أخلاق

الرضا عن الله تعالى

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

المعنى: الرضا هو القبول من غير تردُّد ولا معارضة، وهو خلاف السخط وهو على نحوين هما: رضا الله تعالى عن عبده، ورضا العبد عن الله تعالى، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: “رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” [المائدة،١١٩]. ومعنى الرضا في علم الأخلاق هو: «الرضا عن الله تعالى من غير تردُّد ولا معارضة ولا سخط».

فعن رسول الله (ص): قلت: فما تفسير الرّضا؟ قال جبرائيل: «الراضي لا يسخط على سيّده أصاب من الدّنيا أو لم يصب»(1). ومقام الرّضا أعلى من مقام الصبر، لأنّ الصبر قبول بالأمر على مضض، أمّا الرّضا فهو قبول بلا مضض، وهذا القبول لا يعني عدم الإحساس بالألم، وإنّما هو عدم الاعتراض والسخط، فقد يتألّم الإنسان عند فَقد الحبيب، وهذا لا يتنافى مع مرتبة الرضا، فقد تألم النبي (ص) عندما مات ولده إبراهيم وقال: «تدمـع العيـن، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، إنّا بك يا إبراهيم لمحزونـون»(2).

الخُلُق القرآني:

الرّضا من أخلاق القرآن الكريم، فيقول تعالى: : “رضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ” [المائدة: ۱۱۹]. ويقول تعالى: “رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” [المجادلة : ۲۲]. ويقول تعالى: جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ  ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:۸].

وقد ذكر القرآن أنّ من صفات الأنبياء والأولياء (ع) الرّضا، فيقول تعالى:” وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا” [مريم: ٦]، أي «متصفاً بالرضا بحيث تكون هذه الصفة ثابتة وراسخة في قلبه، ويكون في مقابل التقديرات والابتلاءات الظاهرية والباطنية والتكاليف الإلهيّة راضياً وموافقاً»(3). ويقول تعالى: یا أَیَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِی إِلى رَبِّکِ راضِیَةً مَرْضِیَّةً فَادْخُلِی فِی عِبادِی وَادْخُلِی جَنَّتِی”[الفَجر: ۲۷-۳۰]. فعن الإمام الصّادق (ع) في الآية أنّه قال: «إنّما يعني الحسين بن علي فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية وأصحابه من آل محمد (ص) الراضون عنه يوم القيامة وهو راض عنهم»(4).

وعن ابن عبَّاس في قوله تعالى: : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ” [البينة: ۸] قال: قال النّبي (ص): «يا علي تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين»(5).

فالمؤمن القرآني يتخلّق بهذا الخلق الذي هو رأس طاعة الله، وأعلى درجات الإيمان.

فعن الإمام الصّادق (ع) أنّه قال: «رأس طاعة الله (عزّ وجل) الرّضا بما صنع الله إلى العبد فيما أحب وفيما كره»(6).

وعنه (ع) في رسالته لشيعته: «اعلموا أنّه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه، وصنع به، على ما أحب وكره»(7).

وفي أخبار موسى (ع)، أنّهم قالوا: سل لنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه (يرضى به عنّا) فأوحى الله تعالى إليه: «قل لهم: يرضون عنّي، حتى أرضى عنهم»(8). وبهذا الخلق يتحمّل المؤمن ما يجري عليه من الأمراض والابتلاءات والهموم والأحزان، فإنّ الراضي بالله تعالى لا يتعلّق إلا به، وبالتالي فإنّه لا يبالي بما يرد عليه من شرّ أو خير، فعن الإمام الباقر (ع):  «تعلّق القلب بالموجود شرك، وبالمفقود كفر، وهما خارجان من سنَّة الرضا»(9).

وعن رسول الله (ص): «إنّ الله بحكمته وجلاله جعل الرّوح والفرج في الرضا واليقين، وجعل الغمّ والحزن في الشك والسخط»(10).

وعن الإمام علي (ع): «من رضي من الله بما قسم له استراح بدنه» وعنه (ع): «الرّضا ينفي الحزن»(11).

ولكن الوصول إلى هذه الدرجة لا يكون بالادّعاء فقد حُكي أن «عمرو بن الفارض» كان من أئمّة الصوفية، وكان يقول: وبما شئت في هواك فاختبرني فاختياري ما كان فيه رضاك. وبعد فترة ابتلي بحصر البول، فكان يندب ويصيح، ويقول للأولاد: ادعوا لعمكم الكذّاب(12).

موارد الرّضا:

ذكرت النّصوص الشريفة موارد عديدة للرضا عن الله تعالى، وهي:

أولاً: الرّضا العقائدي، وذلك بأن يرضى بالله تعالى رباً، وحاكماً، ورازقاً، ومعيناً، وناصراً، قال تعالى:” وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”[ فصلت: ۳٥].

وعن رسول الله (ص): «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيا»(13). وفي بعض الأدعية وتعقيبات الصلوات نقول: «رضيت بالله رباً….» وقد قال بعض الصحابة هذه الكلمة فأنزل الله تعالى فيهم:” وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” [المائدة: ٥٦].

وعن أبي جعفر (ع) في قول الله (عزّ وجل):” وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” [المائدة: ٥٦]. قال: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم عبد الله بن سلام، وأسد وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبي (ص) فقالوا: يا نبي الله إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيك يا رسول الله؟ ومن ولّينا بعدك؟ فنزلت الآية: : “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا” [المائدة: ٥٥]. فقال رسول الله (ص): «قوموا فقاموا وأتوا المسجد فإذا سائل خارج، فقال: يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم هذا الخاتم. قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذاك الرجل الذي يُصلي، قال: على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً، فكبّر النبي (ص)، وكبّر أهل المسجد، فقال النبي (ص): علي وليُّكم بعدي، قالوا: رضينا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبعلي بن أبي طالب وليّاً فأنزل الله تعالى:وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” [المائدة:٥٦](14).

ثانياً: الرّضا عن الأحكام التشريعية، ففي قوله تعالى: : “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ” [النساء: ٦٥] قال الإمام الباقر (ع): «التسليم، الرّضا، والقنوع بقضائه»(15).

ثالثاً: الرّضا عمّا أعدّه الله تعالى يوم القيامة من العيش في جنات عدن، قال تعالى:” فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ” [الحاقة: ۲۱-۲۲]. وقال تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ” [القارعة: ۷]. وقال تعالى: “لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ مصفوفة [الغاشية: ۹-۱۵].

وعن رسول الله (ص): «إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى الطائفة من أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، ويتنعّمون كيف يشاؤون، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حساباً، فيقولون: هل جزتم الصِّراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطاً، فيقولون: ما رأيتم جهنّم؟ فيقولون: ما رأينا شيئاً، فتقول الملائكة: من أمّة من أنتم؟ فيقولون: من أمَّة محمد (ص)، فيقولون: نشدناكم الله، حدّثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا، فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلغنا الله تعالى هذه المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنّا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير ممَّا قسم لنا، فتقول الملائكة: حق لكم هذا»(16).

رابعاً: الرّضا بتقسيم الأرزاق، قال تعالى:” أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” [الزخرف: ۳۲].

وفي دعاء الإمام زين العابدين (ع): «ورضّني من العيش بما قسمت لي يا أرحم الراحمين»(17)، فالمؤمن يرضى برزق الله تعالى مهما كان قليلاً، ففي الحديث: «من رضي من الله بالقليل من الرّزق قَبِل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفّت مؤنته وزكت مكسبته أهله»(18).

وأمّا السخط فهو خلاف الإيمان، فعن الإمام الحسن (ع): «كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمه، ويُحقّر منزلته، والحاكم عليه الله»(19).

خامساً: الرّضا بما يجري على الإنسان من قضاء وقدر كالموت والفقر، والمرض، والبلاء.

فعن الإمام علي (ع): «من لم يرض بالقضاء دخل الكفر دينه»(20).

وعن قتيبة الأعشى قال: أتيت أبا عبد الله (ع) أعود ابناً له، فوجدته على الباب فإذا هو مهتم حزين، فقلت: جُعِلت فداك كيف الصبي؟ فقال والله إنّه لما به، ثم دخل فمكث ساعة، ثم خرج إلينا وقد اصفرّ وجهه وذهب التغيّر والحزن، قال: فطمعت أن يكون قد صلح الصبي، فقلت: كيف الصبي جُعلت فداك؟ فقال (ع) وقد مضى لسبيله فقلت: جُعلت فداك لقد كنت وهو حي مهتماً حزيناً وقد رأيت حالك الساعة وقد مات غير تلك الحال فكيف هذا؟ فقال (ع): إنّا أهل البيت إنّما نجزع قبل المصيبة، فإذا وقع أمر الله رضينا بقضائه وسلمنا لأمره(21).

قال ابن فهد الحلي: «ينبغي لك مع تأخر الإجابة الرضا بقضاء الله تعالى، وأن تحمل عدم الإجابة على الخيرة، وإنّ الحاصل بك هو عين الصلاح لك، فإنّه غاية التفويض إلى الله تعالى، وحقٌّ له عليك، فإنّه روى عن رسول الله (ص) أنّه قال: «لا تسخطوا نِعم الله، ولا تقترحوا على الله، وإذا ابتلي أحدكم في رزقه ومعيشته فلا يحدثنَّ شيئاً يسأله لعل في ذلك حتفه وهلاكه، ولكن ليقل: اللّهم بجاه محمّدٍ وآله الطيبين إن كان ما كرهته من أمري هذا خيراً لي، وأفضل في ديني، فصبّرني عليه، وقوّني على احتماله، ونشّطني للنهوض بثقله، وإن كان خلاف ذلك خيراً لي فجد عليَّ به ورضِّني بقضائك على كل حال، فلك الحمد»(22).

سادساً: الرّضا بما يختاره الله تعالى، ففي مناجاة موسى (ع): «يا ربِّ أيُّ خلقك أحبُّ إليك؟ فقال الله تعالى: من إذا أخذت حبيبه سالمني، فقال: فأيّ خلق أنت عليه ساخط؟ فقال: من يستخيرني في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائي»(23). وعن الإمام زين العابدين (ع): «من إتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمنّ أنّه من غير الحال التي اختارها الله تعالى له»(24).

سابعاً: الرّضا بالموت، ففي الموت صعوبة وفراق للمال والأولاد والدّنيا، وانتقال إلى عالم آخر، وقد يتردّد الإنسان ويخاف من ذلك، ولكن المؤمن يسلّم الرّوح إلى الله تعالى بنفس راضية مرضية، كما ورد في تفسير قوله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً “[الفجر: ۲۷-۲۸] .

السبيل للوصول إلى مقام الرّضا:

لكي يصل المؤمن إلى هذا المقام العالي، لا بدّ من أمور:

1 ـ ما ذكرته الآية المباركة وهو: ” فَاصْبِرْ عَلَى‏ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآىِ الَّیْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّکَ تَرْضَى‏” [طه: ۱۳۰].

2 ـ التوسُّل بالله تعالى لكي ينال هذا المقام، فإنّ الأمر بيد الله تعالى أولاً، فمن رضي الله تعالى عنه ألهمه العمل للوصول إلى مقام الرّضا، ولذا نجد القرآن يذكر أنّ عطاء الرّضا من الله تعالى، قال تعالى: : “وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ” [الضحى: ٥].

3 ـ العلم، بأنّ الله تعالى لا يفعل له إلّا ما هو خير له، فعن الإمام الباقر (ع) قال: «فيما أوحى الله (عزّ وجل) إلى موسى (ع): يا موسى ما خلقت خلقاً أحبُّ إليَّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما أبتليه لما هو خير له وأعطيه لما هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي وليرض بقضائي وليشكر نعمائي، أكتبه في الصدّيقين عندي، إذا عمل برضائي، وأطاع أمري»(25).

4 ـ الحب، فمن أحبَّ الله تعالى رضي بما يفعل به، ففي الحديث أن الإمام الرضا (ع) سأل جابر الأنصاري كيف تجد حالك؟ فقال جابر: أنا في حال الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، والمرض أحبُّ إليَّ من الصحة والموت أحبُّ إليَّ من الحياة، فقال لي: أمّا نحن أهل البيت فما يرد علينا من الفقر والغنى والمرض والصحة والموت والحياة فهو أحبُّ إلينا».

5 ـ الثقة بالله تعالى، فعن الإمام علي (ع): «أصل الرّضا حسن الثقة بالله تعالى»(26).

6 ـ الدّعاء بنيل مقام الرّضا، قال العلامة السيد تقي المسقطي حفظه الله: عندما كنت في حرم الإمام الرضا (ع) تيقّنت بأنّ الحوائج مُستجابة في ذلك المكان المقدّس فاستحييت أن أطلب حوائج الدّنيا فسألت ما هو أعلى من ذلك بكثير وهو مقام الرّضا فقلت:

أطالب ربي كمال الرّضا

بحقّ عليّ بن موسى الرّضا

بحق الإمام التقي النّقي

ومن اسمه في العالمين الرّضا

الدعاء، كما كان الإمام زين العابدين (ع) يقول في سجوده: «إن كنتُ بئس العبد فأنت نِعمَ الرّب»، وفي الدّعاء: «إلهي أنت نِعم الرّب… نِعم المولى… نِعم الخالق… نِعم الرازق… وهذه العبارات تدلّ على كمال
الرضا بما عند الله تعالى.

السخط مقابل الرّضا:

يقابل الرّضا حالة «السخط والاعتراض والإنكار والرفض، وهي حالة ناتجة عن عدم التسليم لأوامر الله تعالى، وهي ظاهرة كثيرة في المجتمع خصوصاً في المجتمعات البعيدة عن الله تعالى، وتؤدّي إلى الإحباط واليأس ورفض الواقع، حتى إنّ البعض يلجأ لإحداث الشغب والفوضى تعبيراً عن سخطه على الواقع، كما أنّها تؤدّي إلى إنكار قضاء الله تعالى واتّهامه في تدبيره وحكمته كما في الحديث القدسي: «ما أنصف الله من نفسه من اتهم الله في قضائه واستبطأه في رزقه»(27). وعن رسول الله (ص) قال الله تعالى: «أنا الله لا إله إلا أنا، من لم يرضَ بقضائي، ولم يؤمن بقدري، فليلتمس إلهاً غيري»(28). ويعبِّر البعض عن سخطه بكثرة التذمّر والشكوى من الأحوال والأوضاع والأمراض.

في الحديث: «أوحى الله تعالى إلى عُزير:… وإذا نزلت إليك بليّة فلا تشكو إلى خلقي، كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساويك وفضائحك».

وعن الإمام الصّادق (ع): «ليست الشكاية أن يقول الرجل: مرضت البارحة أو وعكت البارحة، ولكن الشكاية أن يقول: بُليت بما لم يبل به أحد».

وما يُنسب للإمام زين العابدين (ع):

بليت بعسرة فاصبر لها

صبر الكرام فإنّ ذلك أحزم

لا تشكون إلى الخلائق إنّما

تشكو الرَّحيم إلى الذي لا يرحم

من ثمرات التدبُّر:

المؤمن يرضى في كلّ الأحوال، فإن أُعطي رضي، وأمّا أهل الدنيا فيجعلون أنفسهم مقياس الرضا والسخط، فإن أعطوا رضوا وإن مُنعوا سخطوا، قال تعالى:” وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ” [التوبة: ٥٨-٥٩ ].


(1) الصدوق؛ر معاني الأخبار؛ ص261.

(2) الكليني؛ الكافي؛ ج3، ص263.

(3) التحقيق في كلمات القرآن : ج٤، ص163.

(4) الأنوار الساطعة: ج3، ص375.

(5) مقدمة البرهان: ص273.

(6) الأهوازي؛ المؤمن؛ ص20.

(7) الكليني؛ الكافي؛ ج8، ص8.

(8) مسكن الفؤاد: ص80.

(9) المصدر نفسه ص82.

(10) مسكن الفؤاد: ص81.

(11) المصدر نفسه.

(12) جلاء الكروب: ج1، ص431.

(13) ميزان الحكمة؛ ج1، ص201.

(14) مواهب الرّحمن؛ ج12، ص82.

(15) البرقي؛ المحاسن؛ ج1، ص271.

(16) مسكن الفؤاد؛ ص80.

(17) الصحيفة السماوية الجامعة؛ ص234.

(18) الكليني؛ الكافي؛ ج2، ص138.

(19) المصدر نفسه، ص62.

(20) الواسطي؛ عيون الحكم والمواعظ؛ ص463.

(21) عدّة الداعي: ص ٤٦.

(22) عدّة الداعي: ص ٤٦.

(23) مسكن الفؤاد: ص81.

(24) الحراني؛ تحف العقول؛ ص234.

(25) الأهوازي؛ المؤمن؛ ص17.

(26) ميزان الحكمة؛ ج2؛ ص193.

(27) الصدوق؛ الأمالي؛ ص648.

(28) الصدوق؛ التوحيد؛ ص371.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق