أسرة ومجتمع / صحة

ميزان الأسرة بين السلطة والعاطفة

237-238

بقلم: د. علا بيطار
من تحبّ أكثر أمك أم أباك؟

وقف أيمن حائراً محرجاً يقلّب ناظريه بين أبيه وأمّه… يبحث في خبايا ذاكرته عن مواقف يستحفرها … ففي كلّ مرّة يُطرح عليه مثل هذا السؤال يسعى ليخرج بأصدق إجابة وأقلّ خسائر..

فهو يحبّهما ولم يتبادر لذهنه إجابة حاضرة تسعفه وتنقذ الموقف… فالتعبير عن الحب نعمة يتشاركها كلا الطرفين، المعبِّر والمعبَّر له، وطبيعي أن تترك آثارها على مسار علاقتهما… فكيف والحديث عن الآباء والأبناء…

يفترض البعض هذا السؤال التساؤل مزحة للتسلية، فيضيع المسؤول في موقف التقييم والإختصار المربك.

طبيعي أن ننجذب نحن كأفراد، وبالأخصّ الأطفال، لمصدر العاطفة والتسامح، الذي يتناسب مع دور الأم الطبيعي، وطبيعي أيضاً أن نعترض على منطق الصلابة والحزم.

في مقارنة سريعة بين الأجواء النفسيّة والاجتماعية لعيدَي الأب والأم نستحضر بوعينا ولاوعينا قناعاتٍ وقيم تحاول التوازن بين العقل والقلب، بين الحزم واللين، بين الأب والأم…

فمنظومة الأسرة هي بناءٌ يتكامل ويتناغم وفقاً لإنسجام وتوازن عناصره، فلكلِّ فردٍ في هذه المنظومة دورٌ مؤثّر ومتأثّر، وهذه الأدوار لا تتعارض مع الفطرة السليمة والاحتياجات الأساسية لصحّةٍ نفسيّةٍ سويّةٍ.

ويعتمد تقييم صحّة وتوازن الأسرة على صحّة وتوازن أفرادها، كلٌّ على حدة، بالإضافة إلى التفاعل فيما بينهم.

وعملياً تتزاحم مسؤوليات الحياة عندما نختار الاستقلال بدورنا، وهنا يبدأ مشوار التحديات. وفي مشروع إنشاء الأسرة التكامل وتوزيع الأدوار، سيّد الموقف، فلا بدّ من قائد، لا بدّ من موجّه نافذ البصرة عالي الهمة يمتلك معايير الحكمة وصلابة القرار وتعاطف الإنسانيّة… ولا بدّ من داعم يساند ويضحّي، فيدفع ببصمةٍ خفيةٍ كلّ المواقف… فهما يتكاتفان ويتعاونان لتحقيق أهداف مشروع الأسرة.

قيل الأبوّة أمان والأمومة ضمان. قيل أيضاً الأم لا تقدَّر بثمن والأب لا يكرِّره الزمن. ويُقال طيبة الأب أعلى من القمم وطيبة الأم أعمق من المحيطات.

وفي هوامات الأطفال: الأسد هو بديل الأب(1) والقلب هو رمز الأم، فتتفاعل الصورة في حال وجود علاقة سويّة وتفاهم بين الأب والأم لنحصل على سلطة «قلب الأسد».

نشير هنا إلى أنّ السلطة والأعراف الإجتماعيّة هي محصّلة تاريخية لتجربة الجماعة وحياتها تلخّص مجمل ما اكتسبته خلال مسارها التطوري في مواجهتها للظروف التي صادفتها…

هي تصنّف بأنّها تعمَّم على الجماعة أو على جزء منها، وتصبح بالنسبة إلى افرادها مصدراً لأحكامهم ومؤشراً يوحي باستجاباتهم. لذا فإنّ الأسرة حين تتصدّى لتلبية احتياجات ابنائها، وخاصّةً الأطفال، فهي تنقل قيَمها اليهم، دون أن تواجه معارضة في مراحل الطفولة الأولى، مما يكسب الوالدين عامةً والأب خاصةً سلطةً محدّدةً على الإبن تنتج عن وضعية «الملبّي ـ المحتاج» (الوالدان ـ الطفل).

فيكون الطرف المتلقّي في موقف الخاضع للشروط التي يعرضها الملبّي، وتُختصر هذه الشروط عادةً بضرورة إطاعة الوالدين أي تقبّل سلطتهما(2).

نؤكِّد في هذا السياق، أنّ تأثير هذه السلطة ينسحب ليصل إلى قناعات الطفل فيصبح مكوّناً أساسياً في بنائه القيمي والنفسي أي يحبّ ما يحبّ والديه ويكرّر آراءهما ومواقفهما وأحياناً ردّات فعلهما دون أن يحاكمها، ويترجم عملياً إلى سلوك ينسجم مع هذه المبادىء.

وهذا الأسلوب، بشكل مباشر وغير مباشر، يتطوّر تدريجيّاً ليتكرس في شخصيّة الإبن، والشرط الأساس لهذا التأثير، بعمقه وامتداده على مدى حياة الأبناء، هو التوازن بين العقل والعاطفة. هو الحكمة في إدارة الأسرة… إنّه «قلب الأسد» الذي يهجم ويدافع عن مملكته بكلّ ما أوتي من قدرة وقوة.

ولقد اعترف المجتمع للوالدين عامةً وللأب خاصةً بهذه السلطة، بل إنّه في كثير من المجتمعات يدفعه دفعاً إلى ممارستها (لا يغفو قلب الأب إلا بعد أن تغفو جميع القلوب ـ ريشيليو)، لأنّه يجد فيها وسيلة توفّر للأهل الشرط الموضوعي ليتمكّنوا من زرع القيم والأهداف التي تضبط إيقاع حياتهم لاحقاً.

وتشمل سلطة الوالدين مختلف جوانب حياة الفرد في مرحلة الطفولة، فالطفل يتقبّلها عموماً دون دفاعات وبصورة آلية لا واعية، لموضوعية وضعه المحتاج لرعاية واهتمام وتقديمات والديه.

ومن المفيد الإشارة إلى دقّة استخدام السلطة مع الأبناء، فالدور التسلّطي السلبي يؤدي إلى مآزم على مستوى النضج العاطفي والمؤثر على إتاحة الفرصة للقيام بأعباء الحياة الزوجية الراشدة(3) في أعمار لاحقة. وهنا يكمن الفرق بين السلطة والتسلّط.. أي الاستخدام المناسب بالقدر المناسب والتوقيت المناسب، والموقف المناسب….

فالسّلطة الوالديّة تتنوّع وتتفاعل وفقاً لتطوّر الأبناء واختلاف شخصياتهم والبيئات المؤثّرة فيهم (مدرسة – أقران،…) فما يصحُّ في موقف وفي عمر، قد لا يصحُّ أو ينفع في موقف وفي عمر لاحق..

وهنا نقطف ثمار زرع التوازن بين الحزم واللّين، بين العقل والعاطفة. طبعاً مع التأكيد على الحكمة في بناء وزرع حسِّ المسؤولية وتدريبهم تدريجياً ليصبحوا أفراداً مستقلّين ناجحين قادرين على إدارة حياتهم وتحقيق أهدافهم بإتقان ويُسر.

وبورك لأسرةٍ صالحةٍ تعمل وتزرع بذور أسرٍ صالحةٍ كمثل شجرةٍ طيبةٍ…. تؤتي ثمارها أنفساً مطمئنّةً يسعدها لزوم الطاعة ورضا الله.


(1) Le moi et les mecanismes de defense, Anna Freud.

(2) السلطة الأبويّة والشباب، د. زهير حطب ـ د. عباس مكّي.

(3) الصحة النفسية؛ د. مصطفى حجازي,

إغلاق