عقيدة

هل يعلم الإمام الغَيب؟

237-238

بقلم: الشيخ علي عيديبي(*)

 

الإمامة تستوجب للعصمة، لأنَّ الإمامة وجوب اتّباع وولاية على النفوس، والعصمة شهادةٌ بسداد من السماء لصنف من أهل الأرض.

تعطي السماء شهادةً بأنَّ فلاناً معصوم حتى يَحسن اتِّباعه، لأنَّ البشر بفطرتهم لا يُجبَرون أن يطيعوا ما لا يعلمون، وأن ينصاعوا لمن لا يدركون أنّه معصوم وأنّه أعلم منهم. فالإنسان بفطرته ينقاد للأعلم.

هذه الشهادة من السماء يجيّرها ربّنا تعالى عبر معصوم كالنبي صلّى الله عليه وآله لأنّنا لا نتمكّن من الإطلاع على بواطن النفوس.

فالعصمة شهادة من الله عبر النبي (ص) تكشف أنَّ فلاناً الذي ولّاه الله حائزٌ على هذه المقدّرات النفسية وأهمها: العلم والأمانة.

أولاً: هو مؤتمن على الأمّة والدين، وهو عندما كان مؤتمناً يجب أن يكون عالِماً بكلِّ ما ينبغي وبكلِّ ما يُرجَع إليه.

ثانياً: نحن لا نقول بانحصار دور الإمامة – كما النبوة أي الحجّة – بالأمر والنهي للبشر، فإنَّ هناك غيرنا من الكائنات. فالحجة تناديه بالزيارات: «السلام عليك يا إمام الإنس والجان، السلام عليك يا حجّة الله على خلقه».

نحن بعض هذا الخلق وغيرنا ممّا لا ندري ولا نعرف كثير.

من أين عرفنا أنَّ غيرنا مُخاطب كما نحن مخاطبون؟

في القرآن الكريم ما يشير إلى ذلك:

أولاً: من قوله تعالى في سورة الجن: “قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا” [الجن: 1 ـ 2] إذاً فيه هداية علمها وعرفها، وفي نص السورة: «وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا» أي كنّا ضالين.

ثانياً: الله سبحانه وتعالى عندما تحدّى البشر بالقرآن، لم يحصر التحدّي بهم، إنّما ضم اليهم الجن في عدَّة آيات: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ” [الإسراء: 88].

وهناك عدَّة آيات أخرى تشير إلى مخاطبة الجن كما البشر، فثبت بذلك أنَّ غيرنا مخاطب مثلنا، ولكن لا نعلم كم هم ومن هم.

نتوقف عند هذا اعتماداً على النص، لأنّ هذا من الغيب لذا نلتزم بالصادر من الغيب.

إذاً عِلم الإمام لا ينحصر بي وبك، لأنّ الدين شاملٌ عام بنصائحه، فكيف ينصح من لا يعلم؟ وكيف يُرجع إليه وهو لا يعلم؟

ثالثاً: في القرآن، أمرَ ربنا (عزّ وجل) بأن نولّي غيرنا علينا بقوله: ” النبي أولى من المؤمنين بأنفسهم”[الأحزاب: 6]، وجعل هذا الوالي المقدس محمد (ص) من بعده ولياً مقدساً.

واللطيف أنّ المعظَّم (ص) استشهد يوم الغدير بآية الولاية فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقالوا: بلى، فنقل هذه الولاية لعلي، ثم قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»(1).

هذه الولاية الشاملة التي تعني إطاعة مطلقة في كلِّ شيء نقلها الله تعالى من ذاته الشريفة ـ لأنَّ الولاية بالأصل لله (سبحانه وتعالى) وهو المتصرف القهار ـ أعطاها لصاحب الإعجاز محمد (ص) فآمنّا به، وبدوره أعطاها لأخيه أمير المؤمنين علي (ع) فأمنّا به.

لقد خاطبنا ربنا (عزّ وجل) بهذه الولاية أي بمعنى الاتّباع اللازم وبمعنى الإطاعة المطلقة لأنّنا عقلاء.

فالناس صنفان: صنف يهديكم من كلِّ ضلال ويدخلكم في كلِّ هدى للمعاد والمعاش ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والصنف الثاني قد يهديكم وقد يضلّكم أي أنّه مثلكم قد يخطئ وقد يصيب.

لذلك أنّبنا ربنا وعاتبنا على اتّباع الصنف الثاني بوجود الصنف الأول، بقوله تعالى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ” [يونس: 53].

فعيبٌ على ذوي العقول أن يرجِّحوا المفضول مع وجود الفاضل، وعارٌ على العقول أن تقتدي بالناقص مع وجود الكامل، ومن الخطأ ترشيح مدير عادي مع وجود صاحب الخبرة المطلق. وما أصاب الكون من فساد إنّا هو ناتج من عدم ترجيح الكامل مطلقاً.

وهذه قاعدة فطريّة عُقلائيّة.

وأين الصنف الثالث؟

هذا الصنف هو الجاهل مطلقاً، وهو لا وزن له، لذا لم يُذكر أصلاً.

لأنّ احتمالات الاتّباع منحصرة في الصنف الأول الذي لا يخطئ أبداً، أي نسبة خطئه ٠%. أو الثاني الذي قد يخطئ وقد يصيب.

فإذن الأئمة هداة وعلماء مطلقون؟

لمَ لا وهم يُسألون عن كلّ شيء، فالله (عزّ وجل) يُسأل عن كلّ شيء فيجيب عبر سفرائه وحججه.

لقد ذَكر الله (عزّ وجل) في القرآن الكريم، أشمل كلمة في اللغة العربية وهي «شيء»، فكلّ معقول أو غير معقول، وكلّ موجود أو غير موجود. وكلّ محسوس أو غير محسوس اسمه شيء.

كما وردت في القرآن أدلُّ كلمة على العموم وهي لفظة «كلّ». فيقول ربنا (سبحانه وتعالى) عن القرآن الكريم: “تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” [النحل: 89].

وبما أنّ (شيء) هي أشمل المفاهيم، و(كلّ) هي أعمّ المفاهيم، فذلك يدلّ على أنّ ما من شيء في العوالم إلا وهو موجود في القرآن.

يقول القرآن عن ذاته الشريفة: “تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” [النحل: 89] أي وضوح كل شيْ. وإذا كان هذا الحال فلما لا نعرف مثلاً عدد الركعات في الصلوات من القرآن ولا نُصُب الزكاة؟؟

الجواب: حدّثنا القرآن الكريم عن بيانه. ففي الآية: ” بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ[العنكبوت: 49]، مما يعنى أن هذا الكتاب الذي فيه تبيان كلّ شيء لا يستطيع أيٌ كان فهم كلّ شيء فيه إلا الذين اختزنوا العلم.

ففي آية أخرى: ” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” [النحل: 43]، أي في حال عدم علمكم ارجعوا إلى أهل الذكر.

ربنا (سبحانه وتعالى) عالم الغيب، ولا يعلم الغيب سواه، ولكن السؤال هنا: هل أعلَم ربنا أحداً؟

هذا السؤال صحيح، والناس إذا أرادوا أن يسّفهونا وأن يتهّموننا زوراً بأنّنا نقول أنّ أحداً غير الله يعلم الغيب، فهذا كذب، لأنّنا لا نشرك بربنا أحداً، لكننا مؤمنون عقلاء فهو قال (عزّ وجل) أنه أعلمَ الملائكة، ومن ردَّ هذا فقد كفر.

وفي آخر سورة الجن آيتان: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ” [الجن: 26 ـ 28].

فربّنا جلَّت أسماؤه، يقول أنا عالم الغيب ولا أظهر على غيبي أحداً إلا من ارتضيته من الرسل، فكونوا عقلاء مؤمنين. ففي الجزء الأول حُصر العلم بالله تعالى، وبالانتقال إلى الجزء الثاني أي “إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ” [الجن: 27]، فالله  يخبرنا أنّه أطلَع على غيبه أحداً ألا وهو الرسول.

الغيب أمر نسبيّ متفاوت، تضيق دائرته وتتَّسع، مثاله ما غاب عن الحواس وهو غيب غير مطلق. فالآن ما في جيبك غيبٌ عندي لكنّه شهود وحضور لديك، وما وراء الجدار علمٌ لمن وراء الجدار لكنّه غيبٌ عليّ.

فالغيب بلحاظ أحد هو حضور بلحاظ أحدٍ آخر، أي ما غيّبه الزمان والمكان فقط، ونحن أبناء المكان والزمان، يعجزنا المكان ويحجبنا الزمان، فمن أي ندري؟؟

قد نعلم بأشياء من أسبابها أو نتائجها، كما إن رأيت دخاناً فتعلم بوجود نار، فهذا ليس علماً بغيبٍ لأنّك رأيت الأثر.

مثلاً:

ما يجري الآن في الشارع من حولنا غيبٌ بالنسبة إلينا، فلو اطّلعت من النافذة أقدر أن أرى سيارةً بعد أخرى ولا اتمكّن من رؤية اثنتين معاً، لأنّني محجوب بالمكان الضيق، فإذا أردت أن أرى اثنتين معاً أوسّع النافذة، وإذا أردت أن أرى الاكثر، أزيل المانع المكاني لأرى بنظرة واحدة، فلا زاد بصري ولا صغرت السيارات، إنّما عُدم الحاجب فزال المانع المكاني. لذلك إذا تجاوزت الحاجب المكاني والزماني علِمت.

هذا يوصلنا إلى نقطة متعلّقة بما نحن فيه، فلقد أخبرنا القرآن عن حالة غيبية وهي الموت، أي عندما يموت الإنسان ينكشف عنه غطاؤه، فما المقصود بالغطاء؟

هو هذا الجسد الحاجز، الجسم القفص، هذا الذي منعني أن أرى وأسمع كلّ شيء وأنساني ما حلَّ بالأمس، وأجهلني ما يأتي في الغد، فضيّق عليَّ علمي.

فإذا أردتُ أن أعلم كلَّ شيء يجب أن أخرج من الزمان والمكان.

وهذا المولى يخبرنا: “فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” [ق: 22]، والمقصود بالحديد الحدَّة، والعرب يقولون له نظر ثاقب وبصر حاد، أي يرى إلى مسافات بعيدات، أي أزلنا المانع عنه فبصره اليوم حديد. وهو اليوم الذي انعدم فيه الزمان لأنَّ اليوم الآخر لا زمان فيه، فترى وتسمع وتعرف كلّ شيء.

ألم يصل إلينا من الأخبار أن نرحم الأموات لأنّهم يأتون إلينا ويعلمون أخبارنا ويسمعون أقوالنا، ألم تأمرنا الروايات بذكر الأموات لأنّهم يأتون إلى بيوتهم ولا تسمعونهم كيف ينادون، فهم غير معدومين، إنّهم تجرّدوا من الزمان والمكان فقط، فاذكروهم بالخير.

فإذاً الغيب هو أمر محجوب بالزمان والمكان؛ فإذا ارتقى الإنسان فوقهما علِم كلّ شيء.


(٭) من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين (ع) في ويندزور ـ كندا.

(1) منقول في العديد من المصادر، راجع موسوعة الغدير للعلّامة الأميني.

إغلاق