الافتتاحية

الإيمان بالغيب: شرط الهداية

239-240

كما في كلّ عام، يطلّ شهر ربيع المولد الأزهر حاملاً معه بشائر ولادة خاتم النبيّين الذي بعثه الله برسالته الخاتمة التي رضيها للناس ديناً، وجعلها مهيمنة على ما قبلها من الرسالات.

هذه الرسالة المستودعة في كتاب يحمل رسالة مشفّرة، هي رسالة الهداية التي لا تثمر إلّا في فئة معيّنة “ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” [البقرة: 2].

كما أنّ له مفاعيل إيجابيّة تشمل بلطفها فئة من الناس “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” [الإسراء: 82].

وأمّا الفئة المعاكسة في وصفها فهي ليست فقط محرومة من مفاعيله الإيجابيّة، بل إن لهذا الكتاب عليها مفاعيل سلبيّة نتيجة تفاعل باطنها القاتم مع معطياته النيّرة “وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ” [الإسراء:82].

وفيما لو عدنا إلى الفئة المختصة بتلقّي الهداية نجد أنّ القرآن الكريم قد وضع لها سمات تُعرَف من خلالها “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” [البقرة: 3 ـ 5].

ست صفات إذا اجتمعت فصاحبها من المتقين، ومشمول بأثر هداية الكتاب: الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة، الإنفاق، الإيمان بالرسالة المحمّدية، الإيمان بالرسالات السابقة، واليقين بالآخرة.

وإذا علمنا أنّ الترتيب في التدبير الإلهي اللفظي والعملي لا يأتي من فراغ، انكشف لنا تقديم الإيمان بالغيب على سائر الصفات التي تلته، وفيها الصلاة والإنفاق والإيمان بالرسالات والإيمان بالمعاد.

وليس ذلك غريباً، لأنّ الصلاة دون إيمان بأثرها المعنوي، ودون شعور بأنّها تواصل مع الخالق المطلق تتحوّل إلى مجرد طقوس باردة جامدة لا انعكاس لها على روح ولا سلوك.

والإنفاق صعب الحصول دون اعتبار كونه تجارة مع كريم لا يبخس مَن تاجره، فهو مجرد بذلٍ مكروه من صاحبه لكونه لا يرى له عائدة، اللهم إلّا عوائد البطر والرياء والمظاهر الفارغة التي تحوّله إلى رذيلة.

والرسالات والآخرة غيب لا يمكن أن يؤمن به إلّا مَن آمن بالغيب كمنظومة معرفيّة موازية للمنظومة المعرفيّة الدنيويّة. وينبغي الالتفات إلى أنّ الآية الكريمة جعلت القيد هو الإيمان بالغيب، لا معرفته، فلا تكفي المعرفة العقليّة بوجود هذه المنظومة، بل لا بُدّ من الشعور القلبي بوجودها، والتفاعل معها.

وهنا يأتي السؤال المحوري: ما هو موقع الغيب في وجدان المتديّن ـ فضلاً عن غيره ـ اليوم؟ وهل يشعر بدور الأسباب الغيبيّة في  حياته موازياً لدور الأسباب الطبيعيّة؟

ترى هل نرى لذكر الله دوراً في مباركة الطعام والعمل، ونفياً لدور الشيطان في تنغيصهما؟

هل نرى للمعاصي المتفشّية علاقة بالأزمات الاقتصادية، والمشاكل البيئية، والتغيرات المناخيَّة على القاعدة القرآنيَّة “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” [الروم: 41].

هل نرى لصلة الأرحام وبر الوالدين والتقوى العملية علاقة بزيادة المدخول ونقص المصاريف؟ بل هل نشعر أصلاً بالدور الإلهي في الرزق والشفاء وحل المشكلات؟ أم أنَّ تفاعلنا الوجداني يقتصر على أسبابها الظاهرة كعامل أوحد نشعر بتأثيره فعلاً، اللهمَّ إلّا في الرزق الخارج عن المعتاد، والشفاء الإعجازي بعد اليأس من العلاج، ونحو ذلك من الحالات النادرة التي تزيح الأسباب من أمام عيون القلوب فترى المسبِّب واقفاً خلفها بقدرته التي لا يُعجزها شيء.
كل هذه الأفكار يتداولها المتديّن وينظّر لها في محاوراته اليومية، لكنَّ شعوره بها تقلّص نتيجة أنه ترك تكوينه الوجداني الانفعالي للرؤية المادية التي تتلقاه طفلاً في مناهج الدراسة، ثم تحاصره في وسائل الإعلام والتواصل، وعبر المجتمع المحيط به، والذي استقى بنيانه من المشرب نفسه. حتى يشبّ عن الطوق ويشتدّ عوده إنساناً متديّن العقل، مادّي القلب، يعرف الغيب ويقتنع به، لكنه لا يشعر بدوره في حياته، ومعنى ذلك أنّه لا يؤمن به حقّاً.

إذا عرفنا هذا فلا نستغرب تحوّل العبادات إلى طقوس، وتراجع المستوى الأخلاقي للمتدينين رغم تزايد أعدادهم، ونشوء طبقة عريضة من المتديّنين شكلاً المجترئين على ساحة الشريعة بالتجاوزات المريعة، إذ كيف يصل إلى الهدى من لم يتّصف بالتقوى؟! وكيف يتّصف بالتقوى من لم يؤمن حقاً بالغيب؟!

واقع لا يمكن أن نخرج من ظلمته إلّا بانقلاب ثقافي يعيد إلى رؤيتنا القلبية توازنها بين الغيب والشهادة.

وإلّا فإنّ التردّي الماديّ المتواصل للنظام العالمي الجديد سوف يسير بنا باطّراد نحو الأسوأ.

مرتضى السيد حيدر شرف الدين

إغلاق