أسرة ومجتمع / صحة

«أضرار السجائر الإلكترونيّة: مخاطر صحّيّة واضطرابات سلوكيّة… وأسئلة كثيرة!»

239-240( صحة )

بقلم:  الدكتور حسن حطيط(*)

 

كَثُرت الأسئلة في الأيام القليلة الماضية حول أضرار السجائر الإلكترونيّة على صحّة الإنسان وأجهزته المتعددة وأنسجته المتعرّضة عن قرب أو عن بُعد للموادّ المستعملة  في صناعتها، كما كثرت الدراسات الطارئة والأبحاث المستعجلة لإثبات هذه الأضرار المحتملة نظرياً أو المستشعرة إكلينيكيّاً بطُرق علميّة وبحثية مؤكّدة وذلك إمّا للتحذير والحماية من آثارها أو لمنعها كما حصل في بعض الدول.

وتوزّعت الدراسات والأبحاث على محاور عدَّة منها ما هو متعلق بنتائج الأبحاث الجديدة الصادرة عن فرق الباحثين حول هذا الموضوع في المعاهد العلميّة والطبّية، منها ما هو صادر عن المتابعات الإكلينيكيّة للمستهلكين في المراكز الإستشفائية والوقائية ومنها ما هو نتيجة أبحاث الدراسات السلوكية للأفراد والجماعات في المؤسسات الإجتماعيّة الباحثة في الإدمان الإستهلاكي.

أضرار السجائر الإلكترونيّة الصحّيّة:

تقول الدراسات الحديثة إن نفخات قليلة من السجائر الإلكترونيّة يمكن أن تؤثر بشكل مؤكد وملموس على الأوعية الدموية وتتداخل بشكل سلبي مع وظائفها الطبيعية والحيوية، وذلك بسبب احتواء البخار الصادر عن السجائر الإلكترونيّة على مواد ضارة يحتمل أن تكون سامة وربما تكون مسبِّبة للسرطان أيضاً.

وهذا يشمل السوائل والنكهات المستعملة في صناعتها والتي لوحظ تأثيرها السلبي على الخلايا التي تؤلف الأنسجة في البطانة الغشائية وفي جدران الأوعية الدموية، مما قد يؤدي إلى ازدياد سماكة الجدران الشريانية وبالتالي تعزيز النوبة القلبية والسكتة الدماغية.

وتناولت دراسات علميّة أخرى ارتباط السجائر الإلكترونيّة بظهور التهابات فيروسيّة حادة في الجهاز التنفسي أدّت إلى حالات عديدة من الوفيات وأورام خبيثة في الجهاز التنفسي شبيهة بالأورام الخبيثة المعهودة في المدخنين التقليديين ولكن من دون دليل قاطع وحاسم على تسبّبها المباشر بذلك خاصة وأن معظم مدخني السجائر الإكترونية هم من المدخنين التقليديين السابقين.

وتوزّعت باقي الدراسات الطبية على نظريات احتمال ارتباط استهلاك السجائر الإلكترونيّة بارتفاع ضغط الدم وفقدان الشهية والأرق والاكتئاب وغيرها من الأعراض.

أضرار السجائر الإلكترونيّة الإجتماعيّة:

ساعد ظهور السجائر الإلكترونيّة على تعاظم الفشل في إيقاف ازدياد نسبة الإدمان وساهم في التخفيف من شدّة وفعالية الحملات الإرشادية الساعية إلى الإقلاع عن التدخين خاصة في طبقات المراهقين والشباب وظهرت موجات من إقبال الفئات العمرية الصغيرة عليها لاحتوائها على نكهات مرغبة ولتغاضي الجهات الرقابية عن استهلاكها خاصة في المراحل المبكرة من انتشارها، مما أدّى إلى ظهور اضطرابات سلوكية واجتماعيّة توزّعت على ما هو متعلّق بنفسية المدمن كالشعور بالكسل وقلة النشاط والقلق والكآبة وغيرها من العوارض النفسية ومنها ما هو مرتبط بالعادات الإجتماعيّة كالابتعاد عن النشاطات الرياضيّة والممارسات الصحّيّة والتربوية والفنية والإبداعية المتعارف عليها.

وقد استعملت بعض الأوساط التجاريّة السجائر الإلكترونيّة أيضاً كوسيلة تسويق وتشويق وترغيب للإيقاع بغير المدخنين في عالم التدخين الإلكتروني وأدخلت أجيالاً جديدة وطبقات معينة من الناس الذين كانوا لا يأبهون لوسائط التدخين في شراكها.

في النهاية، أسئلة كثيرة وأجوبة قليلة:

يَكثُر النقاش حالياً حول الموضوع وتتداخل فيه عوامل متعدِّدة ومعقَّدة منها ما هو علمي وطبّي بحت، ومنها ما هو اجتماعي وتربوي، ومنها ما هو تجاري وصناعي، كما تكاثرت الأسئلة حول الموضوع واختلفت من مصدر إلى مصدر آخر ومن طرف إلى طرف مضاد وتتوزّع الأسئلة حول الإشكاليات التالية:

هل يمكن للشركات المصنِّعة أن تحسن من جودة المنتج عبر استبعاد المواد السمّية من مكوناته؟

هل يمكن الأخذ بنتائج الأبحاث المستجدّة والمضادة لاستهلاك المنتج بشكل قاطع وحاسم وبالتالي الشروع في منعه قانونياً؟

هل يجب على الجهات الإعلاميّة والرقابيّة والتربويّة والصحّيّة والتشريعيّة حالياً التدخّل في هذا الموضوع وبسرعة لمعالجته بشكل مدروس خاصة قبل استفحاله في أوساط الفئات العمريّة الصغيرة والشابة؟

هل وراء المُنتَج الجديد جهات مرتبطة مباشرة أوبشكل غير مباشر بشركات السجائر التقليديّة؟ وهل قامت بإنتاجه للقضاء على ظاهرة الإقلاع عن التدخين المتعاظمة، والتي شهدها العالم في السنين القليلة الماضية؟

هل هناك أمل ما بأن يتطور المُنتَج إلى وسيلة ترفيهيّة صحيّة أخرى أو على الأقل سليمة الطابع وبجودة أعلى وأضمن؟

….تكثر الأسئلة حالياً وتقلّ الأجوبة القاطعة والحاسمة وتكثر الدراسات والأبحاث من كلّ جانب لتدحض ما كان مؤكّداً وثابتاً من قبل أو تثبت ما كان مشكوكاً فيه ومستغرباً من قبل. وما علينا إلّا الإنتباه لما يحدث هنا وهناك ومراقبة الأخطار وتقييمها ومراجعتها عند كلّ جديد لأخذ العِبَر والقرارات الصائبة والبقاء على سياسة الوقاية والحماية والتنبيه والتحذير من كلّ مريب…

وسنرى من سيفوز في هذه المعركة: الحقيقة العلميّة أم الرغبة الإستهلاكيّة؟!


(٭)  استشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحّة، حكومة دبي

إغلاق