سؤال وجواب

سؤال وجواب

239-3240

سؤال: تأمَّل أخي الكريم فيما يلي:

جاء عن الصادق (ع): «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسُّنَّة زالت الجبال ولم يزل». أي كلّ ما في الدين يجب أن يكون مثبت بحديث او آية.

وتقليد الفقهاء والمراجع والمجتهدين ليس فيه حديث أو آية بل هو أمر مستحدَث أوّل مرة ذُكِر كبحث أصولي في كتاب (العروة الوثقى) للسيد كاظم اليزدي المتوفّى عام 1919.

بل ووجدث أحاديث تنهى عن التقليد: عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «إيّاكم والتقليد، فإنّه من قلَّد في دينه هلك، إن الله تعالى يقول:﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ﴾ [التوبة: 31] (الشيخ المفيد كتاب تصحيح اعتقادات الإماميّة).

فالإمام (ع) قَرن الهلاك أي دخول النار بمن يقلد الفقهاء في دينه، وهذا التحذير الخطير من الإمام الصادق (ع) للشيعة بعدم التقليد، ما جعل الفقهاء إلى ما قبل مائة عام يحرّمون التقليد كما جاء عن الحر العاملي والطوسي والمفيد وغيرهم، فما رأيك أخي مع فائق الاحترام؟

جواب:

أولاً: إنّ ادّعاء أنّ التقليد بدأ مع السيد اليزدي منذ قرن هو مغالطة واضحة. ففي تراث الشيعة المتصل بعصر المعصوم سلسلة متّصلة من رسائل الفتاوى التي كان يكتبها كبار فقهاء الشيعة ليسير عوام الشيعة عليها في أحكام عباداتهم ومعاملاتهم.

١ ـ فهذه دولة السربداران الشيعيّة في إيران ترسل وزيرها شمس الدين الآوي ليأتي بالشهيد الأول محمّد بن مكي العاملي الجزيني من إقامته الجبريّة تحت رقابة المماليك في دمشق ليكون مرجعاً للشيعة في إيران، فاعتذر بحساسية ظرفه المانع من خروجه من بلاد الشام، فطلبوا منه كتابة (رسالة عمليّة) مشتملة على أحكامهم الشرعيّة كاملة (ليرجعوا إليها) ويعتمدوها كنظام وقانون، فكتب لهم رسالة (اللمعة الدمشقيّة) المشتملة على الأحكام الشرعيّة التي استخرجها من الآيات والروايات وسطّرها كفتاوى موجزة من الطهارة إلى الديات. وذلك قبل السيد اليزدي بستة قرون.

٢ ـ وقبله المحقّق الحلي الذي كتب رسالة (شرائع الإسلام) المشتملة على فتاواه في الفقه والتي شرحها جمع كبير من الفقهاء في شروح مطوّلة تُظهِر لأهل العلم كيف استند في فتاواه إلى الأدلة، وذلك قبل ٦٥٠ سنة من عهد السيد اليزدي.

٣ ـ وكانت دولة بني عمار الشيعيّة في طرابلس، والتي كانت قبل صلاح الدين الأيوبي وقضى عليها صلاح الدين تسير في أحكامها على طبق رسالة (المهذّب) للقاضي ابن البراج الطرابلسي.

٤ ـ وكان الشيعة في حلب يرجعون في أحكامهم إلى رسالة (غنيّة النزوع) للسيد ابن زهرة الحلبي، ورسالة (الكافي في الفقه) للشيخ أبي الصلاح الحلبي. وذلك قبل أن يباد التشيّع في حلب على يد صلاح الدين.

٥ ـ وقبله الشيخ الطوسي الذي سطّر فتاواه في كتابه (النّهاية) قبل ألف عام.

٦ ـ وقبله الشريف المرتضى عَلَم الهدى في رسالته (الانتصار).

٧ ـ وقبله الشيخ المفيد في رسالة (المقنعة).

٨ ـ وقبلهم رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق المولود في الغيبة الصغرى، وصاحب موسوعة (من لا يحضره الفقيه) الجامعة لروايات الأحكام، فإنَّه قد ألّف للمكلّفين رسالة فقهيّة ضمّت فتاواه التي استخرجها من الأدلّة ليرجعوا إليها وسماها (المقنع في الفقه).

٩ ـ وهذا والد الشيخ الصدوق الشيخ علي بن بابويه المعاصر للسفير الرابع علي بن محمّد السمري قد ألّف رسالة (الفقه الرضوي) التي يظن البعض أنها من تأليف الإمام الرضا (ع). وما هي إلّا رسالة عملية للشيخ علي بن بابويه كان يرجع إليها الشيعة في عصر السفير الرابع.

١٠ ـ عندما ادّعى ابن أبي العزاقر الشلمغاني النيابة كذباً وزوراً، وحارب السفير الثالث الحسين بن روح النوبختي، راجع الشيعة السفير بشأن كتاب (التكليف) وهي رسالة عمليّة كان الشلمغاني قد ألّفها، وكانت في بيوت الشيعة يرجعون إليها في تكاليفهم في زمن السفير الثاني محمّد بن عثمان العمري. ما يعني أن الشيعة كانوا (يقلِّدون) الشلمغاني بإمضاء سفيرين من سفراء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه: العمري الذي لم يمنع الشيعة عن الرجوع إلى الرسالة، والحسين بن روح الذي كان كلامه معهم في قضية انحرافه الآن دون أن يعترض على أصل وجود الرسالة عندهم.
فإما أن يلتزم المعترض على التقليد بأنَّ كلَّ هذا كان دون رضى الإمام، ويخرّج عن الدين جميع من ذكرنا ـ بمن فيهم السفراء الثلاثة ـ أو يقرّ ويعترف بأنّ هذا كان بإمضاء من الإمام.

ثانياً:

ما ورد من اختصاص الإمامين الصادقين (ع) لجماعة قليلة من أصحابهم بعنوان الفقهاء وأمناء الحلال والحرام، وإجازتهم بإفتاء الناس والتفريع، كأبان بن تغلب، وزرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد بن معاوية العجلي. مع أنّ أصحابهم الراوين عنهم مئات كما يتّضح بأدنى مراجعة لوسائل الشيعة أو بحار الأنوار. فلو كان المراد بالفقهاء مجرّد رواة الحديث دون مَلَكات أخرى كالتفريع واستخراج الأحكام والافتاء لكان هذا التنويه بهذه القلة في غير محله، لاشتراك الباقين بهذه الصفة.

ثالثاً:

كيف يمكن تصوّر استمرار عمل الشيعة بتكاليفهم في الأمصار البعيدة عن تواجد الإمام والتي قد يحتاج السفر من بعضها إلى المدينة أو بغداد إلى أشهُر، فهل كان في كلّ مدينة رجال سمعوا نصوص حرفيّة في إجابات الأئمة (ع) عن كل حكم فرعي، أم أن في كلّ بقعة رجل مأمون على الدين تعلّم من  إمامه التفريع على المسائل الكليّة وإفتاء الناس بهذا التفريع؟

رابعاً: ما الذي فعله الشيعة ليعرفوا تكاليفهم في فترة أكثر من نصف قرن من شهادة الإمام الرضا إلى شهادة الإمام العسكري عاش فيها الأئمة تحت الإقامة الجبريّة. فإن لم يكن التفريع وإفتاء فقهاء الأصحاب، فما هو المعتمد يا ترى؟!

خامساً: الحديث الذي استدلّ به المتكلم واضح الاتجاه، فهو يتكلم عن التقليد في الدين من أصله، وقد نقله عن كتاب تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد، ومن خلال المصدر يتّضح لك مراد الحديث، فالكتاب هو مصنّف في الاعتقادات، ولا شك ولا ريب أنه لا يمكن للإنسان أن يقلد في اعتقاده، فالاعتقاد هو ما انطوى عليه القلب من إيمان، فلا يمكن لإنسان أن يؤمن بعقيدة دون أن يعلمها. والتعبير عنه بالدين وليس بالعمل يدل على ذلك، فالدين بأصله اعتقاد، والتشريعات تفريعات عمليّة عليه.

سادساً: إن أي مطّلع على المطولات الفقهيّة التي شرحت شرائع الإسلام أو قواعد الأحكام أو العروة الوثقى للسيد اليزدي يرى بوضوح أن المسائل التي فيها ليست إلّا نتيجة نظر عميق في النصوص للوصول إلى الحكم، فهي من الكتاب والسنة، وليس من أفواه الرجال.

سابعاً: إنّ كتابة الرسائل العمليّة وتقليد الناس للفقيه باتباع ما ورد فيها أمر لا يختص بالمدرسة الأصوليّة المستعملة لعلم أصول الفقه، بل إنّ المدرسة الإخباريّة أيضاً تعمل بالتقليد، وهذه رسالة (سداد العباد) للشيخ حسين آل عصفور الدرازي البحراني المتوفى قبل السيد اليزدي بأكثر من ١٢٠ عاماً ما زالت مرجعاً للشيعة الإخباريين في أحكامهم.

ثامناً: إنّ أول من أدرج بحث التقليد في ختام علم الأصول هو الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى قبل السيد اليزدي بنصف قرن في كتابه (فرائد الأصول). وأمّا السيّد اليزدي فهو أول مَن أدرج أحكام التقليد وفصّلها في أول رسالته العمليّة (العروة الوثقى). مع وجود نفس عمليّة التقليد قبله. ولكن المشكلة أن الذي لا يفرّق بين الرسالة الفقهيّة والكتب الأصوليّة، وبين الكلام في العقائد والكلام في الأحكام  والذي ينسب تحريم التقليد في الأحكام لِمَن كتب رسائل عمليّة تختصر الأحكام للمكلّفين من العوام كالطوسي والمفيد قطعاً لن يميز الفرق بين كتابة أحكام التقليد ووجود عملية التقليد والرجوع إلى رسائل الفقهاء في التكاليف. وهذا ختام الكلام مع فائق الاحترام.

الإجابة بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق