آفاق معرفية

الحدثُ المميَّز والحدثُ الفريد

239-240

بقلم: حسن العاملي

 

في الطبيعةِ تجري الأحداثُ بتناغمٍ، بدءاً من المسبِّبات حتى نتائجها. وفي الغالب يحدثُ هذا التحولُ على مراحلَ وببطءٍ شديد. فالنباتاتُ والأحياءُ تنمو ببطء، ثم تشيخ على مهل. كذلك يتغيَّر المناخ وتتبدَّل جغرافيّةُ الارضِ ببطء. ومثل ذلك يتغيّر مخزونُ المياهِ في الينابيع والآبار ببطء.

الحدثُ المميَّز:

خلافاً لذلك الانتقال التدريجي في الأحداث، يحصل تلاحمٌ مفاجىء بين المسبِّباتِ ونتائجها، فيشكِّلُ ظاهرةً مميَّزةً تلغي الزمن. فالصاعقةُ والبرقُ والتفريغُ الكهربائي والسقوط الحرُّ وأمثالها، هي أحداثٌ مميَّزةٌ. كذلك، في الكونِ مجرّاتٌ كثيرة، وفي مركزِ كلِّ مجرةٍ (ثقبٌ أسودُ)، فيه قوى الجذب تفعلُ في حدِها الأعظم، إلى درجةٍ أنّها تلتهمُ المادةَ من حولها في لحظةٍ واحدةٍ وتحوّلها إلى طاقة. هذه الظاهرةُ هي حدثٌ مميَّزٌ أيضاً. كذلك، تحدثُ بين الزجاجةِ والعدسةِ ظاهرةٌ مميَّزةٌ: فعندما يسقط ضوءٌ على لوحٍ زجاجي شفاف، فإنّه يخرجُ إلى الجهةِ الثانيةِ مثلما دخل. هذا حدثٌ عاديٌّ، لكن هذا الزجاج نفسه إذا كُوِّر على شكلِ عدسةٍ، فإنّ الضوءَ الأبيض نفسه يخرجُ إلى الجهةِ الأخرى بسبعةِ ألوان، هي ألوانُ قوس قُزَح، وكأنَّ هذا الضوء قد مرَّ بحدثٍ فريد، وشكَّل ظاهرةً مميَّزةً.

عمرُ الشمسِ وعمرُ الشمعة:

تولد الشموسُ من تكدُّس كميّاتٍ ضخمةٍ من غاز الهيدروجين، تشتعلُ بفعلِ ضغطهِا الهائل مكوِّنةً شمساً منيرةً، ثم تنطفيءُ لاحقاً. ولكي نشاهد بسرعة مراحلَ هذا الحدث الطويل في شمسنا، نشعلُ شمعةً، ثم ننظرُ إلى أعلى الفتيلةِ مباشرةً، فلا نرى سوى غازٍ شفاف. وعند أعلى الفتيلةِ قليلاً، نرى لوناً أزرقَ وفوقه لونٌ أصفرُ، ثم بعده لونٌ أحمرُ، إلى أن ينتهي بانفجارِ الشعلةِ تاركةً سواداً هو (السُخام). هذا الحدثُ المميَّز يتمُّ في لمحِ البصر، لكنّه يمثِّل مراحلَ عمر شمسنا، منذ ولادتها الزرقاء حتى انفجارها. لونُ شمسنا الآن هو أصفرُ مائلٌ إلى الاحمرار، هذا يشيرُ إلى (كهولةِ) شمسنا، وهي في طريقها إلى الانفجار بعد ملايين السنين. فكلُّ حدثٍ في الطبيعةِ يلتهمُ الزمنَ بين السببِ والنتيجةِ هو حدثٌ مميَّزٌ، مثل إشعالِ شمعة.

الحدثُ الفريد في حياة الإنسان:

حياتنا اليوميّةُ مليئةٌ بنشاطاتٍ متعدِّدة وتجاربَ مختلفة ترافقها تغيراتٌ ملحوظة في علاقاتنا الإجتماعيّةِ المألوفة. هذا التغيُّر المميَّز يجري ببطء أيضاً. مقابل ذلك، هناك أحداثٌ تظهر في لحظاتٍ، مثل الزلازل وانفجار البراكين والفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارثِ الطبيعيّة التي تقلبُ حياةَ الناس. أمثال هذه الأحداث الفريدة تميتُ الآلافَ قبل أن يدركوا كيفَ ولماذا؟ كذلك، يعاني الانسان في حياته كثيراً من أوضاع، مثل المرض والفقر والغربة والظلم والتوتر النفسي والإبتلاء وغيرها. وهذه ليست من الحدث الفريد، لأنّها لا تحدث فجأةً، بل ببطءٍ. الحدثُ الفريد أو التجربةُ العظمى تحدثُ فجأةً من عواملَ خارجيّةٍ وبلا إرادة ذاتيّة. مثل:

ـ مَن يقضي أياماً في بئرٍ بعد سقوطه.

ـ ومَن يغرق في بحرٍ وتطارده الحيتان.

ـ ومَن يفقد ذراعَه في دولابِ مطحنة.

ـ ومَن يسعف من حريقٍ أكلت النارُ جلدَه وشوت لحمه.

ـ ومَن خسر جميعَ ممتلكاته في لحظةٍ واحدةٍ.

ـ ومَن وجدَ نفسه مهجّراً أو أسيراً أو مشتَّتاً بلا سبب.

ـ ومَن وجدَ جسمَه في المستشقى ممزّقاً ومكسّراً بعد حادث سير.

ـ ومَن خرجَ من السجنِ بعد زمنٍ طويل، فلم يجد أثراً لأهله ولا لأصحابه.

عكسُ ذلك أيضاً، من يفاجأ بنجاحٍ أو فرحٍ لم يخطر على باله. وحتى من يربح الملايين صدفةً وهو لا يملك ثمنَ حقيبةٍ لحملها. وربَّ تجربةٍ عاطفيّةٍ توقعُ الإنسانَ في دوامةِ الحدث.

بعد الحدثِ ليس كما قبله:

كلُّ تجربةٍ صعبة أو قدرٍ محتومٍ يخرج منه حدثٌ فاعلٌ ومؤثر، يلسع الإنسانَ ويترك في نفسه جرحاً لا يندمل وفراغاً لا يمتلئ وذاكرةً مجروحةً لا تنسى. كلُّ هؤلاءِ وأمثالهم الذين نجوا من كوارثَ أو صدماتٍ مهولة يتغير سلوكُهم ونظرتهم إلى الحياة. لكن ما يخسره الإنسانُ في الحدثِ الفريد، يعوّضه في ولادةٍ روحيّة جديدة ورؤيةٍ جديدة وحكمةٍ جديدة، لم يذق طعمها من قبل. هذه التجربةُ تفتح في النفسِ أبواباً للتأمُّل وتُغني المعرفةَ بالذات.

هي مثلُ الحدثِ الفريد الذي يلتهمُ قاعدةً لعمودٍ من الرخام، فينزله إلى الأسفل ويعمِّقُ أساسَه ويزيده متانةً. ومن يخرج من الحدثِ الفريدِ يصبحُ فريداً في تجربته، أمّا الذي يفلتُ منه فتلتهبُ مشاعرُه ويبقى حذِراً طوال عمره.

“وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” [الذاريات: 20 ـ 21].

إغلاق