عقيدة

الفــرق بين أصول وفروع الدين

235-236

بقلم: الشيخ علي عيديبي(*)

 

أولاً: أسميناها أصولاً لابتناء عِلم الفقه عليها وإليها.

فالنسبة بين علمي أصول الدين والفقه هي علاقة اللزوم بين اللازم والملزوم، فإن عرفت أصول دينك امتثلت في فهم فقهك، ولا فقه لولا أصول الدين، إذ لا إلزام ولا التزام في كيفيّة وكميّة الشكر في العبادة وفي الحرام تركاً إلا بعد معرفة المشرِّع وضرورة إطاعته.

ثانياً: أسميناها أصول الدين مقابل فروع الدين، فما هي الفروع؟

دأبت طريقة أهالينا ـ فأوصلوا إلينا ديناً سالماً قويماً نقلاً عن علمائهم ـ على عدِّ فروع الدين بعددٍ كالعشرة مثلاً، «الصلاة والصوم والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية والبراءة» وقد نزيد منها أو ننقص عنها، إلا أنّها بالضبط لا تُعدّ ولا تُحدّ. فإنّ جميع ما جاء به محمد بن عبد لله (ص) من عند ربه هي فروع ديننا. كالصلاة وتفاصيلها، والصوم وتوابعه، والحجاب، وإلقاء السلام ووجوب ردِّه، وحسن الجوار، وبرّ الوالدين، وإطاعة الوالدين والزوج، وحُسن الصحبة، وترك الحرام، والالتزام بالمكروه والمستحبّ على كثرتها، كلّها فروع ديننا.

ولذا سأجعل لك فروع الدين في عناوين وهي: كلّ الواجبات والمحرمات وكلّ المكروه والمستحب وكلّ المباح في شريعة المصطفى (ص).

أسميناها بالفروع قياساً إلى الأصول، وليس تسميها بالفروع منقصةً فيها، بالعكس فإنّ الرّاد لها أو لبعضها أو المنكر لها أو لبعضها ملتفتاً إلى ورودها قاصداً لردها، فقد ردَّ على رسول الله دينه، والرّاد على رسول الله خارجٌ عن دينه. لا نعني بالرَّد أي الترك، فإنَّ الترك قد يكون بمستوى مع الالتزام بوجوب الواجبات التي يتركها وبحرمة المحرَّمات التي يرتكبها، فهذا مسلمٌ حكماً وغير ملتزم فعلاً وامتثالاً، ولكن قصدنا بالترك هو قوله أنَّ هذا الدين أخطأ أو ينقصه كذا وكذا من أحكام.

فتسمية الأحكام بالفروع بالقياس إلى الأصول إذ لا فروع ولا قدسيّة ولا كرامة في الأحكام لولا التسليم بالمشرّع والناقل عنه والجزاء يوم الدين والعدل في الجزاء.

أي أنّك تصلي لأنّ الواحد الأحد أمرك عبر نبيّك (ص) والآتي بهذا عن النبي هو إمامك. فلولا هذه الثلاثة وأننّا سنموت بعد الحياة الدنيا ونحيا بعد الموت في اليوم الآخر ونحاسَب من قِبل الواحد العادل (عزّ وجلّ) لما كان للصلاة نفع. إذاً الأصول هي بناء الدين، والفروع تتفرَّع عن الأصول.

أمّا الفارق الآخر في التسمية فهو مبني على كون الأصول كلّها عقليّة والفروع كلّها نقليّة.

فالأصول ثابتة بدلالة العقل، ألا نحفظ جميعاً قوله تعالى: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” [الأنبياء: 22] وهي آية نستدلُّ بها على الوحدانية، وقوله تعالى: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ” [المائدة: 55].

سؤال: أليست هذه نُقول؟ فكيف تكون الأصول عقليّة؟

الجواب: إنّ العقل تبنّى الأصول وأرشدنا إليها، لكنّ الشرع أرشدنا إلى حكم العقل فيها.

سنشرح بتبسيط ماذا نعني بقولنا أنّها عقلية لكن الشارع أرشدنا إليها.

عندما يوجد نصّ (قرأن أو حديث شريف) يسمّى الدليل نقليّاً، لكن إذا كان مضمون الدليل (أي المدلول الذي يتكلم عنه الحديث) عقليّاً أو عقلائيّاً يسمّى الدليل النقلي إرشادياً، أي أنّه يرشدنا إلى حكم العقل ما يعني أن نسأل ونحكِّم عقلنا ولا نؤجره للشيطان ولا نبيعه لغير الله.

لقد أتت الرواية أو الآية في هذه الحالة لتنهض وتنبِّه العقل، مثال:

“لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” [الأنبياء: 22] .

ماذا تريد الآية الكريمة أن تقول لنا؟

إنّها تنبّهك أن لا يسمح لك عقلك بوجود ربّين مختلفين في الإرادة، ولو وجدا لانهارت السماوات وتدكدكت الأرض. هذا إرشاد بحكم العقل وقد أشار إليه أيضاً أمير المؤمنين (ع) في إحدى وصاياه للمجتبى (ع) حيث يقول:

«واعلم [يا بنيّ] أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ذلك أحد ولا يحاجّه وأنّه خالق كلّ شيء وأنّه أجلُّ من أن يثبت لربوبيته بالإحاطة قلب أو بصر»(1).

هذا الدليل نقليّ لأنّه رواية، ولكنّ مضمونه عقليّ فتسمّى بذلك الرواية إرشادية (دليل لفظي بمضمون إرشادي).

بخلاف قوله تعالى: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ” [البقرة: 43]، وقوله: “وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا” [النساء: 86]، وقــولـه: ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” [البقرة: 183].

إنّها آيات تأسسيات أي أسَّست حكماً سماويّاً ودينيّاً لا دخل للعقل في مضمونه، أي ليس للعقل دخلٌ ليشرِّع علينا صلاتنا بركعتين أو ثلاث أو صيامنا بشهرٍ أو اثنين. إنّه حكم تأسيسي ديني شرعي محض، فالدليل نقلي والمضمون شرعي.

السؤال الذي يطرح نفس هنا هو: هل كان العقل يعرف هذا الحكم؟

لتأتي الإجابة بكلّا، فالعقل لا يفرِّق بين الصيام لشهر أو اثنين، فبكلاهما يقول لك العقل امتثل لحكم ربِّك.

إذاً هذه الآيات هي أدلّة نقلية ومضامينها شرعية والمراد منها أحكام تأسيسية وسمِّيت بذلك لأنّ الشرع أسَّسها أي لم يكن العقل يعرفها.

ومن الآيات الإرشادية قوله تعالى:“فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” [يونس: 35]، ففي هذه الآية يخاطب الله (سبحانه وتعالى) عقولنا ويصنِّف الناس إلى صنفين: الأول من يهدي إلى الحق دوماً ويرشد إليه ونسبة خطئه (٠ ٪). أمّا الصنف الثاني فهو الذي يهدي بشرط أن تبقى محافظاً عليه وآخذاً بيده حتى لا يتشتّت ويضلّ.

في هذه الحالة يبقى الأمر والحكم للعقل، فاشغل عقلك واجعله لا يسير باتجاه الصنف الثاني ويبقى مع الصنف الأول. فمع وجود الهادي دوماً فهو من يجب أن يُتَّبع. (هذه الآية نقلية ومضمونها إرشادي لحكم العقل).

وهنا نطرح سؤالاً جديداً: أوليس الناس ثلاثة أصناف: عالمٌ مطلق ومهتدٍ وضال؟ فأين الصنف الثالث في الآية؟

يمكن القول أنَّ هذه الآية في مقام تحديد من تتَّبع لأنّك عاقل ولا يليق بك أن تتَّبع الضال البيِّن ضلاله. يعني أنّه يمكنك اتّباع العالِم المطلق أو المهتدي، ولكن بصفتك عاقل.

فالآية الكريمة تتكلم عن الإتِّباع وقد سقط الناس في الاتباع، فإنّ هناك من المسلمين هادين مهديين سماويين، لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم بنصِّ القرآن الكريم أو الإعجاز، هم المعصومون المحصورون بمحمد وآله (صلّى الله عليهم وسلَّم أجمعين).

نستنتج أنَّ الآية نقليَّة بمضمونها إرشادية لحكم العقل، يعني إذا جئت من أبواب الله لتسألها من تتَّبع، فعندك الهادي وعندك من دونه من الهدى فماذا يقول لك ربك: ألم يأمرك عقلك بأنّه لا يجوز أن تقارن بين الكامل والناقص، أي أتى القرآن بآيةٍ لتستفزّ وتنبِّه العقل، فإنّه دليلك إلى السماء.

وخلاصة القول أنّ الأصول سمّيت بذلك لسببين:

1 ـ لأنّها أساس يبنى عليه الفقه والفروع.

لكونها يستدلّ عليها بالعقل أي دليلها عقلي.

أمّا الفروع فكلّها نقليّة، فلا مجال للعقل أو العقلاء أن يثبتوا أو ينفوا عنك عبادة فهذا شأن سماوي خاص، وهي تشمل جميع ما وصل إلينا من الدين وتنقسم إلى دوائر خمس:

ـ الواجب

ـ الحرام

ـ المكروه

ـ المستحبّ

ـ المباح

2 ـ الأصول هي كيفية التعرُّف إلى الله والدين والفروع هي كيفية التطبيق وشكر الله (عزّ وجلّ).


المراجع:

(٭) من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين (ع) في ويندزور ـ كندا.

(1) نهج البلاغة؛ ج3؛ ص44.

إغلاق