معالم اسلامية

اليتامى في القرآن الكريم

235-236

بقلم: الدكتور رضا سعادة(*)

 

لقد رصدنا في القرآن الكريم، وفي سُوَرِه المختلفة، من كبارِها إلى صغارِها، من سورة البقرة حتى سورة الماعون، ثلاثاً وعشرين آيةً تشير إلى الأيتام أو تتحدّث عنهم.

أهميّة هذه الآيات، أنها في معظمها، تقرُن الحديث عن الأيتام بالحديث عن قضايا إنسانيةٍ نبيلة، تتعلّق بالفقراء والمساكين والأسارى والمحتاجين والجائعين، كما بالإحسان إلى الوالدين.

من هذه الآيات ما هو في موقع التشجيع على فعل الخير لهم، والثواب على هذا الفعل، كالإشارة إلى المحسنين والمتصدّقين والأبرار، الذين “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” [الإنسان: 8] وتحديداً في أيام المجاعات: “أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ”[البلد: 14 ـ 15]. أو كتحديد وجهة الإنفاق التي تُرضي الله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ” [البقرة: 215]. كذلك عندما يقترن الإحسان لليتامى بالإحسان لِلوالدين، وأن يُشار إليه في معرض العبادة لله: لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ… “[البقرة: 83].

وقد حدّدت آياتٌ أُخر للأيتام حصصاً في ما نملك، كقوله تعالى: ” وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ… ” [الأنفال: 41].

وقال تعالى في معرض قسمة الميراث: “وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا” [النساء: 8].

كلّ هذا كان في معرض التشجيع على خدمة الأيتام، والإحسان إليهم. لكن ذلك التشجيع يتحوّل إلى أوامر عندما يتعلّق الموضوع بحقوق الأيتام، وأموالهم، فيقول تعالى آمراً عباده: ” وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ” [النساء: 2].

أمّا في ما يتعلق بمسألة التعامل مع الأيتام، في حالات إهمالهم أو الإسا

ءة إليهم، فقد تدرّج القرآن الكريم في توجّهه إلى المتعاملين معهم تدرّجاً تصاعدياً، من درجة العتب والملامة، وصولاً إلى درجةِ التهديد والوعيد بالعقاب، وذلك في حال الإساءة إلى اليتيم، مهما كان نوعها.

تبدأ الدرجة الدنيا بالتذكير، كما باللّوم والعتـاب. يقول تعالى مذكِّراً نبيّـه محمد (ص):“أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى” [الضحى: 6]. ويقول معاتباً ومُديناً الناس في الآيتين 17 و18 من سورة الفجر: “كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ”.

ومن التذكير والعِتاب، ينتقل القرآن الكريم إلى التحذير، فيقول تعالى في الآية التاسعة من سورة الضحى:“فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ” كما يحذّر من المسّ بأموال اليتامى فيقول:” وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً” [الإسراء: 34 والأنعام: 152].

وبعد التحذير يرتفع مستوى الكلام إلى الزّجر، وإلى التصنيف في خانة المكذّبين بالدين، فيقول تعالى: “أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ” [الماعون: 1 ـ 3].

أمّا أعلى درجات الانتقام للأيتام، فهي الوعيد بنار جهنّم، حيث يقول تعالى في الآية العاشرة من سورة النساء: “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا”[النساء: 10].

هذا ما قاله الله تعالى في الأيتام، وهذا ما ورد في عشرات الآيات التي تتحدّث عنهم أو تشير إليهم.

أمّا النبيّ الأعظم محمد (ص)، فكيفينا قوله:

«أنا وكافل اليتيم في الجنة!»

وهل من غاية للإنسان المؤمن في آخرته أسمى من دخوله الجنّة؟

إذاً، تعالوا نخدم الأيتام بأهداب العيون، ليس فقط بعدم إيذائهم، ولا فقط بإيفائهم حقوقهم، إنّما أيضاً بإدخال الفرحة إلى قلوبهم، والسعادة في حياتهم، فنرضي ضمائرنا، ونُرضي إنسانيّتنا.

والأهم، أن نُرضي خالقنا الله رب العالمين.


(٭) المفتش العام التربوي في لبنان سابقاً، ورئيس مجلس إدارة مؤسسات أمل التربوية.

إغلاق