الافتتاحية

قتيل العَبرة

237-238

لا بُدَّ لأيّ منظومة فكرية أو اعتقادية تُطرح كنظام شامل للإنسانية أن تراعيَ جميع جوانب الكيان الإنساني بتحقيق التوازن بينها، ومراعاة متطلّبات الناس على اختلاف طبقاتهم.

وبما أنّ الإسلام هو الشريعة الخاتمة التي رضيها الله للناس ديناً، فلا بدَّ له من أن يراعي التوازن بين العقل والروح والجسد، ويعطي كلّاً منها ما يسدُّ حاجاته ويهذِّب مسيره.

كما لا بدَّ من أن يراعي جميع المستويات الفكريّة والعمرية والاجتماعية في مسيرة الجذب نحو النهج الإلهي.

لذا كان لا بدَّ من مراعاة الحاجات الفكريّة والمعرفيّة من خلال منظومة الأدلّة والبراهين المثبِّتة للعقيدة والمشيِّدة لمبانيها، والمُرسيَة لمبادئ الأخلاق التي هي وعاء الدين، الممهِّدة لسبيل الانقياد للتشريع كإطار ناظم لأحوال الفرد والمجتمع.
هذه المعرفة توضح الرؤية من كلِّ الجوانب، لكنَّها لا تخلق الحافز الكافي للتحرّك ضمن إطار هذه المنظومة، بل لا بدَّ من دافع عاطفي يبثُّ حافز التحرك وفق المعرفة، ويخلق الدافع في أبناء المجتمع على حدٍّ سواء على اختلاف مستوياتهم.

وما ذلك إلَّا العاطفة، ذلك الحافز المشترك في الشكل والمضمون بين أبناء البشر، الذي يبثُّ الحنان في قلب الأم، كلّ أم، ويزرع الشغف في كلِّ زوجين، ويخلق الدافع للتضحية والفداء.

ذلك الرابط الذي جعله الله حافز أتباع الرسالة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31].

وكلَّما كان موضوع العاطفة أبلغ في هزِّ المشاعر كلَّما كان التجاوب معه أقوى، وأثره أضمن، لذلك لمّا انحدرت الأمّة إلى غياهب العصبيّات المقيتة، وتسافلت إلى درك المصالح الرخيصة، وتهدَّدت الأصول الأخلاقية بالزوال حتى بشِقِّها الجاهلي، من صون العرض وحماية الجار. لم تعد الحركة الفكريّة تنفع لتقويم العِوَج، بل تحتَّم توجيه صفعة لوجه الإنسانية تهزُّ وجدانها بطابع الفاجعة المريرة، فكانت كربلاء.

لذلك فإنَّ استمرارية الهدف الكربلائي في تحفيز الأصول الأخلاقية في الوجدان الإنساني لا يحصل إلا بالحفاظ على الطابع الانفعالي العاطفي للذكرى، فصاحبها كما وصف نفسه: «قتيل العبرة ما ذكرني مؤمن إلا وبكى».

ومن هنا نعي خطورة دعوات عقلنة الذكرى وتحويلها إلى ندوات ومسرحيات وأعمال فنيّة، بذريعة تحفيز الوعي وتثقيف الجمهور.

إنَّ طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة، وهي فريضة يوميّة، ينبغي تحفيز الناس إليها لتغذية عقولهم، ولكن هناك مواسم في العام لبناء جوانب أخرى في كيان المؤمن، فالعشر الأواخر من شهر رمضان موسم عبادة ومناجاة وترقية للروح في وصالها الإلهي، وأيام الحجّ موسم تهذيب للنفس بالمساواة أمام الخالق في وصفٍ واحدٍ جامع للبشر على اختلاف طبقاتهم، هو العبودية، وعاشوراء موسم تحفيز انفعالي للفضائل في نفس الإنسان عن طريق التعاطف الفائق مع المأساة ـ الملحمة.

لذا كانت أيام حزن الأئمّة الطاهرين.

ولئن كان منبر عاشوراء يُستخدم لبثِّ الفكر وتوعية الناس، فهذه فائدة نافلة ينبغي أن لا تزيل الطابع الرئيسي للموسم.

فللعاطفة أيامها العشرة، وللفكر عامه كاملاً. لذا فلتستبدَل دعوة عقلنة الذكرى بجهود لتنظيم مواسم التوعية على مدى العام، ودعوة الناس إليها، ليحصل التوازن التام بين جوانب الأداء الرسالي، فكما لا يليق استبدال مناسك الحج بورش عمل، ومراسم ليلة القدر بندوات ودورات، فلا يليق أيضاً تحويل عاشوراء عن وجهتها الأساسيّة.

فلنملأ المساحات الفارغة بدل أن نشوّش المساحات الملأى، فذلك أليق بالإصلاح.

مدير التحرير  

إغلاق