من سير الأطهار/ أدب ملتزم

« على مشارف الرحيل »(*)

235-236

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

ويمرُّ شهران آخران، شوال وذو القعدة….

وتتسقَّط أمّ البنين أخبار الحسين، كما يتسقّط الظمآن نزول الغيث، ولكن ما كان يغشى أمّ البنين كان أكثر من الظمأ، فالغيث هناك، ولكنّها عن الوصول إليه عاجزة، لا لضعف ينتابها، بل لأمر يلهمها به محرابها؛… هي تحتضن في بيتها جيلاً جديداً من الأشبال، هم أشبال العباس، ابناه الصغيران، عبيد الله والفضل، وطفلته التي لعلّها ولدت في غيابه… إنّها ترعى زوج العباس وأطفاله تارة، وتنكفئ إلى طفلة الحسين، فاطمة العليلة، تواسيها وتساعد أمّ سلمة في تمريضها تارة أخرى، ثم هي بين الحين والحين تحجّ إلى دار الحسين والهة، تذرف دموع الشوق على الأعتاب التي تحنُّ إلى وطأة أقدامه، وتتمسَّح بالجدران التي تنحني مشتاقة لشموخ بنيانه.

وتصل الأخبار؛ أنَّ الحسين لا يزال في مكة يجاور البيت الحرام، قد اتَّخذ له مسكناً في دار عمه العباس بن عبد المطلب، وراح يتوافد عليه أهلها، والمعتمرون من المسلمين في كلِّ حين، وقد هنّئ بعضهم بمكوثه بينهم، وثقُل ذلك على آخرين، أمثال عبد الله بن الزبير، إذ وجده قد استقطب اهتمام المسلمين!

وكيف لا يكون الحسين قطب الاهتمام ومحوره، وهو الدرُّ المصفى وغيره التراب، فشتّان ما بينهما، كلٍّ في جوهره.

ولعلَّ هلال ذي الحجة إذ هلّ في تلك الآونة، أطلّ ليجد أم البنين تجالس أمّ سلمة في دارها، تتذاكران كعادتهما أيام الحسين، وجدِّ الحسين وأبي الحسين، وأمّ الحسين وأخي الحسين، ولعلّ ذكرى حجّة الوداع كانت تزورهما مع استعداد حجيج المدينة للوفود إلى مكّة، لتأدية فريضة الحجّ، ولا بدّ أن تكونا قد حمّلتا من تثقان به من الحجيج، الكتبَ والأخبار والسلام، لإمامهما الحسين (ع)، ولعلّهما راحتا تـتأملان بحسرة ما بعدها حسرة، ما اعترى أمَّة محمد من ذبول ما بعده ذبول، وكيف صارت محاسن أهل بيته تختبئ وتتوارى خلف سجوف ونصول، حتى لكأنّ حجة الوداع كانت، بما هي حجّة من الرسول وربّه على الخلق أجمعين، ليكتمل الدين بتنصيب الإمام عليٍّ على رؤوس الأشهاد أميراً للمؤمنين، حتى لكأنّ تلك الحجّة كانت، وداعاً لزهرة الدين ونضارته، إذ بلغ فيها حقد الحاقدين وحسد الحاسدين ذروته، ونطقت ألسنتهم تهنّئ أمير المؤمنين على ما حظي به، فيما انطوت أفئدتهم على الكره والكيد له، حتى إذا وجدوا لمكائدهم وكرههم متنفّسا لم يتأخّروا حتى اقتنصوه، ودفنوا مع دفنهم نبيهم بل قبل دفنه، كلَّ ما أوصاهم به وما منه ورثوه.

… ولم يتأخّر عليهما الخبر، خبر ارتعدتا له، وراحتا تتبادلان التأوّه والنظر، لقد خرج الحسين من حرم بيت الله، ليلتحق بما كتبه له الله، ويتوجه شطر الكوفة!

لقد تجدَّدت بالخبر لحظات الوداع، وتحرّكت شجون الفراق من جديد، بل هي تحركت أشدّ وقعاً من أي وقت مضى.

فالآن، الآن حقاً قد بدأ الرحيل، لقد بدأت رحلة الفراق الطويل.

ولعلَّ أمّ البنين هرعت تهرب بدموعها إلى ديار الأحبة، إلى كعبتها التي ما فتئت تتخذها لأحزانها قبلة، ووقفت بين الأروقة الفارغة تسألها عن ساكنيها، وأتاها صوت أنينها يقطر بالجواب، ولكن، وما كان الجواب إلّا شبح الأحباب، بقيَّة من فيض أنوارهم، أشبه بشذى العطر الفوّاح إذ يعبق بعد الغياب.

وكان الخبر غريباً، زاد أمّ البنين قلقاً، وحوّل سهادها أرقاً، وبكاءها المتّصل نحيباً؛ إنّ الحسين (ع) خرج من جوار الكعبة يوم التروية، فقد أحلّ من إحرامه قبل أن يكمل حجَّه، وحوّلها عمرة مفردة، والتحق به مَن تبعه من أهله، وخرجوا جميعاً خفيةً في ليلة مظلمة شقيّة.

ولعلَّ الخبر جاء على لسان محمد بن الحنفيّة، الذي كان قد لحق بأخيه الحسين إلى مكة، ثم ودَّعه قبل الرحيل، وعاد إلى المدينة عملاً بوصيّته، ولينقل للخواص ما جرى عليه في رحلته.

… كان بقاؤه قرب البيت أدعى للأمن والاطمئنان عليه ألّا يمسه بنو أميّة وأزلامهم بسوء، مراعاة لحرمة البيت.

كذا تناقل أهل المدينة، ولكن أم البنين هزّت برأسها في حسرة عظيمة، هي تعرف هؤلاء، هم لم يرعوا حرمة الزهراء، وهي بضعة الرسول، ولم يتورّعوا أن يحاربوا سيّد الأوصياء، وهو زوج البتول، ولم يأنفوا أن يقتلوا بالسمّ سبط سيد الأنبياء، وهو ريحانة الرسول، أفيتورعون أن يسفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام والبلد الحرام بين الركن والمقام؟!

… وأتى جواب محمّد على كلام أهل المدينة، منقولاً عن لسان الحسين (ع)، إذ أجابه على رجائه له بالبقاء:

ـ يا أخي، إنّي أخاف أن أكون الذي تُستباح به حرمة هذا البيت!

أجل، إنَّ الحسين ليعلم أنَّ طغيان بني أميّة وتسلّطهم لا على رقاب الناس فحسب، بل على ضمائرهم وعقولهم، قد جعلهم لا يتوقّفون بظلمهم عند حدّ، ولا يربأون بأنفسهم عن فعل، مهما كان قبيحاً، لقد أعشت عيونهم وعيون أتباعهم نيران السعير، التي تدثّرت ببهارج الدنيا وزينتها، فهم بلهيبها محترقون ولو بعد حين.

لقد توجّه الحسين شطر الكوفة، وتوجّه قلب أمّ البنين شطر الغري، وفاضت عبراتها مراراً وهي تخاطب أمير المؤمنين، فتسأله أن يكلأ بطيفه النوراني أحبَّته، وأن يرعى بوجوده الملكوتي ذاك الركب المشتمل على أعزّ الخلق وأشرفهم، تنطوي تحت أرجل مطاياهم مسافات الغيب، وتنطوي في مدى أنظارهم آهات الزمان المقبل، وتنطوي في صدى أذكارهم نجوى المتّقين..

إيه يا أمير المؤمنين، إنَّ ما رسمته لأمَتك أمّ البنين، قد بدأ يتجسَّد على رمال هاتيك البيداء الشاخصة نحو كربلاء!

إيه يا أمير المؤمنين، أفلا تكون قربها تسندها في وحدتها، وتؤنس وحشتها بعد غياب الأحبّة الميامين، أم لعلّك منشغل بهم، تداري لوعتهم وتتعهّد ما هم فيه من ضيق وبلاء، وتسبغ عليهم من حلمك وصبرك ما يزيدهم صبراً على محنتهم، وأيّ محنة أقسى من أن يخرج أهل الحقّ من دار الحقّ هاربين بحقّهم، ذائدين عنه، فلا هم على التخلي عنه عازمون، ولا هم بالتمسّك به آمنون.

إيه يا موسى، لقد أتاك فرعون فتوجّهت تلقاء مدين، فأمّا إذا خرجت من مدين فإلى أين يكون المسير، وما عسى يغدو المصير؟!

إنَّ أمّ البنين لتقف كلّ صباح ومساء على طريق الكوفة، تحمل على عاتقها ابن ولدها العباس، تسنده ويسندها في محنته ومحنتها، فتستمدّ من براءة عينيه صفاء وقوّة، ومن احتضانها له عبرة وذكرى، تتقوّى بها على فراق الأحبّة، وتغالب ما بها من قرَّ الفراق بدفء العناق، وتستضيء بلمحة من شعاع الأحبَّة.

وإنّها إذ تقف، تستوقف الغادي والرائح، فتسأل عن حال الحسين وتتتبّع أخباره، وتتمثَّل مع كلّ خبر يأتيها، بذلك الخبر الذي نقله عبد الله بن عباس بعد عودته من مكّة ووداعه الحسين؛ لقد قال وعيناه الضريرتان، اللتان أعماهما البكاء على حبيبه أمير المؤمنين، تهملان بالدموع، ينقل ما رآه بعين البصيرة لا البصر:

ـ رأيتُ أبا عبد الله قبل أن يتوجّه إلى العراق، وقد وقف على باب الكعبة، كانت يد جبرائيل في يده، وجبرائيل يدعو الناس إلى بيعته ويقول: «هلمّوا إلى بيعة الله!».

إيه جبرائيل، يا أمين وحي الله، إنَّ أهل الدنيا لم يؤتمنوا على بيعة الله، لم يبايعوا ولي الله، بل ها هم يتتبّعون أثره ويلاحقون خطاه، يتربّصون به الدوائر، ويطلبه بنو أميّة بثأر لهم من جدِّه وأبيه لم يستوفوه بعد، على كثرة ما استوفوا من الأهوال وما استباحوا من المحارم.


(٭) مقتطفة من رواية «سألتك عن الحسين».

إغلاق