أخلاق

معنى لا حول ولا قوَّة إِلا بالله

235-236

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

 

إنَّ معرفة ما للعبد وما لله (سبحانه وتعالى) تجعل العبد يعرف نِعم الله (سبحانه وتعالى) عليه، وبالتالي كيفيّة شكره عليها. فإذا لم يعرف العبد نفسه ولم يعرف ربَّه فلن يستطيع أن يشكر.

هذه المعرفة المزدوجة لله وللنفس مختزَلة في عبارة: «لا حول ولا قوَّة إلّا بالله».

فـ (لا) الواردة في العبارة نافية للجنس، وهي تُستَعمَل لنفي الطبيعة، ونفي الطبيعة يعني نفي صِرف الوجود. فهي شهادة حقيقيّة بارتفاع أدنى مراتب الحول والقوّة عن الموجودات، وحصره بالله تعالى.

فهو إقرار لله (عزّ وجلّ) بالوصول إلى حدِّ الفناء من الحول والقوة. ومن يقرُّ بهكذا إقرار ويشعر بهكذا شعور فقد أدرك عبوديّته. فهو مملوك مُطلَق، كلُّ ما لديه من قدرة هي ملك لله.

ومن يرى أنَّ كلَّ شيء يفعله هو ملك لله (سبحانه وتعالى) فعليه أن يشكر الله على كلِّ فعل يفعله، وأن يستغرق في رؤية الله (سبحانه وتعالى) في كلِّ فعل، لأنَّه أقرّ على نفسه بالضعف، ومحال لمن يقرُّ على نفسه بالضعف أن يُصاب بالعجب.

إذ العجب يحصل لمن يرى لنفسه قوةً وشأناً.

فهو إذا تكلَّم بفصاحة مُخبراً عن الله تعالى وهو يعتقد أن لا قدرة له على نطق أو فهم أو علم، بل كل قدرة هي من الله، والله هو من أعطاه القدرة على الكلام، فسيستغرق في شكر الله تعالى.

أمَّا إذا رأى أنَّه يتكلَّم بقدرته عن الله تعالى فسيرى أنه مُدِلٌّ على الله فيما قال، فيكون قد مَنَّ على الله تعالى بنعمة  هي مِنّة من الله عليه.

وأعظم الظلامات أن نمنّ على الله بعطاء مال أو أداء عمل في سبيله، وكلّها من عطائه لنا ولطفه بنا. فحالنا حال من أعطاه رجلٌ مالاً، وطلب منه أن يأخذ بعضه وينفق بعضه على الفقراء، فجاء هذا الشخص لاحقاً ليمنّ على مَن أعطاه بأنَّه هو مَن تصدّق نيابةً عنه، ويأتي بالشهود ليثبت أنَّه المتصدّق.

فما أقبح فعلنا مع الله تعالى، وما أقلّ وعي الإنسان لقبح فعله، وما أحمق ابن آدم الذي يتَّكل بمعصية الله تعالى على حِلمه بدل أن يرتدع عن عمله لقبحه.

لقد أصبح الواحد منّا يمنّ على الله بقوله وفعله الحسن، ولا يعيش حزناً نفسياً وألماً قلبياً لعمله القبيح، فلا يعيش حالة الاستغفار الحقيقي. بل ينظر إلى معصيته فيستصغرها قياساً بمعصية غيره، ولعلَّ ذلك العاصي أفضل منه لأنّه يرى نفسه مقصّراً في حقِّ الله (سبحانه وتعالى)، وهو يرى نفسه متفضّلاً عليه جلَّ وعلا.

فلو كان العبد يرى الله بقلبه لخافه لعظمته، أو استحيى منه للطفه في مقابل قبيح فعله وقوله وتفكيره.

كما قال زين العابدين (ع): «خف الله تعالى لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك»(1).

فوجودنا ذلّ في ذلّ وفقر في فقر وجهل في جهل، ومع ذلك ترى هذا العبد بلؤمه يمنّ على الله جبّار السماوات والأرض بكلمة أو فعل، وهو الذي لا معنى له في هذا الوجود لولا لطف الله (سبحانه وتعالى).

إنَّنا مستغرقون في جحود عظمة الله تعالى، حيث نمنّ عليه بإيماننا وعبادتنا التي أقدرنا عليها ووفَّقنا إليها.

وهذه بحدِّ ذاتها معصية لو أراد الله أن يؤاخذنا بها لاستحققنا النار، لأنَّها شرك بمالكيّة الله، حيث نرى أنَّ لنا ملكاً مستقلاً نمنُّ على الله تعالى إذا أعطيناه منه.

من هنا لا بدَّ لنا عند ذكر «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» أن ندرك أنَّه إقرار على أنفسنا بالافتقار والعجز المُطلق، وإقرار لله تعالى بالقدرة المطلقة.

من هنا نفهم قول أمير المؤمنين (ع): «كلّ ما استغفرت الله منه فهو منك، وكلّ ما حمدت الله عليه فهو منه»(2).

لهذا علينا أن نعرف أنفسنا حتى نعرف ما أعطانا الله (سبحانه وتعالى).

فإذا نسبنا القدرة على الفعل إلى أنفسنا فسنرى لنا فضلاً على الله وسنستغرق في مدح الذات وتعظيمها. أمّا إذا رأينا ذلك بتعليم الله لنا وإقدارنا عليه، ووجوده بفضله وارتفاعه بيده، فسنستغرق في شكر الله تعالى، وسنرى ذواتنا لا تستحقّ أن تُرى أمام جلال وعظمة الله (سبحانه وتعالى).

ولتقريب الفكرة نضرب مثالاً: لو اختار زعيم أو رئيس شخصاً ما للحديث عنه، فإنَّه سيكون ضمناً قد شهد له باللياقة والأهلية لهذا الدور، وهذا سيجعله ممتنّاً للزعيم بأن شرّفه بهذا الاختيار.

كذلك فإنَّ الله تعالى حيث أذن لنا بالكلام عنه، فقد شرّفنا بذلك، وهذا موجب للشكر، أولاً لإقدارنا على الكلام والتعبير، وثانياً لتشريفنا بالحديث عنه، دون استحقاق منَّا لذلك، بل رغم عصياننا وذلّنا وافتقارنا.

بل علينا الاستغفار في حال تقصيرنا عن وفاء حق مدحه ووصفه بعد تشريفه لنا بالتوفيق لذكره ومدحه. فإذا نظرنا إلى القضيّة من هذه الجهة فستتبدَّل العناوين كلّها. وعندها سيصبح عندنا قاعدة عامة: المصاب بالعجب خالٍ من معرفة نفسه ومن معرفة ربِّه.

والمعرفة هنا هي المعرفة الروحيّة المتمثلة بالشعور بأنَّك لا شيء وبأنَّ كلّ ما لديك هو من الله جلَّ وعلا، عندها ستشعر بالعجز عن شكر الله لافتقارك إلى فضله حتى في شكره.

هذه المعرفة للنفس وللرب اختصرها أمير المؤمنين (ع) في مناجاته في مسجد الكوفة المعظّم:

«مولاي يا مولاي أنت المولى وأنا العبد وهل يرحم العبد إلا المولى.

مولاي يا مولاي أنت المالك وأنا المملوك وهل يرحم المملوك إلا المالك.

مولاي يا مولاي أنت العزيز وأنا الذليل، وهل يرحم الذليل إلّا العزيز.

مولاي يا مولاي أنت الخالق وأنا المخلوق، وهل يرحم المخلوق إلّا الخالق.

مولاي يا مولاي أنت العظيم وأنا الحقير، وهل يرحم الحقير إلّا العظيم.

مولاي يا مولاي أنت القوي وأنا الضعيف، وهل يرحم الضعيف إلّا القوي.

مولاي يا مولاي أنت الغني وأنا الفقير، وهل يرحم الفقير إلّا الغني.

مولاي يا مولاي أنت المُعطي وأنا السائل، وهل يرحم السائل إلّا المعطي.

مولاي يا مولاي أنت الحي وأنا الميت، وهل يرحم الميت إلّا الحي.

مولاي يا مولاي أنت الباقي وأنا الفاني وهل يرحم الفاني إلّا الباقي.

مولاي يا مولاي أنت الدائم وأنا الزائل، وهل يرحم الزائل إلّا الدائم.

مولاي يا مولاي أنت الرازق وأنا المرزوق، وهل يرحم المرزوق إلّا الرازق.

مولاي يا مولاي أنت الجواد وأنا البخيل، وهل يرحم البخيل إلّا الجواد.

مولاي يا مولاي أنت المعافي وأنا المُبتلى، وهل يرحم المُبتلى إلّا المعافي.

مولاي يا مولاي أنت الكبير وأنا الصغير، وهل يرحم الصغير إلّا الكبير.

مولاي يا مولاي أنت الهادي وأنا الضالّ، وهل يرحم الضالّ إلّا الهادي.

مولاي يا مولاي أنت الرحمان وأنا المرحوم، وهل يرحم المرحوم إلّا الرحمان.

مولاي يا مولاي أنت السلطان وأنا الممتحَن، وهل يرحم الممتحَن إلّا السلطان.

مولاي يا مولاي أنت الدليل وأنا المتحيِّر، وهل يرحم المتحيِّر إلّا الدليل.

مولاي يا مولاي أنت الغفور وأنا المذنب، وهل يرحم المذنب إلّا الغفور.

مولاي يا مولاي أنت الغالب وأنا المغلوب، وهل يرحم المغلوب إلّا الغالب.

مولاي يا مولاي أنت الرَّب وأنا المربوب، وهل يحرم المربوب إلّا الرَّب.

مولاي يا مولاي أنت المتكبِّر وأنا الخاشع، وهل يرحم الخاشع إلّا المتكبِّر»(3).

مَن يقرأ هذه المناجاة بتدبّر يعرف حقيقة نفسه، فذاته متمحِّضة بصفات النقص والافتقار، وكلّ وصف يجده في نفسه على خلاف ذلك فهو من الله تعالى.

فإذا كان الأمر كذلك، فلا بدَّ أن يستغرق في شكره، ويلجأ إليه، ولا يتَّجه بقلبه إلى سواه. وبهذا يصبح سعيه لتحصيل الأسباب ظاهرياً، امتثالاً لأمر الله تعالى بهذا السعي، وسعيه الواقعي إلى مسبِّب الأسباب. فإذا توجَّه قلبك إلى الأسباب فاعلم أنّك ترى لغير الله تعالى حولاً وقوّة والعياذ بالله.

 


المراجع:

(1) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج68؛ ص336.

(2) المصدر نفسه؛ ج5؛ ص59٥٩.

(3) المصدر نفسه؛ ج91؛ ص110.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق