أعلام وشخصيات

الشيخ يوسف الفقيه العاملي الحاريصي :مؤسس القضاء الشرعي الجعفري(*) (الجزء الثاني)

237-238

بقلم: سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي (قدس سره)
عَودَة الشيخ الوالد إلى وَطَنِهِ وَمسيرته فِيه:

في سنة ١3٢٥هـ، غادر النبحف عائداً إلى وطنه جبل عامل، وصحبه في الطريق الشيخ أسد الله صفا، وجماعة من وجهاء المؤمنين، وله قصص وأخبار ومحاججات ومناظرات وكرامات ـ في طريق العودة ـ يطول الكلام بذكرها.

ولمّا ورد بيروت، استقبله إليها وجهاء القرى، واستقبلته الجماهير إلى صور.

وكانت العادة عندما يعود العالِم من العراق منتهياً من الدراسة ـ ولا يعود إلّا منتهياً ـ يزوره العلماء ثم يسألونه أولاً عن شهاداته فيعرضها عليهم، ثم تطرح المسائل العلميّة مبتدئين بالأسهل، ثم يرتفعون إلى المعضلات إن وجدوه أهلاً لها، ثم إذا انصرف العلماء الزائرون يتبعهم خيار الناس من أهل الدين والعقل مشيعين لهم.

فإذا كانوا خارج العمران، سألوهم عن مكانته العلميّة، ومعنى هذا أنّهم كانوا لا يعتمدون على الشهادات منفردة، ثم يكون ما يجتمع لديهم من أقوالهم أشبه بكلمة الفصل.

وكان العلماء البارزون بالعلم والتقوى وأصحاب الفضل والعقل، ينوِّهون بالعالمِ الجديد، ويرون ذلك حقاً عليهم، ولعلّهم كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى تهيئة الجو لمن يخلفهم في معالجة مشاكل المؤمنين الدينية إذا عاجلهم القدر.
أمّا اليوم، فقد ضاعت هذه المقاييس مرَّة واحدة، كما ضاع كثير من أمثالها، وكان من آثار ضياعها ركود الحركات الإصلاحية وانتشار الفوضى.

ولمّا استقر في بلده، كان يستقبل الضيوف والوافدين، ويفصل الخصومات، ويحلُّ المشاكل، والذي أدركته في أيام يفاعي أن بيتنا كان لا يخلو من الوافدين، وكان يتعاهد عدَّة قرى، فيقيم في بعضها اليوم والليلة، وقد يذهب لجارتها القريبة ويعود اليها، ولعلَّ جميع العلماء كانوا كذلك.

صفاته وسِمَاته:

هو أحد فقهاء عصره المتفوقين، فهو عالم مجتهد محقِّق ثبت، صافي الذهن نقي العبارة، لا يقول شيئاً في المسألة حتى يحيط يجهاتها، أقوالاً ونصوصاً وقواعد، ثم يوجزها بعبارة مفهمة خالية من الفضول، ومؤلفاته تشهد له بذلك كلِّه.
كان فصيح المنطق حتى لا يكاد يخفى حرف من حروف كلماته، وصوته أشبه بالجهوري، وكان يدخِل اللغة العامّية الدارجة في أثناء كلامه ووعظه، وكان غزير الدمعة، فإذا وعظ بكى وأبكى، وإذا رأى يتيماً قرَّبه وأدناه وأعطاه وحاول إضحاكه وبكى لأجله. كان سريع الغضب سريع الرضا، ويعتذر ويعلن التوبة ويكرر الاستغفار.

وكان جميل الصورة ممتلىء البدن، نقي البشرة أقرب ما يكون للبياض، ربعة في الرجال إذا كان واقفاً، فإذا جلس كان كأنّه من أطولهم، أصهب الشعر يميل قليلاً إلى الحُمرة، توفي عن ثمانين عاماً ولم يكتمل شيبه، بل كان ما شاب منه دون ما بقي على لونه الطبيعي، وكان لا يملّ من مزاولة المصادر الفقهية ولا سيما ليلاً، وقد يبقى حتى بعد منتصف الليل بساعة أو أكثر.

وكان مرحاً منبسط الأسارير، غير معقَّد، تعجبه القصة المرحة وبيتهج لها. وكان واسع الشخصية في بلادنا، فإنّني ما دخلتُ قرية من قرى بلادنا إلا ووجدتُ فيها من يعرفه ويتحدَّث عنه وأكثرهم يقول أنّه استقضاه حاجة فقضاها له. وكان يتّصل بالحكام ويستقضيهم حاجات الناس، وكان لشدِّة ثقته بنفسه قد يستقضي حاجاتهم ممن لا يعرفه فتُقضى له.

وكان منزله في بيروت ندوة لعلية القوم من الوزراء والنواب وسائر الأعيان من رجال العلم والفكر والسياسة، وسواء في ذلك الشيعة والسنَّة والمسيحيين، بل كان زعماء المسيحيين يتقرّبون إليه أكثر مما عداهم. وكان مضيافاً حتى في بيروت.

كنتُ أنا وأترابي من ناشئة آل الفقيه نفرح إذا وردنا أضياف محترمون، وكنت ألاحظ الاستبشار والسرور يلوح على وجوه الذين يُكثرون التردُّد على الديوان ويقومون بخدمات الضيوف، وكان لا يؤذَن لنا بالجلوس على المائدة إلا بعد انفصال الغرباء عنها ـ وهنا يتجلّى الكرم العربي ـ نعم يتجلّى في حرمان الأبناء والأقرباء وإيثار الضيوف والغرباء.

قصة:

حدّثني الثقة الورع الفاضل الخال الشيخ حسين سليمان أكثر من مرَّة، قال: لا أعرف في العلماء أكثر توبة من والدك ومن السيد عبد الحسين شرف الدين، ثم قال: إن لم يكن لوالدك إلا واحدة لأدخلته الجنة.

قلتُ: وما هي؟

قال: لمّا اشتد الجوع في أواخر الحرب العامة، واضطر الشيخ إلى بيع فرسه الشقراء، وكانت من كرام خيل عامل ومشاهيرها.
باعها الوالد بثمانية عشرة ليرة عثمانية ذهباً، واشترى بثمنها كذا مداً من الذرة وكذا مداً من الشعير ـ والمد مكيال متوسط، زِنَته اثنى عشر كيلو غراماً ـ وكان يأمر بخبز نصف مد كلّ يوم، نصف منه لشؤونه ونصف يوزعه على الفقراء، لكلّ نفس رغيف.

قال الخال: كنتُ جالساً وإيّاه للطعام، فقُدِّم له رغيفان ولي رغيفان، فطرق شخص الباب، وكان آخر الناس، وقال: يا شيخ يوسف اعطيتَ كلّ الناس إلا أنا؟ فاستبقت أنّا وإياه، فدفع أحدنا له رغيفاً من حصّته، ثم جاء آخر ففعلنا كذلك، ثم جاء ثالث ففعلنا كذلك، فبقي لي نصف رغيف وله نصف رغيف.

تحرير حَاريص وَدَيْر انطار:

كان يعطف على الفقير والفلّاح والعامل، ومن أجل ذلك كان ثورة ملتهبة ضد الإقطاعيين، ولا ريب أنَّ الناس كلّهم كانوا يشاركونه في هذا الشعور ولكن الخوف والطمع كانا يسيطران، وتدلّنا الأحاديث التالية أنّه كان فوق الخوف والطمع فقد أعلن الكفاح والنضال، وكان ذلك سبباً لسخط الإقطاعيين عليه وعلى أتباعه ولمحاربتهم لهم وله. وقد استطاع في ذلك العهد أن يحرّر حاريص ودير انطار من حكم الإقطاعيين تحريراً كاملاً، لأنّهم سمعوا منه وانقادوا إليه:

١ ـ كيف تمَّ تحرير حَاريص:

قالوا: جمع الأفندي اختيارية أهل حاريص في بيت أحدهم، وطلب منهم الموافقة على أوامره، فامتنعوا، وكان أجرؤهم فلاناً (ولا نستحضر اسمه فعلاً)، فأمر بمدّه فلقة، فقام الآخرون وهدّدوا الأفندي نفسه بالفلقة إن أصرَّ على ما يطلبه، فغضب عليهم وهدّدهم ثم انصرف خائباً.

ثم إنَّ الحاج محمد سعيد بزّي وإخوته أرسلوا للشيخ مع نايف بن الحاج محمد سعيد بزّي خمسين ليرة فرنسية ذهباً، على أن يخلّي بينهم وبين أهل حاريص، وضمنوا له إعفاء أملاكه وأملاك عمِّه الحاج حسن الفقيه، ففرح بذلك عمُّه الحاج حسن وجعل يتوسَّط معه ويقول له إنَّ هؤلاء سيضمنون البلد على كلِّ حال، فأخذ المبلغ والإعفاء وتطييب خاطرهم أولى من أخذ البلد بالرغم عنَّا، أمّا الشيخ فإنّه رفض رفضاً باتاً، وترك نايفاً في الديوان ولم يسمح له بالكلام ولا بالعودة اليه، فعاد إلى أبيه يائساً.

الصف الأول من اليمين الشيخ يوسف الفقيه – السيد مهدي إبراهيم – السيد محمد صفي الدين
٢ ـ كيف تم تحرير دَيْر انطار:

وأمّا قرية دير انطار، فقد حدّثني جماعة من بيت حجيج في النجف في دار العلّامة السيد عبد الصاحب العاملي، وكنت سمعت الحديث قبل ذلك من غيرهم:

أنَّ أهالي بلدتهم شكوا إلى الشيخ (ره) أمرهم في هذا الشأن ـ وأظنُّ مع بيت المملوك ـ وبعد أخذ ورد، استنفر الشيخ عدداً من الفتيان ـ وأظنُّ أنَّ أول من لبّاه الحاج عبد الرضا حجيج وكان شاباً في ذلك الوقت، والذي أظنّه أيضاً أنًه هو الذي حدَّث بهذا الحديث ـ قال لهم الشيخ: عندما يرسل لكم الأفندي وكلاءه، استقبلوهم إلى خارج البلدة، وامنعوهم من الدخول، فإن أبوا فاضربوهم واسبقوهم إلى صور، وأعطوني علماً لأكون أمامكم في صور.

وكانت العادة أنَّ الإقطاعي عندما يريد إرسال وكلائه، يخبر أهل البلدة ليهيئوا لهم عريشاً يقيمون فيه، وليستعدوا على الدجاج والبيض واللبن، مضافاً إلى ما يقدِّمه لهم أرباب الماعز والضأن من الذبائح.

ولمّا جاء الوكلاء استقبلهم ثمانية من الشباب إلى الوادي، ومنعوهم من الدخول، فعظُم ذلك عليهم، ولا سيما بعدما تعرَّضوا للضرب والإهانة، ومن أجل ذلك عادوا إلى صور، وسبقهم الثمانية عن الطريق الأقرب، وكانوا قد أعلموا الشيخ (ره) بما جرى، فلمّا وصلوا وجدوا الشيخ عند المسؤول، فشرحوا ظلامتهم وتعهّدوا ببلدهم، وجاء الآخرون وكانت الأبواب قد سدَّت في وجوههم، فاستراحت هذه القرية من الحاكم الإقطاعي.

وسألتُ الحاج قاسم ياسين عن هذه القصة، فقال: كنتُ واحداً من الثمانية، وقال: إنّ الشيخ أمرهم باستلام الغلّات التي في الحواصل وتسديدها للحكومة عن البلد، وكان الضامنون (أي الإقطاعيون) لم يؤدوا الضريبة ثلاث سنين، فسلّموا للدولة عن ثلاث سنين وزاد منه.

كيف أصبحَ المذهب الجعفريّ مذهباً رسمياً في لبنان دون سائر الدول العربية؟

الجواب عن هذا السؤال يتضح فيما يلي:

في سنة ١3٤٢هـ، وقعت فتنة في حاريص، فأقام الشيخ (رحمه الله) في بيروت نحواً من تسعة أشهر، وقد اتصل خلال إقامته بالأعيان وأهل الفضل من سائر الطوائف.

وكان تأليف كتاب حقائق الإيمان نتيجة للمحاورات التي كانت تغمر أنديتهم. وفي تلك الأيام اهتم الشيخ الوالد بجعل مذهب التشيُّع رسمياً، وجعل يحرِّك القضية ببسب سِعة اتصالاته، وكان السيد أحمد الحسيني عضواً فعّالاً في الدولة في ذلك العهد، فاقترح توقيع مضبطة (عريضة) من علماء الشيعة وأعيانها ورفعها للمندوب السامي، وتعهَّد بملاحقتها.
وكان عبدا لله مروّة، وهو أحد شباب حاريص الفاهمين يرافق الشيخ الوالد في سفره هذا، ويساعده على أموره، فزوَّده بالمال والكتب، وحمّله العريضة، فتحرَّكت الفكرة، وكادت تتمُّ لولا المعارضة.

ثم انبعثت الفكرة مرَّة أخرى، وأصبح المذهب الجعفري مذهباً رسمياً في سنة ١3٤٤هـ تقريباً، وأرجعت الحكومة أمر تعيين القضاة للعلماء وعلى رأسهم المرحوم الشيخ حسين مغنية، ولمّا حضر الأعيان إليه وأبلغوه، وطلبوا منه أن يكون هو على رأس القضاة، اعتذر بالضعف والتقدُّم في السِّن، فطلبوا منه أن يعيّن مَن يختاره، فاختار الشيخ الوالد، وكان الشيخ غائباً عن الاجتماع وعن حاريص أيضاً، فأرسلوا المرسوم إليه إلى حاريص، فوجدوه في طيربيخا فأُخذ المرسوم إليه.
وتم اختيار الوالد لرئاسة محكمة التمييز العليا، فكان كذلك، ولكن جماعة من أعيان آل عسيران وغيرهم، قالوا: أنَّ المحاكم تحتاج إلى شخص عارف بقوانين الدولة، وكان المرحوم الشيخ منير عسيران عارفاً بها، فصار هو رئيسها، وبعد ذلك أُسندت رئاستها للشيخ الوالد من أجل الكفاءة العالية التى تمثّلت فيه، وبقي فيها بعد انتهاء مدَّته القانونية عشر سنوات.

وقد مُنح وسام الاستحقاق الفضِّي، ثم الذهبي، ووسام الأرز. وكان يعلِّقه على صدره رئيس الوزراء رياض الصلح بنفسه، وكان يستره بعباءته استحياءً، ولا أعرف أحداً غيره ممن شغل هذه المناصب حصل على شيء من ذلك إلى هذا التاريخ أعني  ١٩٨٩م/١٤٠٩هـ.

وقد امتاز عن غيره من أرباب المناصب العالية، بأنّه دخل القضاء وكان يُعدُّ غنياً بالنسبة للظروف الإقتصاديّة التي يعيشها القرويون.

وعندما خرج من القضاء خرج مثقلاً بالديون، وكان قد باع معظم أملاكه. وقد تبرَّع شباب حاريص المغتربون المقيمون في سيراليون بوفاء ديونه جزاهم الله خير الجزاء.

هذا وقد تشيَّع على عهده أكثر من ٤٠٠ عائلة اقتناعاً بأحقّية المذهب الجعفري، لأنّه ما كان يقبل دخولهم في التشيُّع إلّا بعد استشعاره اقتناعهم بذلك.

وكان طيلة وجوده في المنصب يحاول استبدال القضاة بقضاة قد بلغوا مرتبة الاجتهاد وعُرفوا بالنزاهة. ومن مواقفه الصّلبة، وهي لا تُعدُّ ولا تُحصى:

أنَّ أحد القضاة قُدِّم للتأديب، وكان الشيخ على رأس الهيئة، فقدَّم له بواسطةٍ ما ١٠٠ ليرة ذهباً، وكانت هذه القيمة تعادل راتب خمسة أشهر، وبذل ١٠٠ ليرة ذهبية أخرى للشيخ بشارة الخوري، الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للجمهورية، ليكون هو المحامي الذي يدافع عنه، ولمّا انتهى من الدفاع قال له الشيخ:

في هذا الدفاع أولاً كذا وكذا، وثانياً إلخ، وبقي مستمراً إلى أن بلغ عدداً لم يجد الشيخ بشارة طريقاً للرد عليه، فقال: وعاشراً إنَّ هذا فيه حرمان للشيخ بشارة من ١٠٠ ليرة ذهباً.

وكان الشيخ بشارة يقول: (أنا سعيد بوجود مثل الشيخ يوسف الفقيه في الإدارة على عهدي) وعلى عهده قدِّمت له الأوسمة الثلاثة.

أوَل مَدْرَسَة مُتطوِّرة في حاريص:

أول مدرسة متطوّرة عرفتها حاريص هي المدرسة التي أسَّسها المرحوم الوالد (ره) في سنة ١٩٢١م تقريباً ـ وكانت تضمُّ أكثر من سبعين تلميذاً معظمهم من حاريص، وبعضهم من قرية كفرا، وبعضهم من قرية حدّاثا.

وكانت بذرتها الأولى في ديوان الشيخ، ثم استؤجر لها بيت مجاور للديوان. وكان الأستاذ يعلّمنا الخط والحساب والإملاء، ويعطينا المحفوظات، ويعلّمنا الإنشاء والإلقاء. وقد رأى الناس ورأينا تعليماً سهلاً محبّباً لا نعرفه من قبل، وكنّا نتسابق إلى المدرسة على عكس ما كنّا عليه بالنسبة للتعليم في المدارس القديمة. وكان يخرجنا أوقات الفرصة للرياضة. وفتح ليلاً مدرسة في الديوان لمكافحة الأمّيّة بالنسبة للمتقدِّمين بالسِّن، فكان يعلِّمهم الإنشاء والإملاء وتدوين الرسائل والأوراق التي تقدَّم للدولة لطلب حاجاتهم. وقد استفاد الأطفال فائدةً كبرى، فأتقنوا الخط والإنشاء والعمليات الحسابية بأقسامها، في مدَّة لا تتجاوز الثلاثة أشهر.

وفاته:

وانتقل إلى رحمة الله تعالى في نهار الإثنين في ٢٦ جمادى الأولى سنة ١3٧٧هـ الموافق كانون الأول ١٩٥٧م.

وحُمل بموكب رسمي وشعبي إلى بلدته ومسقط رأسه حاريص، ودُفن فيها في ديوانه الذي كان يستقبل فيه الضيوف والوافدين عليه. وكانت المصيبة به عامة، والخطب جلَلٌ  وقد اشترك لبنان بأسره في المصيبة، حكومة وشعباً، علماء وزعماء وأعياناً، فضلاً عن جماهير أهالي القرى، كما نصّت على ذلك الصحف والكتب والرسائل الي أُرسلت إلينا بهذه المناسبة. قال العلامة الجليل ثقة الإسلام ابن خالنا الشيخ سليمان حسين آل سليمان البيّاضي في رسالته التي أرسلها لنا معزّياً:

وإنّي أُعلمكم أنَّ البلاد بأسرها شعباً وحكومة اشتركت معنا في المُصاب وواست أحسن المواساة، وأعلَمَنا ذلك أنّ الفقيد كان من أعظم ركنٍ للدين والوطن في لبنان، وأنَّ تضعضُع صحته في السنين الأخيرة لم يُنسِ الناس أنَّ الشيخ كان كهفاً وموئلاً لأمّته يجميع طبقاتها، فقدَتْه وهي بأمَسِّ الحاجة إليه، وفي الله عوضٌ عن كلِّ نازلة.

إلى أن قال: ولو أردت أن أصِف لكم عظمة الموكب وكيف جاء من بيروت وكيف كانت حاريص يوم الاثنين ٢٦ جمادى الأولى، فذلك ما لا يحصيه الوصف، وأختصر لكم أنَّ في ذلك اليوم كان لبنان في حاريص بعلمائه وأعيانه وزعمائه، وبذلك كان لأنجال الشيخ ولنا ولآله أعظم السلوى. انتهى.

وقد أقام آية الله الحكيم فاتحة، وأقام الأخ الحجة آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء فاتحة، وأقام العامليّون فاتحة، وكانت البرقيات ورسائل التعزية تتوارد من لبنان والمهجر وبعض بلدان العراق. وكانت رسائل التعازي تشبةُ رسالة الشيخ سليمان حفظه الله٠ وقد وردني أيضاً مقدارٌ من المراثي الشعرية والنثرية.


(٭) مقتطَف من الجزء الرابع من كتاب حجر وطين.

إغلاق