قضية ورأي

الزواج المدني

239-240

بقلم: الشيخ يوسف رضا
مفهوم الزواج المدني:

«الزواج هو عقد رضائي، ثنائي وعلني، يقوم بين رجل وامرأة، تكريساً للحبّ بغية التعاون والتناسل»(1).

وما يهمّنا التنبُّه إليه أنَّ مشروع الزواج المدني ليس مجرد عقد رضائي،… إلخ، بل هو منظومة اجتماعيّة متكاملة ذات قيم ومفاهيم ثقافيّة وسلوكيات هجينة ومستوردة، وهو لن يكون مجرد قانون، بل المراد منه تدمير نموذجنا الاجتماعي الذي نسعى إليه، ونحرص على بنائه على أساس من أصالتنا وقيمنا ومفاهيمنا، ولذا فإنّ الذي سيرفض ذلك المشروع هو أحد ثلاثة:

الأول: الملتزم دينياً، وذلك انسجاماً مع قيمه ومبادئه الدينية.

الثاني: المحافظ اجتماعياً، وهو الذي يدرك أهميّة القيم الأخلاقية والاجتماعيّة وما لها من مدخليّة في سلامة الحياة الأسريّة.

الثالث: الباحث الاجتماعي، وهو الذي أعمل مناهجه العلميّة في دراسة النموذج الغربي مثلاً، وأدرك ما الذي أنتجته منظومة الزواج المدني من مفاسد وتداعيات على المستوى الاجتماعي.

فالملتزمون دينياً من كل الشرائع من حقهم أن يسألوا: هل الزواج المدني موافق للزواج في الشرائع الدينية، أم مخالف لها؟

فإن كان موافقاً فلماذا يُطرح? فإنّ طرحه لغو، لأنّه تحصيل للحاصل, وإن كان مخالفاً ـ وهو كذلك ـ فكيف نُسأل عن سبب رفضنا له؟؟ ونحن نعتقد بأنّ الرسالة السماويّة اشتملت على منظومة متكاملة في مقام مراعاة ما يُصلح الإنسان وما يُفسده، باعتبار أنّ واضع هذه القوانين الدينية هو خالق هذا الإنسان وهو أعلم بما يصلحه وما يفسده، فالغريب إذاً ليس اعتراضنا على وجود نظام أو قانون يخالف القوانين الإلهيّة، بل الغريب هو سكوتنا.

من هنا كان لا بد لنا من أن نقارن بين الزواج المدني والزواج الشرعي، إذ إنّ الزواج الشرعي يرتبط بمنظومة قيم ومفاهيم ذات بعد إلهي مبنيّ على علاقة الإنسان بالغيب، حيث إنّ القانون أو التشريع الآتي من الغيب ـ بعد الإيمان ـ يُشكّل إطاراً أخلاقيّاً حاضناً للزواج، ومولّداً للأبعاد الوجدانيّة والروحيّة التي يبتني عليها عقد الزواج، بينما يفتقر الزواج المدني إلى مثل هذا الحاضن الثقافي، حيث إنّه لا يرتبط بالغيب، ممّا يهدد المؤسّسة الأسريّة بخطر التفكّك والتحلّل نتيجة افتقارها إلى الجامع الأخلاقي والروحي، إذ إنّ الرابط بين أبناء الأسرة في الزواج المدني مجرّد عن الرقابة الإلهيّة التي تُشكّل رادعاً يمنع كِلا الطرفين من ظلم الآخر، بخلاف الزواج الشرعي، فإنّ الرقابة الإلهيّة فيه تُشكل رادعاً من الظلم، شريطة الالتزام والتأثر بهذا البعد الروحي الذي بيّنته الآية الكريمة: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ” [الروم: 21]، حيث إنّ الإنسان الذي يحبّ الآخر بل يعشقه يمكن أن يصدر منه ظلم نتيجة تحرك غريزة ما، لكن عندما يمتلئ قلب الإنسان رحمة بسبب ما أودعه الله تعالى في قلبه فإنّه لا يمكن أن يصدر منه ظلم تجاه الآخر، وهذا هو جوهر البعد الروحي والأخلاقي في الزواج الشرعي.

ولذا عندما يقع الخلاف بين الزوجين فإنّهما ملزمان بالرجوع إلى القوانين الإلهيّة التي تراعي هذا البعد الأخلاقي والروحي، بينما لا نجد هذا الأمر في القوانين المدنية، لأنّها من صُنع البشر الذي لا يحيط بتفاصيل حاجة الإنسان في البعد المادي والروحي، بل إنّنا وجدنا في قوانين الزواج المدني ما يضيّق حريّة الإنسان ويمنعه من التصرّف في مجال الوصول إلى حاجته الخاصة التي تهدّد استقراره النفسي، وهذا رأيناه فيما لو وقع الخلاف بين الزوجين، وقد اتفقا على الطلاق، فإنّ القاضي من حقه أن يمنع من الطلاق ويأمرهما بالهجر لمدة تقارب السنة وقد تزيد، فإن لم يتّفقا حينئذ يقع الطلاق بينهما، وتعتدّ المرأة بعشرة أشهر، وما هذا إلّا منع وتقييد لحريّة المرأة، بينما الإسلام مثلاً يعطي الحريّة للمرأة في الزواج بعدما تعتد بثلاثة قروء، أي ما يقارب ثلاثة أشهر.

من هنا نرى أنّ هناك تعمية في وصف الزواج المدني بأنّه اختياري، لأن الاختيارية فيه إنما تكون ابتداءً عند الاقدام عليه، ولكن في البقاء والاستمرار يكون إلزامياً ولا يكون اختيارياً، حتى فيما إذا رضيا بالطلاق، وشخّصا بأن مصلحة الأسرة إنّما تكمن في الطلاق، مما يزيد المشكلة مشكلة، فأين الاختيارية في ذلك؟

بعد كل هذا لا بدّ من التنبّه أيضاً إلى أنّ العقود ـ كالزواج ـ والإيقاعات ـ كالطلاق ـ لها شروط خاصّة متى ما تحقّقت لزم العقد أو الإيقاع، وإلاّ فهي محكوم ببطلانها.

هذا أولاً، ثانياً: إنّ الحُكم بصحّة هذا العقد أو الإيقاع تلزمه أحكام شرعية أخرى مترتّبة عليه، فالزواج إن كان صحيحاً تجب النفقة والمهر مثلاً، وكذا الإرث فإنّه مترتب على عقد الزواج الصحيح بعد موت أحدهما أو موت أحد الأولاد، وما شاكل هذه الأحكام المترتّبة على الزواج، والطلاق أيضاً إن كان صحيحاً تلزم العدّة إن كان حُكم المرأة الاعتداد، وتوزيع حضانة الأطفال، ولكلّ واحدة من هذه المسائل حكمها الشرعي، بعد كلّ هذا كيف نقبل بالزواج المدني الذي هو من أساسه مخالف لأغلب أحكام الشريعة.

فعلى طبق الشريعة يُشترط في النكاح الإيجاب والقبول اللفظيان، فلا يكفي مجرد التراضي القلبي ولا الكتابة ولا الإشارة المفهمة من غير الأخرس، ويدلّ عليه الإجماع، وتسالم الأصحاب، مضافاً إلى أنّ غير الإيجاب والقبول اللفظيين مناف  للارتكاز القطعي المتشرّعي، وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة من أنّ المتعة أن يقول الرجل كذا وكذا فإذا قالت نعم فهي زوجته، ففي الخبر عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (ع): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: «أتزوجك متعة على كتاب الله وسنّة نبيّه (ص) لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوماً، وإن شئت كذا وكذا سنة، بكذا وكذا درهماً، وتسمّي من الأجر ما تراضيتما عليه قليلاً كان أو كثيراً فإذا قالت: نعم، فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها»(2).

فإنّ مقتضى هذا الحديث وأمثاله ـ مع رفع اليد عن خصوصية المتعة للقطع بعدم اعتبارها ـ اشتراط الإيجاب والقبول اللفظيين، ويؤيده، بل يدلّ عليه ما ورد في بعض الروايات المعتبرة من قوله (ع): «وبكلماتك استحللتُ فرْجَها»، الظاهرة في الإنشاء بالقول(3).

أمّا في الزواج المدني فيكفي فيه اتفاق الطرفين على إنشاء علاقة تعود إلى حاجة الجسد، وهل الزنا بحسب الرسالات السماويّة إلّا رضا الطرفين بإنشاء علاقة جسدية من دون صيغة الإيجاب والقبول.

فالإيجاب والقبول اللفظيان لهما مدخليّة في صحّة العقد وبنائه، إذ أنّهما من الشروط التي يدور مدارها العقد صحّةً وفساداً، وكذلك الحال بالنسبة لديانة الزوجين، ففي الشريعة الإسلاميّة زواج المسلم من غير المسلمةِ والكتابيةِ ـ بتفصيل مذكور في محلّه ـ فاسدٌ شرعاً وباطل، وكذا زواج المسلمة من غير المسلم فإنّه محكوم بالبطلان شرعاً، إذ أنّ ديانة الزوجين أيضاً من الأمور التي لها مدخليّة في صحّة وبطلان العقد شرعاً، بينما في الزواج المدني الديانة غير ملحوظة.

وأمّا الطلاق فليس بأشفى حال عندهم، وكذا الإرث، والولاية والوصاية، وغيرها من أحكام الله التي خالفوها، والتي من غير الممكن أن نجدَ لها مخرجاً شرعياً.

نعم، بعض الأمور التي ذكروها، ممكنٌ أن نجد لها مخرجاً شرعياً، فمثلاً منعهم الرجلَ من الزواج الثاني ممكنٌ بالشرط، بأن تشترط المرأةُ على الرجل أن لا يتزوج عليها، فقد ورد موثّقاً عن منصور بزرج عن الإمام الكاظم (ع)، قال: «قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلاّ أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟

فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله (ص) قال: «المؤمنون عند شروطهم»(4).

وقوله (ع): «بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار» يبيّن المفسدة التي جلبها هذا الرجل لنفسه والمصلحة التي فوّتها بقبوله بهكذا شرطٍ، إلّا أنّه يجب عليه الوفاء لها، بعدما قبل بهذا الشرط لأنّ المؤمنين عند  شروطهم.وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) كان يقول: «من شرط لامرأته شرطاً فليَفِ لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلّ حراماً»(5).

فإنّا وإن صحّحنا بعض ما ذكروه، إلّا أنّه تبقى هناك مشكلة ببعض تعابيرهم الواردة، كوصفهم للزواج الثاني بالخيانة فهكذا توصيف يوجب أذيّة للإسلام والمسلمين، فكيف يسمحون لأنفسهم بإطلاق هكذا تعابير؟ وأين ادعاؤهم إحترام الآخرين؟ أين احترامهم مشاعر المسلمين؟ وإن كانوا واقعاً كما يزعمون فأين احترامهم اختيار الإنسان وإرادته في الزواج المبكر؟ كيف يسمحون لأنفسهم بالتدخّل في خصوصيات الآخرين؟ مَن أجازهم تقنين شهوات البشر؟

آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ”[يونس: 59] فما لكم كيف تحكمون؟


المصادر:

(1) الزواج المدني في لبنان دراسة وآلية ـ ص٥٠.

(2)  الوسائل الباب – ١٨ – من أبواب المتعة – حديث ١.

(3)  الوسائل الباب – ٥٣ – من أبواب مقدمات النكاح – حديث ١.

(4)  الوسائل الباب ـ ٢٠ ـ من أبواب المهور ـ حديث ٤.

(5)  الوسائل الباب ـ ٤٠ ـ من أبواب المهور ـ حديث ٤.

إغلاق