أنْ لا يفتح التاج ولا يثقبه. بقي (أرخميدس) محتاراً، ولم يجد وسيلةً يطمئن إليها.

وفي أحد الايام ذهب ليستحمَّ في الحمّام العمومي: هو حوضٌ واسعٌ وله درجات، ويُملأ بماءٍ يسخَّن من الأسفل. وعندما نزل على تلك الدرجات، غمره الماءُ، فأحسَّ أنَّ جسمه أصبح خفيفاً بقدرِ حجمِ الماء الذي غمره. عند ذلك، خرج من الحمّامِ عارياً وهو يصرخ بأعلى صوته «وجدتها وجدتها». على إثر ذلك، صاغ قانوناً للغطسِ في السوائل. بهذا القانون اكتشف وجودَ معادن أخرى غير الذهب في ذلك التاج، دون أن يفتحه. وحينما كُسِر التاجُ، تبيَّن وجودُ معدن الرصاص في داخله.

الحدس، هو إحساس بلا حواس، لا يخرج من عِلمٍ سابق، بل هو هبةٌ من الله تعالى، يطلُّ كصوتٍ هاتفٍ في اللاوعي، فيولّد في الجسمِ رعشةً وفي الروحِ انتفاضة، فيرتاحُ الفكرُ وتطمئنّ النفوس.

” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ” [الشمس: 6 ـ 9]


(٭) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرب تقني، كاتب ومترجم.

 

إغلاق