عقيدة

الفرق بين النبوة والرسالة والإمامة

239-240

بقلم: الشيخ علي عيديبي(*)

 

إنّ الإمامة الواردة في القرآن الكريم في عدة من آياته الشريفة مقرونة بالجعل، أي ﴿جعلناهم﴾، ﴿وتجعلهم أئمة﴾، ﴿جعلنا﴾، هذا الجعل منسوبٌ إلى المولى (سبحانه وتعالى).

والله تعالى قد جعل لكل حجّة من الحجج الذين اختارهم وظيفة. فالرسول يكون صاحب شريعة يمتاز عن الذين مِن قبله فيأتي بنظام جديد كالنبي (ص). والنبي غير الرسول، فهو الذي اختارته السماء وأُيّد بالوحي وسُدِّد من قِبل الله تعالى، لكن ليس بالضرورة صاحب شريعة . فأكثر الأنبياء (ع) كانوا يطبّقون شريعة أنبياء في أيّامهم أو يسيرون على منهاج شرائع أنبياء سابقين.

ففي أيام النبي الرسول، حدّثنا القرآن عن أنبياء غير رسل.

كما يظهر من إخباره تعالى لنا عن الملائكة المكرّمين الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط، الذي كان نبيّاً ولم يكن صاحب شريعة، وقد نزلوا على النبي الرسول إبراهيم (ع) وأخبروه بمهمتهم التي أرسلوا بها: “وَلَما جاءَتْ رسلنا إبْراهيمَ بالْبشْرى قالوا إنا مهْلكوا أَهْل هذه الْقَرْيَة إن أَهْلَها كانوا ظالمينَ  قالَ إن فيها لوطًا قالوا نَحْن أَعْلَم بمَنْ فيها لَننَجيَنه وَأَهْلَه إلا امْرَأَتَه كانَتْ منَ الْغابرينَ” [العنكبوت: 31 ـ 32].

فيكون الزمن الحاضر ظرفاً لرسول (لصاحب الشريعة) ولأكثر من نبيّ غيره.

وكذلك حال النبي موسى والنبي هارون (ع). فإنّ موسى (ع) كان صاحب شريعة مستقلّة بنظام خاص وهو الدين اليهودي، وكتابه التوراة، وكان معه هارون صلوات الله عليه ردءاً ومعيناً.

إذاً من باب التوظيف فرّقنا بين شريحتَي الرسل الكرام والأنبياء العظام (ع)، توظيفاً فارقاً بين صاحب الشريعة والمطبّق للشريعة.

من هم الأئمّة؟

حدّثنا القرآن عن شريحة ثالثة من شرائح الحجج وهم الأئمة. فمَن الأئمة؟

حدثنا الله تعالى عن نبيّه إبراهيم (ع) حيث قال: ” وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا” [البقرة: 124]، يخاطب نبيّاً بل ويخاطب رسولاً، بل ويخاطب خليلاً من الرسل بأنّه سيكون إماماً. فما الإمامة؟
لقد عبّر القرآن الكريم عن الإمامة بالعهد. ففي الآية المباركة: “إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ   [البقرة:124].

الأول في التعبير كان لفظ الإمامة: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. فطلب إبراهيم الاستفسار عن الإمامة التي منحه الله إياها، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟ فقال: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

فإذاً إنّ المولى (عزّ وجل)، أتى على توصيفين للكرامة التي أعطاه إياها.

التوصيف الأول: أسماها إمامة؛ أي قدوة، هي عهد يختصّ به مَن يشاء، ويجعله لمَن يشاء، ويوصله لمَن يشاء. فإنّ الإمامة لا تُطَلب، بل هي تَطلُب، وتصل إلى أشخاص لائقين بها، ويأتي هذا المعنى في قوله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أي لا ينال العهد مَن ظلم منهم.

إنّ العهد ـ أي الإمامة ـ يعرف أهله، فالله (ع) يختصّ صفوةً من أهله يوصل إليهم عهده.

فإن كانت الإمامة عهداً، فلا دور للبشريّة فيها، ولا اختصاص لهم، ولا تنصيب ولا تنصيص, فهي شأن السماء في أهل الأرض.

تصنيف الحجج:

إذاً نعود لنقول، إنّ الحجج الكرام (ع) من حيث وظائفهم، هم رسلٌ أصحاب شرائع، وأنبياء مطبّقون للشرائع، وأئمّة معهود إليهم.

ولطالما هوِّل على الشيعة في تصنيفهم هذا، وهم منزّهون عن الاختراع، بريئون من الابتداع، فالأمر لله من قبل ومن بعد.

إنّ تصنيفنا قرآني، وتوظيفنا سماوي، لم نأتِ من عندنا بالجديد، وهذا التوظيف ينقسم إلى ثلاث فئات: وظيفة تشريعيّة، ووظيفة تطبيقيّة، ووظيفة عهديّة.

أمّا مِن جهة التوصيف، فنوصفهم بأنهم:

معصومون، لا يعصون الله ما أمرهم به، ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، هداة مهديون، هم أداة وحي الله تبارك وتعالى بين عباده، هم المؤيّدون المسدّدون من السماء، هم المبشّرون المنذرون.

هذه كلها صفات قرآنيّة ذكرها المولى (سبحانه وتعالى) في كتابه الكريم.

“وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [القصص: 5].

فإنّ صفات الحجج الكرام في القرآن الكريم عدة: مبشر، منذر، هادي، مهدي، وجامع هذه الصفات الكريمات وعنوانها المشير إليها هي العصمة.

نحن قائلون بعصمة الحجج الإلهيين ابتداءً من صفوة الخلق آدم وصولاً إلى سيّد الأوصياء محمّد (ص) ومَن بينهم من الحجج الكرام، فلا نفرّق بين أحد من رسله.

كلّ من نطق بالوحي باسم السماء، ينبغي أن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنّ الغرض من تنصيبه هو السداد والرشاد للعباد، فإذا كان الناطق باسم الله محتمِل الخطأ والاشتباه والكذب والغفلة،  انتفى الغرض من تنصيبه وجعله.
لقد عرفنا معنى الرسالة؛ فهي نظام وشريعة السماء لأهل الأرض، يأتي بها عبد من عباد الله المكرمين يسمّى رسولاً. وكل رسول نبي، لأنّ النبي يوحى إليه ويسدَّد، فإن كان النبي صاحب شريعة قلنا رسول، وإن لم يكن صاحب شريعة قلنا نبي.

وكلمة «نبي» مأخوذة من «نبأ» وهو الخبر، فيصحّ أن تقول مخبِر أو نبي. والنبوّة من «النبوءة»، وحُذِفت الهمزة من آخره لكثرة استعماله.

وقيل أنّ كلمة «نبي» مشتقّة من «نبيه» وحذفت الهاء من آخره.

ما الإمامة المذكورة في القرآن الكريم؟

قلنا أنّ السماء أشارت إلى أنّ الإمامة هي عهد، فما المراد من العهد هنا؟ وما يميّز الإمامة عن الرسالة والنبوة؟
الإمامة هي عبارة عن القدوة والولاية.

فإنّ كلّ نبي مطاع لأنّ أمره من السماء، وإنّ كلّ رسول متَّبَع لأنّ شريعته من السماء، وإنّ كلّ إمام له ولاية على الذين يتّبعونه.

فالحجج الثلاثة كلهم ناطقون ومحدِّثون عن لسان الله، فأمرهم مطاع، ونصيحتهم قائمة. فهل للحجج الكرام عموماً فرض النظام، وهل هم أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

حدّثنا الله (سبحانه وتعالى) عن المصطفى (ص)، بأنّه نبي بقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ وبأنه رسول بقوله: ﴿يا أيها الرسول﴾، وبأنّه صاحب ولاية بقوله “النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ” [الأحزاب: 6]، وسلطته على الأتباع أرشد من سلطتهم على أنفسهم، ذلك لأنّه يعلم ما يجهلون، ويدرك مصلحتهم، وهو أخبر منهم بذاتهم. فولايته علميّة بمضمون منكشفٍ له.

لمّا أرادت السماء أن تنصِّب وليّاً من بعد محمّد (ص)،  ونشدّد على صفة ﴿ الولي﴾، لأن النبيّ كرَّر كل صفات أمير المؤمنين (ع)، لكنّه ركَّز على صفة الولاية في البيعة العامة. فلقد أتى النبي (ص) على ترتيب شريف نفهم من خلاله ما أرادت السماء.

خاطب النبي (ص) قومه فقال: «يا أيها الناس من وليّكم وأولى بكم من أنفسكم؟

فقالوا: الله ورسوله.

فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه»(1).

هنا الربط الأول: الولاية المجعولة من السماء للمعظّم (ص) نقلها وأعطاها بأمر من السماء للإمام علي (ع). لذا إنبغى اتّباعه لأنّه الفاروق والولي والحد، فإنّ الوحي قد انقطع وإنّ الشريعة قد تمّت والأحكام قد بلِّغت فلم يبق إلّا تطبيق الإسلام والنظام، فمن ذا الذي يطبّقه ويحفطه سوى السلطان السماوي من بعد الرسول (ص).

فوظيفة الإمام هي حفظ الدين بعد تمامه، وتطبيق النظام بعد كماله، فهو يحفظ ويبيّن ويُفصِح عن مرادات السماء بعد النبي (ص).


المصادر:

(٭) من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين (ع) في ويندزور ـ كندا.

(1)  الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٢٩٥.

إغلاق