قضية ورأي

البكاء أداء لأجر الرسالة

237-238

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْـمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (إبراهيم ،۳٧)

اشتملت شخصية أمير المؤمنين (ع) على داعيين هامين للعداوة والبغضاء:

١ ـ فهو رأس الحربة في جميع حروب النبي (ص) الدفاعيّة ضد المشركين، وقاتل مردة المشركين ورؤوس القبائل المعادية للإسلام، ما جعل في ذمّته ثارات كبرى لمجتمع قبليّ جاهليّ، لا ينسى الثأر العادي، لأحد أبناء القبيلة، فكيف إذا كان الدم لكبير من كبرائها الذين يقوم المجتمع الجاهلي على تقديسهم باعتبارهم السلطة العليا.

وهذا ما أشار إليه دعاء الندبة: «وكان بعده هدًى من الضلال، ونوراً من العمى، وحبل الله المتين، وصراطه المستقيم، لا يُسبَق بقرابة في رحم، ولا بسابقة في دين، ولا يُلحق في منقبة يحذو حذو الرسول صلى الله عليهما وآلهما، ويقاتل على التأويل، ولا تأخذه في الله لومة لائم، قد وتر فيه صناديد العرب، وقتل أبطالهم، وناهش ذؤبانهم، فأودع قلوبهم أحقاداً بدريّة وخيبريّة وحنينيّة وغيرهن، فأضبّت على عداوته، وأكبّت على منابذته حتى قتل الناكثين والقاسطين والمارقين»(1).

٢ ـ وهو شخصيّة سابقة لمجتمعها بكلّ مقاييسها، سبقاً لا يترك مجالاً للمقارنة ـ فضلاً عن المجاراة ـ ما يجعله محطّ حسد أبناء المجتمع لا سيما أعيانهم والمترئسين منهم.

هذا الخطر الداهم المترتّب على هذا الغلّ المخزون في قلب المجتمع حتّم حصول تدبير إلهي يحمي الهداية المستمرّة للعترة من بعد سيّدها المصطفى (ص) فنزلت الآية الكريمة: “قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. ” [الشورى: 23].
فكان الفرض التشريعي الإلهي لمودّة العترة الطاهرة باعتبارها أجر النبي (ص) على جهوده في إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

والمودّة هي الحبّ القلبيّ المتجلي عمليّاً، فهي ليست مجرّد الحب. ولكن هل يكفي الأمر التشريعي الإلهي لإزالة الغلّ الناتج عن الثأر من جهة، والتميّز من جهة أخرى. وهل أنّ الامتثال للفرض الإلهي وحده جعل المؤمنين يتجاوزون العصبيّة والحميّة، ويحبّون الرجل الذي قتل كبراء قبائلهم. بل بلغ بهم الأمر أن يقدّموه على أنفسهم، فلا يبقى مكان في القلب إلا لحبّه حتى ولو حكم بحكم يخالف هوى النفس أو مصلحتها. بل يصل الأمر إلى تقديم النفس والولد قرابين على مذبح هذا الحب.

أم أنّها إرادة تكوينيّة إلهيّة، قارنت بين استحكام الإيمان في القلب، وبين اشتعال قاهر لهذا الحب، وبين دين النفاق على القلب وبين استحكام مطلق للبغض؟

يقول أمير المؤمنين (ع): «لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني. ولو صببت الدنيا بجمّاتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني». وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي الأميّ (ص) أنّه قال: «يا علي لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق»(2).

فهذا الحبّ هو حبٌّ ربّاني جعله الله في قلب المؤمن، نتيجة طلب خاصّ مستجاب من سيّد الخلق (ص)، نزل على إثره قوله تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا “ [مريم: 96](3).  فآية المودّة أظهرت الإرادة التشريعيّة الإلهيّة لهذا الود، وهذه الآية أظهرت الإرادة التكوينيّة.

فمن آمن بالله حقاً جعل الله الودّ لعليّ (ع) في قلبه،  فهو حبّ إلهيّ يُترجم في الخارج فكان من ترجمته أن حكّمه الله بقلب المؤمن فأنساه أحبّاءه حتى صار حب وليّ الله أعلى من كل حبّ سوى حبّ الله. وغدا وحده علامة الإيمان دون الصلاة أو الحجّ أو الزكاة.

ذلك أنّ الإيمان أمر قلبي، فعلامته قلبيّة من سنخه، وهو الحب، لذا فهو أدلّ عليه من العبادات البدنيّة. بل إنّ الإيمان مرادف لحب علي (ع).

وهذا الحب يترشّح من إمام إلى إمام حَتَّى يستقرّ في ساحة إمام الزمان عجَّل الله تعالى فرجه، ولذا يسهل على أهل الإيمان طاعته حين ظهوره، لاستحكام حبّه في قلوبهم.

البكاء: ترجمان المودّة

بما أنّ المودّة هي الحبّ المترجَم عملياً فلا بدّ له من آية. تلك هي الرحمة. ومظهر استكمال الرحمة في القلب البكاء. وعليه فيكون البكاء علامة على الإيمان الملازم للمودّة كما أشارت الآية الكريمة المتقدّمة.

هذا البكاء الذي يجلو القلوب بكلّ ما للكلمة من معنى، فيجعلها مستحقّة لنزول الرحمة الإلهيّة. ولكنه ليس أيّ نوع من البكاء.

يقول الصادق (ع) في سجوده: «وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا»(4). فهو البكاء الناتج عن الرحمة لهم، تلك الرحمة المناسبة للمودّة.

فالباكي رحمة لهم هو الذي يعطي الأجر المنصوص لرسول الله (ص) في آية المودّة. وأيّ عمل أعظم من إيفاء أجر محمّد (ص)؟!

ولذا فإنّ هذه الرحمة تسيطر على القلوب، جاذبة ما يناسب عالم الأرواح إلى عالم الشهادة، فتدور النفس مدارها حزناً وفرحاً، وهذا نوع رحمة لا يتّجه إلّا لمحمّد وآل محمّد.

السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين

يقول أمير المؤمنين (ع) في حديث الأربعمائة: «إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة، ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منّا وإلينا»(5).

وقد صدّق الإمام الصادق (ع) على مظهر من مظاهر هذا التفاعل؛ فقد روى  مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله (ع): يا مسمع؛ أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين (ع)؟
قلت: لا، أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتّبع هوى هذا الخليفة، وعدوّنا كثير من أهل القبائل من النُّصّاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند وُلد سليمان فيمثّلون بي.

قال لي: أفما تذكر ما صُنع به؟

قلت: نعم.

قال: فتجزع؟

قلت: إي والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي.
قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمِنّا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم مَلَك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل، ومَلَك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأمّ الشفيقة على ولدها.

قال: ثم استعبر واستعبرت معه.

فقال: الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة وخصّنا أهل البيت بالرحمة»(6).

فالجزع  الذي سأل عنه الإمام (ع) قبل أن يعطي مسمع الوسام لا يمكن أن يحصل دون وجود مودّة مسيطرة على القلب، فالإنسان إذا مات جاره يحزن، ولكن لا يجزع، بل حتى حزن الولد على والده غالباً لا يصل إلى حد الجزع.

نعم، الأم تجزع على ولدها.

وبقيد الرحمة هذا يندفع الإشكال ببكاء عمر بن سعد عند مخاطبة العقيلة زينب (ع) له قُبيل مصرع سيد الشهداء (ع)، لأنّه بكاء لهول المصاب وليس ناتجاً عن الرحمة، فلا علاقة له بالمودّة ولا الإيمان، إذ لو كان ناتجاً عن الرحمة الربّانيّة التي وصفناها لما أقدم بعد ذلك على الأمر بقتل سيد الشهداء (ع)، مهما كانت الإغراءات والتهويلات، لأنّ المودّة تجعل صاحبها يضحّي بمصالحه، بل براحته، بل بنفسه في سبيل من يودّ.
بل الناس في حبّها الدنيوي ترى التضحية في سبيل المحبوب نبلاً، فكيف بالحب الربّاني؟!

ثم إنّ لهذا البكاء ميزة أخرى وهو أنه نتاج حرارة في القلب. فقد روى الإمام الصادق (ع) عن النبي (ص) أنّه نظر إلى الحسين بن علي (ع) وهو مقبل، فأجلسه في حجره وقال: «إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً».

ثم قال (ع): بأبي قتيل كلّ عبرة.

قيل: وما قتيل كل عبرة يا ابن رسول الله؟

قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى(7).

فالحرارة في القلب تتحلّى بمظهر الدمعة لمجرّد ذكره.

تلك الدمعة قد خرجت من الحرارة المجعولة في قلوب المؤمنين. وكلّما قويت هذه الحرارة زاد انسكاب الدمع حتى يصل إلى مرحلة البكاء لذكر اسم الحسين (ع).

لذا فإنّ هذا النوع من التفاعل فائق للعادة، فالتفاعل بأيّ أمر يأتي من المشاهدة الخارجية فيسبّب تفاعلاً داخليّاً. لذا ترانا حال الدعاء لله نقرأ الكلمات ونحاول استشعار معانيها في قلوبنا.

وهذا ما نفعله عندما نصوّر للرأي العام مظلومية شعب أو شخص حتى نُدخِل الحزن على قلبه فينفعل ويبكي.
أمّا البكاء على الإمام الحسين (ع) فينبعث انفعاله من داخل القلب ليتجلّى في الخارج فتتساقط الدموع.
ولذا فهو موجب لغفران الذنوب، فقد روي عن الصادق (ع) قال: «من ذُكِرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غُفر له ذنوبه ولو كانت مثل زَبَد البحر»(8).

ذلك أنّ الذنوب ترتسم في القلب، والبكاء على الإمام الحسين (ع) يخرج من القلب. ثم إنّه بكاء ربّاني، وفيه مواساة لمحمد وآله (ص).

فإذا كانت الصلاة على محمد وآله داعية لصلاة الله في ملكوته على العبد،  وموجبة لغفران الذنوب، فكيف إذا واساه العبد بقلبه، وترجم المواساة بدموع عينيه؟!

بخلاف من رأى المجزرة وفظاعتها فتحرّكت إنسانيته الدفينة نتيجة هول المصاب فبكى، فدموعه لم تخرج من حرارة قلبه بل بسبب ما رأت عيناه. فدموعه تكون حجّة عليه وليست رحمة له.

التباكي:

إذا لم يشعر الإنسان في قلبه بحرارة المصاب، ولم يأنس من نفسه تجلّي الرحمة بالبكاء، فإنه يحاول استشعار الرحمة واستجلاب الحرارة، بالإطراق واستحضار الكآبة، حتى يدخل الحزن إلى قلبه، فيحرّك الحب الكامن فيه فيشتعل بالحرارة، وهو ما يسمّى بالتباكي.

شأنه في ذلك شأن من يصوّر لشخص مأساة شخص مظلوم لا يعرفه ومعاناته ليحرّك له مشاعره شيئاً فشيئاً حتى يتفاعل معه ويبكي عليه.

وكذا إذا حاورنا غنيّاً لا يريد مساعدة الفقراء فنَصِف له جوعهم  وآلامهم حتى تتحرّك مشاعره فيبادر لمساعدتهم. وكذا لو كان بين الأرحام ظالم لهم، ثم أصابته شدّة فإنهم لن يتفاعلوا معه لِما في قلوبهم من غيظ تجاهه، فإذا جاء المصلح فذكّرهم بما سلف بينهم من ذكريات حسنة، وأتقن تصوير سوء حاله، فإن غيظهم سينقلب تدريجياً إلى رحمة.
ومن هنا نفهم ما ورد عن الصادق (ع): «من أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة»(9).

عقلنة عاشوراء وقتل المودّة:

من خلال ما سبق نكتشف أنّ الهدف الرئيسيّ لإقامة عزاء سيد الشهداء (ع) هو تفعيل حرارة القلب، وتكريس المودّة والرحمة فيه تجاه الحقّ المتمثِّل بالحسين (ع).

ومن هنا يظهر أنّ دعوات عقلنة العزاء، والتركيز على الجانب الفكري في عاشوراء هي في الحقيقة دعوات لقتل مبادئ عاشوراء.

فالفكرة لا تنعكس عملاً إلا إذا ضخخنا في عروقها حرارة المودّة والرحمة وهذا ما جسّده أصحاب الحسين (ع).
فإذا بقيت الفكرة في العقل بلا حرارة، تحوّلت إلى جماد لا روح فيه، ولا واقع له.

وهو الذي نراه في موقف عبيد الله بن الحر الجعفي الذي رغم معرفته بأحقيّة الحسين (ع)، وعرضه فرسه وسيفه عليه ليستعملهما، إلا أنّ نفسه لم تطاوعه بأن يقدّمها بين يديه، وما ذلك إلا لأن معرفته العقليّة بأحقّيته لم تُترجم حرارةً في قلبه تدفعه لأن يضحيَ في سبيله.

ونظير ذلك في عملية التوبة، فالبكاء من خشية الله تعالى يذيب الذنوب، ولذا لا بدّ من البكاء الحار حتى تتحقّق التوبة النصوح. ولو كان التفكّر في الذنب وأضراره كافياً لتحقّق التوبة لما كان هناك داعٍ للحثّ على البكاء من خشية الله، فهذا الانفعال العاطفي هو ضمانة عدم العودة إلى الذنب.

وكذلك الحال في عاشوراء.

لذا فإنّ عدم التفاعل والبكاء في مواسم العزاء علامة اضمحلال الحب.

والنهي عن هذا البكاء ما هو إلا نهي عن أداء أجر رسالة محمّد (ص) بمودّة عترته، إذ كيف لا تبكي على مصاب مَن تودّه؟!
فهو دعوة صريحة لعصيان الأمر الإلهي في آية المودة، لأنّه منع عن ترجمة الرحمة المُظهرة للمودّة بالبكاء.

وهو مِن مَنْع الأجير أجره الذي ورد في حقّه اللعن لأنّه ظلم.

فقد ورد عن النبي (ص): «من منع أجيراً أجره فعليه لعنة الله»(10).


(1) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٩٩؛ ص١٠٦.

(2) نهج البلاغة؛ ج٤؛ ص١٣.

(3) تفسير العياشي؛ ج٢؛ ص١٤٢.

(4) الكليني؛ الكافي؛ ج٤؛ ص٥٨٣.

(5) الصدوق؛ الخصال؛ ص٦٣٥.

(6)  ابن قولويه؛ كامل الزيارات؛ ص٢٠٤.

(7)  النوري؛ الميرزا حسين؛ مستدرَك الوسائل؛ ج١٠؛ ص٣١٨.

(8) ابن قولويه؛ كامل الزيارات؛ ص٢٠7.

(9) المصدر نفسه؛ ص٢٠٩.

(10) الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ ج٤؛ ص٣٦٢.

إغلاق