أخلاق

الحب: محور عالم الوجود

239-240

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

 

الحب هو القاعدة التي بُني عليها كل عالم الوجود.

فالحيوانات لولا حبّها لصغارها لتركتها لتُفترَس أو أكلتها عند الجوع. فإذا كان ذلك لم تتكاثر الحيوانات وآل أمرها إلى الانقراض.

وهكذا حال الإنسان، فلولا حب الوالدين للولد لما تحمّلا الصعاب لأجله، ولا قدّماه على نفسيهما.

فالإنسان لا يضحّي بنفسه لأجل ولد لا يمتُّ له بِصِلة.

هذا الاندفاع، وهذه التضحية، هي التي تضمن تماسك العائلة، وهي الوحدة الاجتماعيّة الصغرى، وتماسكها يضمن بقاء النوع الإنساني.

فبقاء النوع الإنساني مبني على الحب.

والشاهد الأكبر على حاكميّة الحب حتّى على العقل، أنّ العقل عند غالب البشر لا يصمد أمام رياح الهوى.

فالسارق رغم علمه بقبح السرقة، ومعرفته أنّه في معرض الانكشاف والسجن أو حتى القتل، ولكنّه يسرق لأنّ حبه للمال واستثماره في الملذّات يغلب على عقله.

ولكنّ الأب والأم من المستبعد أن يسرقا ولدهما ويقهراه، بل يضحّيان لأجله بسبب حبّهما له، مع وجود نفس الأهواء الداعية للسرقة، لكنّها مكسورة بحبّ الولد الذي يقهرها.

فالحب يكون في القلب، وهو الذي يوجِد الإلفة في المجتمع.

يقول الله في محكم كتابه؛ “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [الأنفال: 63]، فالإلفة بين القلوب جمعتهم إلى درجة التماهي الشعوري.

ورد عن رسول الله (ص): «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمَثَل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحُمّى»(1).

هذا الحب هو الذي يسيّرك في درب الله تعالى، فقد ورد عن الإمام زين العابدين (ع): (ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً، واخترعهم على مشيّته اختراعاً، ثم سلك بهم طريق إرادته، وبعثهم في سبيل محبته)(2).

ومن هنا كانت الاستقامة على النهج الإلهي وما يترتّب عليه من مغفرة ونجاة منوطة بحب الله، قال تعالى: “قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [آل عمران: 31]، فالحب هو باب الاتّباع.

أمّا العقل فوظيفته إدراك نِعَم الله تعالى وكماله، وهي المادة التي توضح صورة العلاقة بين العبد والرب، فتقتضي حبّ المنعم والحكم بوجوب شكره، فمنتهى دور العقل إيصال الفكرة إلى القلب حتى يتغلّب بها على الأهواء، والعقل حجّة وزاجر، ولكنّ الدافع والمحرّك الأقوى هو القلب، فهو سلطان البدن.

يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): «العقول أئمّة الأفكار، والأفكار أئمّة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمّة الأعضاء»(3).

فالحب هو السبيل الأقوى لتسيير العبد نحو الله تعالى وكسر أعلام الهوى. فإذا كان القلب مع العقل حُسِمت النتيجة لصالح الحق.

وإلّا فإنّ أهل الكوفة كانوا يعرفون أنّ الحقّ مع الحسين (ع) ولكن قاتلوه نتيجة غلبة حبّ الدنيا على قلوبهم.
والله أراد للمسلمين أن يكونوا أمة واحدة، فلا بُدّ من جمعها على حبيب وفق السنَّة الإلهيّة، فكان الحبيب هو حبيب الله تعالى محمّد صلى الله عليه وآله الطاهرين.

قال  الإمام علي بن أبي طالب (ع): سمعت رسول الله (ص) يقول: «يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة ولحَّقنا عليهم أعظم من حق أبويّ ولادتهم فإنا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار»(4).

فالحب للوالد ثابت بفطرة الإنسان، والحاكم في البيت السوي هو الأب، فهو المَثَل الأعلى، وهو القدوة.

ولهذا السبب جعل الله مودّة القربى واجبة قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ” [الشورى: 23].

هذه المودّة هي السبيل إلى الله تعالى: “قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا” [الفرقان: 57].

ثم من باب الرفق بالمؤمنين وإعانتهم على أجر الرسالة الذي فرضه عليهم أقرّ الله حب علي وأولاده تكويناً في قلوب المؤمنين.

قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا” [مريم: 96] ولازم الحب هو الاتّباع والطاعة. كما أنّ لازم حبّ الله هو اتّباع حبيبه محمّد (ص)؟

ورد عن الإمام الباقر (ع) أنّه أنشد:

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه    هذا لعمرك في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعتَه      إن المحب لمن أحب مطيع(5)

فالحبّ والود هو جامع الأمّة على الهدى المتمثّل بمحمّد (ص)، ولهذا أصبح الحب علامة الإيمان.

هذا الحب والود يبرز ويتمظهر في البكاء على الإمام الحسين (ع)، فصار الحب عنوان المؤمن، والأئمّة أشعلوا نار اللوعة على الإمام الحسين (ع) في قلوب الناس.

عن رسول الله (ص): «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»(6).  والحرارة لا تبرد لأنها تبقى مستعرة بفعل الحب، فبمقدار الحب تكون الحرارة.

خارطة الحركة الباطنيّة للإنسان:

إنّ العقل ينكسر تحت سوط الهوى، لأنَّ الهوى صادر عن النفس، وهي ذات تأثير قوي على العقل، ولكن الحب في الله ومودّة القربى أقوى من هوى النفس لأنها ساكنة في الروح، فإذا تملّكت منها انكسر طوق الهوى، وعرج الإنسان في مدارج القرب من الله تعالى.

وحرارة هذا الحب تزداد كلما ازداد العبد إيماناً بالله تعالى، فيشتعل القلب حتى تسيل العين. وهذا شعور وجداني لا يمكن أن تزيله الشبهات. فالأم مهما حاولوا إقناعها بعدم صحّة البكاء على ولدها، وساقوا البراهين على ذلك، فسيبقى هذا الكلام لا معنى له. إنّ الحرارة جعلها الرب القدير في قلب العبد لا يمكن لكلام عبد ذليل أن يطفئها.

عن أبي خالد الكابلي قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله (عزّ وجل): “فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” [التغابن: 8].

فقال: يا أبا خالد النور والله الأئمة من آل محمّد (ص) إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل، وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض، والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنوَر من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين، ويحجب الله (عزّ وجل) نورهم عمن يشاء فتضللهم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهِّر الله قلبه ولا يطهِّر الله قلب عبد حتى يسلّم لنا ويكون سلماً لنا فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر»(7)
ولهذا فإنّ جواب كلّ محاولة لإضعاف هذه الجذوة قول الله (جل جلاله): “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ “[التوبة:32]، لكن لغة القلوب هذه لا يفهمها المنغمس في عالمة المادة.

خصوصيّة البكاء:

ليس البكاء على سيّد الشهداء (ع) بدافع الشفقة لأنّ الشفقة تكون على الآخر الأدنى وعلى الضعيف.
ولكنّه ناشئ من المودّة، وهي الحبّ الشديد للوليّ المختار من الله تعالى، فهو من قبيل البكاء على النفس، لأنّ مصاب المحبوب مصاب للنفس لا للآخر. فحاله حال الأم التي تبكي على ولدها، فهي ترى أن ما  أصابه أصابها.

خلفيّة البكاء:

ينعى البعض على الباكين على الحسين (ع) وجود خلل في بعض سلوكيّاتهم، ويرتّبون على ذلك أن بكاءهم بلا نفع ما دام في سلوكهم خلل. فهل هذه الملازمة صحيحة؟

روى هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: وكّل الله بقبر الحسين (ع) أربعة آلاف ملك شُعَث غُبْر يبكونه إلى يوم القيامة فمن زاره عارفاً بحقه شيّعوه حتى يُبلغوه مأمنه وإن مرض عادوه غدوة وعشية وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة(8). فهل الملائكة تريد إصلاح نفسها أم تريد مواساة حبيبها؟!

وكذلك ورد في العديد من الروايات أن الأنبياء بكوا الإمام الحسين (ع)، فهل كانوا يريدون إصلاح أنفسهم وهم المعصومون؟!

وكذا ما ورد من بكاء السماء والارض وما عليها وما يُرى وما لا يُرى، فهل كلّ هذا بهدف الإصلاح؟!

أم هو الحزن والمواساة لمحمّد وآله (ص).

نعم، لقد جعل الله لهذا آثاراً عند بني البشر لمن استفاد من فيوضاتها، من إحياء للقلوب وغفران الذنوب والقرب من المعبود، وجعله حافزاً للنهوض لإقامة الحق والعدل في العالم.

فمَن ليس في قلبه حرارة للإمام الحسين لن يكون من أنصار صاحب الزمان (ع)، ذلك أن شعاره (ع): يا لثارات الحسين(7).

فكيف يثأر مَن لا حرارة ولا لوعة في قلبه؟!

اللهمّ أشعل حرارة الحسين في قلوبنا حتى نكون من أنصار صاحب الزمان (ع).


المصادر:

(1) المجلسي؛ المولى محمّد باقر؛ بحار الأنوار؛ ج٥٨؛ ص١٥٠.

(2) الصحيفة السجادية الكاملة؛ ص٢٢.

(3) المجلسي؛ المولى محمّد باقر؛ بحار الأنوار؛ ج١؛ ص٩٦.

(4) ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج٢؛ ص٣٠٠.

(5) الحراني؛ تحف العقول؛ ص٢٩٤.

(6) النوري؛ الميرزا حسين؛ مستدرك الوسائل؛ ج١٠؛ ص٣١٨.

(7) الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ص١٩٤.

(8) المصدر نفسه؛ ج٤؛ ص٥٨١.

(9) المشهدي؛ المزار؛ ص١٠٧

إغلاق