قراءة في كتاب

ملامح عرفانيّة وجيزة في ديوان الشاعرة اللبنانية “أسيل سقلاوي”

235-236

قراءة: حسام محيي الدين(*)

 

ترويسة لمدخَل العرفان

لا يُقرأ ديوان «أنا غبتُ عني» بل يُحاوَر. فالشاعرة اللبنانيّة أسيل سقلاوي تجتبي الموفورَ من ذاكرتنا الجمعيّة مما تواترَ من صفاء الخلائل الفاضلة للروح الإنساني الذي يتفيّأ بظلال التعاليم الدينيّة السمحة، والتي لا خلاف في تقديمها احترام الإنسان في مصيره الواسع فكراً وقولاً وممارسة، فتُحاور ذلك الإنسان الجميل أو «الخام» روحيّاً في محاولةٍ نادرة ـ أو قُلْ قلّ نظيرها ـ لتأصيل هذا الإنسان بما يلامسُ وجه الرؤيا البيضاء العاكسة لطبيعة وجوده كمخلوق بديع. تنطلق أسيل سقلاوي من البحث عمّن يجدها في قلبه علَّهُ يكون حاضراً لتهديه هذا الكتاب الجميل، لكنّها وفي عمليّة البحث هذه تمرُّ على طبائع وأحوال  كينونة «المفقود أو الضائع» الذي تبحثُ عنه فتسِمُها بطابعها الأنثويّ الرقيق الذي تسربل بالتعلّة الإيمانيّة الوجدانيّة، لتأخذنا في سبلٍ نورانيّة نتعرف فيها على الحاضر الغائب الذي ما زال متوارياً حتى آخر بيت في آخر قصيدة في الديوان إلى أن نكتشفه ـ أيّ الحاضر الغائب ـ في حوار الذات والأنا، مُشتبهين في روعة كينونته بين هويّته كمخلوق أو خالق، فلا نعلم لمن تُكتب القصيدة وفي مَن تكتب: أهي للحبيب الجميل أم هي للخالق الأسمى جلّ في علاه؟! وأيُّ إسقاطٍ ديكارتي تحترفه أستاذة الرياضيات في توازي واعتمال الاحتمالَين في داخلنا؟ وكيف نستطيع فكّ ذلك التماهي بين حبّ الشخص وحبّ الله؟ وأي حوار تدفعنا إليه مع قصائد الوجد العرفاني، والوجدان المعرفي لنفوزَ ـ إن أفلحنا ـ بما يجيبُ على السؤال المتجدّد: أهو الشعر لنا؟ للإنسان؟ أم أنّه للنور السماويّ الجليل؟ وكيف لنا أن نمِيزَ تعِلّةَ وجدنا وصفاء عشقنا بين الخالق والمخلوق؟

لنقرأ في قصيدة «تداخل»:

حدّثتُ عنكَ القلبَ ما لكَ تمضي؟          عينايَ فيكَ تحدِّقان وتُغضـي!

 أفضى إليكَ دمي بكلّ شظيّةٍ حمراءَ      سمِّ حروفَ اسمكَ نبضــــــي!

إنه حديثٌ ما إلى مخلوق ما، أو قل حديث الشاعرة إلى حبيبٍ ما. ولكنّه يصلح ـ في مكان ما ـ ليكون منصّة العارفين المؤمنين أن وجود الله والعلاقة به هي الأساس. أو فلنقل أنه حبُّ الله من خلال الشخص الإنسان:

أتيتُ صرحكَ من بابِ الحُسينِ (طوى) عليلة الروح .. أستجدي الهوى عتَبَا

أيضاً وأيضاً هو الحبُّ عينه:  

سمْحٌ ، سخيٌ ، رَضيٌّ ، صائمٌ ، فمتى أراكَ… يا رحمةَ الله الذي وهبا  

لكنّ وسيط المحبة الالهيّة لا يكتفي بمهمّته وإنّما يدفعه وجدان الشاعرة إلى أن يُبدعَ حواراً مع الخالق ومن ثمّ يقتربُ ليصبح صنواً للنور الإلهي على هذه الارض :

يا أنتَ ! نورَ الله… سجدةَ عرشه         يا لهفةَ الأوجاع إنْ هتفتَ هفا!

 نحنُ اتّخذنا من ترابكَ قُربنا لله فيـكَ …  وريــــحَ عشْــــــقٍ  أُزلِفــا

إلى أن تقول:

الله أودعَ في السكينةِ حبَّهُ                   كيْ يُدركوا أنْ فيهِ يفنى العاشقونْ

 … ولَهُ صواعُ الحبّ في تسبيحنا            إنْ جُنَّ هذا الليلُ أو سكنَ الجنونْ

وهنا لم يعد الحوار حواراً! بل فناءً في حبّ الله، وتسبيحاً في سبيل رضاه، وسلوك طريق معرفته الحقّ. ولكن هل تقطّعت السبُّل بغير العارفين؟ طبعاً لا!

فما على الحبيب لو أهدى حبيبته قصيدةً «سقلاويّة» واجداً بها ولو لم يكن عارفاً؟!

يختلط القصيد ويشتبه على القارىء، فلا يدري لمن تؤول القصيدة، أهي للحبيب أم لربّ الحبيب؟! فلو قالها في الحبيب لأصاب كبده بسهام تولّهه، ولو ناجى بها الخالق لأضاءَ قلبَهُ بقيمة العرفان. وفي الحالين تبقى القصائد في «أنا غبتُ عني» مزنةً للعشق البشري ـ الإلهي، أنّى تظّللتَ بها روَتْكَ بخيرها وكأنها:

لغةٌ منَ الياقوتِ… نارُ صبابةٍ           كشفَتْ عباءتها لوجهِ الشمسِ

في عُجالةٍ لا أُفُقَ فيها لإمساكِ بكل ما تناثر من أحاسيس الوجد ولواعج ِالمحبّين واحتراقِ العاشقين بين دفّتَي الديوان، ولا إحاطة بكاملِ مكامن الجانب العرفاني الفلسفي من تجربة  «أسيل» كإنسان: روحاً وعرفاناً، يبقى البعضُ المتألّقُ الجميل الذي استزارنا فزُرناهُ ونهلنا منه ترويسةً لمُدخَل العرفان، وأمّا الذي غابَ منه فهو آتٍ فينا لا شكَّ مرّةً أخرى، ويبقى الرجاء «أن يكون الغياب أكثر حضوراً من الحضور نفسه».


(٭) ماجستير في اللغة والأدب العربي ـ شاعر وباحث في الأدب العربي.

إغلاق