أعلام وشخصيات

نبذة عن حياة الشّيخ حسين مغنيّة

بقلم: سماحة المفتي الشيخ محمّد عسيران

هو الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسن بن الشيخ مهدي بن الشيخ محمّد بن الشيخ علي بن الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن محمود بن محمّد بن علي آل مُغْنِيَّة الأسدي العاملي، ولد حجّة الإسلام المرجع الشيخ حسين مُغْنِيَّة (قده) عام 1280هـ/1863م في النَّجف الأشرف، وتوفّي في صيدا في العام 1495هـ/1940م.

من كبار علماء المسلمين الشّيعة في عصره، والرئيس الديني في جبل عامل منذ ما قبل الحرب العالميّة الأولى إلى حين وفاته في الحرب العالميّة الثانية. أجمعت عليه الكلمة فانعقدت له الزّعامة الدينيّة في جبل عامل. كان يلقّب بـ «شيخ الطائفة»، لأنّه كان كبير علماء الشيعة الإمامية في بلاد الشّام، كما لقِّب أيضاً بـ «مؤهّل العلماء»، لكثرة العلماء الذين تتلمذوا على يديه.

والده:

الشيخ علي بن الشيخ حسن مغنية، المولود سنة 1256هـ، والمتوفّى سنة 1283هـ في النّجف الأشرف، وصف بآية القرن الثالث عشر. أتمّ قراءة القرآن وأتقن علمي النحو والصرف في العاشرة من عمره. وفي الثانية عشر اجتمع في صيدا في منزل خاله الحاج حسن عسيران ببعض القضاة الماهرين من خريجي الأزهر فأبهرهم ما رأوا من علمه وفضله وتحدثوا عنه وأثنوا عليه.

سافر والده إلى النّجف في الخامسة عشرة من عمره، وذكر كبار العلماء في النّجف أنّهم سمعوا منه أبحاثاً حين قراءة الدروس وتحقيقات ما سُمعت من علماء عصرهم، وقد فاق الكل. كانت له حافظة غريبة، بحيث يحفظ القصيدة الطّويلة بسماعها مرّة واحدة. نبغ نبوغاً فائقاً، وبلغ من العلم والفضل في المدّة القصيرة ما لم يبلغه الشيوخ الأفاضل في السنين الكثيرة، حتى لقّب في النجف بـ «الشهيد» لذلك.

لدرجة أنه في الواحدة والعشرين كان يحضر درس فقيه ذلك العصر الشيخ محمّد حسين الكاظمي الذي كان يباحث جملة من المسائل أثبتها في كتابه فيعارضه الشيخ علي فيها فيعدل عنها عندما يلوح له الصواب من كلامه وجرى ذلك أكثر من مرة. وقد حاز على درجة الاجتهاد. وكان متوقعاً أن يصبح المرجع العام، لكن دهره لم يمهله فتوفي في النجف ولم يبلغ سبعة وعشرين سنة. ودفن بجانب أبيه في الصحن الشريف.

والدته:

هي كريمة العلامة السيّد كاظم بن السيد أحمد الأمين.

نشأته ودراسته:

كان عُمر الشيخ حسين مغنية ثلاث سنوات عندما توفّي والده. فنشأ يتيم الأب وبقي في النجف عند جدّه لأمّه، حتى صار عمره ثماني سنوات. وكانت جدته لأبيه ـ وهي شقيقة الحاج حسن عسيران البارّة ـ سافرت إلى العراق لأجله مرتين، فعادت به إلى جبل عامل.

قرأ القرآن عند بني عمّه لثمانية أشهر، ثم نقله عمّ أبيه الشيخ محمّد إلى المدرسة الرشديّة في صور عند الشيخ جعفر مغنيّة، وبعد وفاة أستاذه، نقله مع بني عمّه إلى مدرسة حناويه عند العلامة الفقيه الشيخ محمّد علي عزّ الدين، حيث قرأ أوّلاً في جبل عامل المقدّمات من النّحو والصرف والبيان والمنطق وأصول الفقه إلى نهاية المعالم. ولما حضر إلى جبل عامل بدرها الكامل وشمس الفضائل ومرجع أبناء هذا الزمان الشيخ موسى شرارة من العراق إلى بنت جبيل، انتقل إلى مدرسته، فقرأ فيها عليه القوانين واللّمعة وشيئاً من الرسائل. وكدّ وحصّل واستعدّ، وفي صغر سنّه حاز التقى والتهجّد والورع، مواظباً مجتهداً على العبادة والتحصيل والإفادة.

السفر إلى العراق:

بعد وفاة الشيخ موسى شرارة، قرّر السّفر إلى العراق، وحضر إلى بلدة شقراء الجنوبيّة، وعرض على زميله في الدّراسة، السيد محسن الأمين، السّفر إلى العراق، فوافق بعد أن استأذن والده، وانطلقا في رحلة شاقّة من جبل عامل إلى النجف الأشرف. فبدأ توجههما من بيروت في أواخر شهر رمضان من تلك السنة ومنها بحراً إلى الإسكندرية ومنها في العربات إلى حلب وبقيا فيها ١٥ يوماً. وفي أثناء التوجه إلى العراق مرض المترجم له ثم شفي بإذن الله تعالى وبقيا في الطريق ثلاثين يوماً وكان طريقهم على دير الزور حتى وردا الكاظمية وذهبا للزيارة في سامراء وأدركا زيارة عرفة في كربلاء ومن ثم ذهبا إلى النجف.

في النجف:

بقي الشيخ حسين في النجف عشرة أعوام ونصف، يكدّ ويجتهد. قرأ الرسائل على شيخ شريعة الأصفهاني، والأصول الخارج ليلاً عند الشيخ ملا كاظم الخراساني، وفي درسي الفقه خارجاً عند الشيخ آقا رضا الهمذاني والشيخ محمّد طه نجف، إلى أن حاز على درجة الاجتهاد المطلق، وشهد باجتهاده كلّ من:

1 ـ الشيخ آقا رضا الهمذاني.

2 ـ الشيخ محمّد طه نجف.

3 ـ السيّد محمّد ابن السيّد محمّد تقي الطباطبائي آل بحر العلوم.

4 ـ الشيخ فتح الله الأصفهاني، وغيرهم.

العودة إلى جبل عامل:

بعد فراغه من تحصيل العلوم الدينية، وبلوغه أعلى درجات الإجتهاد والاستنباط، عاد الشيخ حسين مغنيّة إلى جبل عامل في العام ١٨٩٩، واستقرّ في وطن آبائه وأجداده بلدة طيردبّا في ساحل صور.

علمه:

انعقدت للشيخ حسين مغنيّة الزعامة الدينية في جبل عامل في ظلّ وجود أعلام كبار من طراز السيد محسن الأمين العاملي والسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي برز في وقت لاحق. وهذا يدل على المستوى العلمي الذي وصل إليه الشيخ حسين مغنيّة، فالسيد محسن الأمين يعرّفه في كتاب أعيان الشّيعة بـ«شيخنا»، وفي موضع آخر «شيخ الطائفة» و«القدوة الفقيه». كما أنّ السيّد عبد الحسين شرف الدّين، يعرّفه بـ «كبير العلماء الشرعيّين» و«حجة الإسلام».

يُذكر أنّ المرجعيّة في النجف في حينه، وخصوصاً المرجع العام الشيخ النائيني (رضي الله عنه)، كان يرجع الشّيعة في لبنان إلى الشيخ حسين مغنيّة، وكان يقول: «قوله قولي، ورأيه رأيي، فارجعوا له بكلّ مسائلكم وأموركم». وكان علماء جبل عامل يطالبونه بإقامة مرجعية شرعية.

وقال في علمه الشاعر سليم جواد البرجي، في مقطع من قصيدته العام 1945:

نلوذُ بظلِّه إن غيَّرتنا                    عصورٌ فالحسينُ لنا كفيل

وعيلمُ قطرِنا بل كلُّ قطر               وواحدُ دهرِنا حَبْرٌ جليل

حسينٌ فيه نورٌ من أبيه               عليٌّ ما له أبداً مثيل

لئن قامت رجالُ الأرضِ طرّاً            تباريه فذلك مستحيلُ

سما فخرَ البلاد بكلِّ علمٍ            وبالفتوى له الباعُ الطّويلُ

وقال في رئاسته السيّد نور الدين فحص:

على غير ما أهوى أتيت مودّعاً           أباً كان للغرا إماماً ومرجعا

أجل إن نأى عنّا الحسين فشبله        مكان الّذي تهوى الرّئاسة مفزعا

عمله:

اختير الشيخ حسين مغنيّة رئيساً لعلماء جبل عامل، بتقديمه من قِبَل العلماء، ومحبّة الناس له ووثوقهم به، لِما عُرف عنه من صفات حميدة كثيرة، ذكر منها العلامة السيّد محسن الأمين: «كان عالماً فاضلاً فقيهاً كاملاً شاعراً أديباً تقياً نقياً عاقلاً كريماً سخياً حسن الأخلاق محمود السيرة»، وأضاف السيّد الأمين أنّه «لم يعثر له على زلّة»، وورد في كتاب السيّد حسن الصّدر (في تكملة أمل الأمل وهو من معاصريه من علماء العراق البارزين): «تقيّ نقيّ لا يغمز عليه بشيء». وقام بالوظائف الشرعيَّة، كالإمامة والإرشاد والتّوجيه وإصدار الأحكام والقضاء…

المرجع:

كان الناس يتوافدون إلى الشيخ حسين مغنيّة من جبل عامل والمناطق المحيطة من بلاد الشّام، للسّؤال عن المسائل والأمور الدينية، وطلب النّصيحة والإرشاد، وكان مرجع العلماء إذا عجزوا عن حلّ مسألة شرعية. يورد أمين علي مرتضى في كتابه «السيد محسن الأمين: سيرته ونتاجه»، نقلاً عن الشيخ إبراهيم سليمان، أنّ الشيخ حسين مغنية عالم ديني محترم جدّاً، دقيق النظر في معضلات الأمور وتعقيداتها، لا يجاريه في ذلك أحد من معاصريه. وكانت داره تعجّ بالناس من الصبيحة إلى المغرب، وكانت الصلاة عنده تشهد زحاماً كثيفاً.

القاضي:

كان الشّيخ حسين مغنيّة مشهوراً بالقضاء وفصل الأمور وحلّ المشكلات. كان الناس يلجأون إليه للبتّ بالأحكام وفضّ المشكلات العالقة. ويروى أنّه لطالما شوهد المتحاجّون قادمين من حوران في سوريا للتقاضي عنده، كما أنّ البعض من مسيحيي جبل عامل كانوا يتقاضون عنده. هذا ما دفع الشّيخ إلى إعطاء الوقت الأكبر من وقته لقضاء حوائج النّاس وإصلاح شؤونهم. يقول في ذلك الشيخ سليمان الظاهر:

قد كان في يوم الحكومات حيث لا            تصيب النهى أحكامها باب أحكام

أمينا على فصل القضايا كأنّما استمد         لقضاء الفصل من فيض إلهام

كما قال الشّيخ علي شمس الدّين:

سل عنه أعلام الشّريعة والهدى          تنبئك حقّاً أنّه أقضاها

وأسدها رأياً إذا ما مشكل           حارت بحلّ دقيقة علماها

المعلّم:

كانت قرية طيردبّا في زمن الشيخ حسين بمثابة العاصمة الدينية لجبل عامل. بالإضافة إلى أنها كانت مقصد الناس. كما أنّها كانت مقصد طالبي العلوم الدينية. فقد أحيا مدرسة آبائه فدرّس القرآن والفقه والأصول، وأعطى وقتاً كبيراً لتدرس الطلاب حتى لقب بـ «مؤهل العلماء»، وقد تتلمذ الكثير من العلماء الأفاضل على يديه منهم:

  • الشيخ عبد الكريم مغنيّة.
  • الشيخ خليل مغنيّة.
  • الشيخ علي مغنيّة.
  • الشّيخ محمّد العسيلي.
  • الشّيخ علي سليمان.
  • الشّيخ خليل ياسين.
  • السيّد عباس أبو الحسن.
  • الشّيخ حسين معتوق. وغيرهم كثيرون
الزاهد:

أحد الأسباب التي زادت من احترام الناس للشيخ حسين مغنية ووثوقهم به ما عرُف عنه من زهد وتواضع، إضافة إلى المكانة العلميّة والمرموقة بين الناس. ما اشتهر عن الشيخ أنّه كان لا يأخذ نصيبه من الحقوق الشرعية، بل كان يعطيها للفقراء والأيتام، ذلك أنّه كان يقول للناس أنّه مكتفٍ. فقد كان يملك فدانين وأرضاً واسعة يزرعها الفلاحون حبوباً ويأخذون حصتهم والباقي يعتاش منه الشيخ. إضافة إلى ذلك، كان الشيخ لا يُبقي الأموال الشرعية المستحقة على الناس عنده، بل كان يحسب ما على الفرد من خمس وزكاة، ويطلب منه إبقاء المال معه، وأن ينفق في منطقته انطلاقاً من قاعدة «الأقربون أولى بالمعروف». وأن يسجل ما يدفع وما يتبقى عليه. وفي حال قصد الشيخ محتاج، يبعثه إلى ذلك الشخص مرفقاً بورقة موقعة منه ليعطيه مبلغاً معيناً.

عاش الشيخ سنين طويلة في بيت عبارة عن قبوين كبيرين وقبل أن يبيع أرضاً ورثها ليبني بيتاً صغيراً فوقهما، وهو لا يزال موجوداً حتى اليوم. وكان جل ما في ديوانه القعدات والمساند. وكان كبار الزعماء والشخصيات يجلسون عليها عند زيارة الشيخ كسائر الناس.

ذكر الشيخ سليمان الظاهر:

نضا بردة العيش الحسين زهادة     غداة رآه مثل أضغاث أحلام

الكريم:

كان الشيخ كريماً سخياً، وذكر ذلك السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة. فكان قلَّما يبقى عنده مما يدخله. ويروي الشاعر جواد البرجي في قصيدته:

وأمسى بالندى معنٌ بخيلاً           بجانبه وما معنٌ بخيل

الشيخ والناس:

كانت كلمة الشيخ عند الناس القول الفصل من شدة إحترام الناس له ووثوقهم به، وقد بان ذلك في عدة مواقف. ففي مناسبة دفن في مدينة صور كان الشيخ فيها حاضراً، حدث خلاف وتلاسن بين عالم ديني معروف وجماعة كبيرة من الناس، على خلفية مهاجمة العالِم لقارئ العزاء في مجلس عند أحد الأقطاب السياسيين حينها. فثارت ثائرة الناس وعلت الضوضاء في المكان والشيخ جالس متكئاً على عصاه ينظر إلى الأرض.

وحمل الناس العصي وكاد الأمر يتطور إلى ما لا يحمد عقباه، فاستنجد العالِم بالشيخ حسين قائلاً: يا شيخنا يا شيخنا قولك يا شيخنا!! فرفع الشيخ رأسه وقال: من فسَّقه (العالِم) فهو فاسق. فإذا بالناس على رؤوسهم الطير، فقطع دابر الفتنة التي كادت أن تسيل الدماء. وبعث القارئ إلى بلدة جويا، وحمّله رسالة إلى أهلها ليقرأ فيها.

الشيخ والزعماء:

كان الشيخ لا يقصد دار زعيم ولا حاكم ولا سياسي، بل كانوا هم من يزورونه في المناسبات وللتهنئة بالعيد وللسؤال عن مسائل شرعية. وكان لا يقبل الهدايا من أحد. لذا كان الزعماء والحكّام، كما عامّة الناس، يكنّون له احتراماً بالغاً. في أحد الأيام اشتكى أحد الفلاحين عند الشيخ على الحاج إسماعيل الخليل. وهو زعيم وله نفوذه، بسبب خلاف على ملكيَّة أرض. فدعا الشيخ كليهما في يوم معين. حضر الحاج الخليل وجلس على إحدى الطنافس (القعدات والمساند) بعد أن ألقى التحية على الشيخ، أمّا الفلاح فقعد القعدة الشرعيّة. أراد الشيخ أن يساوي الفلاح بالزعيم، فطلب منه الجلوس بجانب الحاج الخليل. تردّد الفلاح في بادئ الأمر، لأنّ العادات الإجتماعيّة كانت غير ذلك بسبب الفوارق الطبقيّة، فقال له الشيخ: «أنت لست بين يدي حسين مغنية، أنت الآن بين يدي الله» وعندما همَّ الفلاح بالجلوس بقرب الحاج، امتعض الثاني واعترف للفلاح بالأرض. وللمفارقة أنّ علاقة الحاج الخليل بالشيخ كانت واستمرت أكثر من جيدة.

صلاة الاستسقاء:

حدث قحط شديد العام ١٩٢٤، فضجّ الناس من ذلك فالأرض لم ترتوِ بالمطر. وكادت تموت الدواب من شدة الجفاف وقلّة المرعى.

فدعا الشيخ حسين مغنيّة الناس إلى صوم يومي الأربعاء والخميس، على أن يجتمع النّاس لصلاة الاستسقاء نهار الجمعة التالي. زحف مئات الناس في ذلك اليوم إلى دار الشّيخ في طيردبّا تحت سماء صافية. انطلق الشيخ ومن معه سيراً، حفاةً، أحذيتهم في أيديهم، مطأطئين رؤوسهم من خشية الله، مسافة عدّة كيلومترات، حتى وصل بهم المطاف إلى سهل فيه عين بمنطقة وادي جيلو، فتوقّفوا للصّلاة في ذلك الموضع بناءً على طلب الشّيخ. فما إن قام الشيخ للصلاة، حتى بدأت زخّات المطر بالهطول من السّماء، فصلّوا تحت المطر. وذكر الكثيرون ممن حضر الصّلاة، أنهم عندما فرغوا من الصّلاة وباشروا طريق العودة، كانوا مغرقين بالماء. وهذه الحادثة معروفة ومتواترة على ألسن الناس في جبل عامل، وقد رواها الكثير من العلماء.

في مواجهة الاستعمار:

لعب الشيخ حسين مغنيّة دوراً رئيساً في مواجهة الاستعمار. كان معروفاً عنه أنّه لا يزجّ نفسه في السياسة اليوميّة، لكن كانت له مواقف حاسمة في القضايا المصيريّة. أبرز مساهماته:

ترأس الوفد الممثّل لجبل عامل لمقابلة لجنة (كينغ كراين) لتقصّي الحقائق الأميريكية القادمة إلى سوريا عام ١٩١٨ لمقابلة زعماء الطوائف وسماع مطالبهم حول تقرير المصير وطبيعة الحكم الذي سيخلف الدولة العثمانية المنهزمة في بلاد الشام. اجتمع مائة شخصيّة دينية وعلميّة وسياسية من جبل عامل، واختاروا الشيخ مغنية لرئاسة الوفد، والسيّد عبد الحسين شرف الدّين ليكون معه.

بعد أن قابلت اللجنة الأميركية البطريرك الحويك، حضرت إلى جبل عامل حيث التقى الشيخ مغنية ومعه السيد شرف الدين أعضاء اللجنة في مدينة صور. بدأ الشيخ مغنية كلامه رافضاً تقسيم المنطقة ومعارضاً الإنتداب الفرنسي المستتر تحت عرض المعونة الفرنسية، كما أدلى السيد شرف الدين بالموقف نفسه. وكلَّف الشيخ مغنية السيد شرف الدين بمتابعة التواصل مع اللجنة بعد اللقاء.

حضر الشيخ مغنيّة مؤتمر وادي الحجير سنة ١٩٢٠ على رأس وفد من العلماء، وعقد المؤتمر بحضور علماء وزعماء جبل عامل لاتخاذ موقف من المستجدات الخطيرة حينها ومن حكم الملك فيصل في دمشق. قرّر المجتمعون انضمام جبل عامل إلى حكم الملك فيصل، على أن يكون لجبل عامل حكماً ذاتياً. واختار المؤتمرون الشيخ حسين مغنيّة ممثّلاً لجبل عامل لمقابلة الملك فيصل، لكنّه اعتذر بعـد أن مثّل جبل عامل أمام لجنة (كينغ كراين)، فاختار المجتمعون السيّد عبد الحسين شرف الدّين والسيّد عبد الحسين نور الدّين، لتبليغ الملك فيصل مقرّرات المؤتمر.

وكان للشيخ مغنيّة موقفاً مؤيّداً لمقاومة الفرنسيين في المؤتمر، لكن في الوقت نفسه، كان له موقف صارم حين أنّب صادق حمزة (زعيم المقاومة) بكلمات قاسية على التّجاوزات التي كانت تحصل، كالتعدّي على المسيحيّين من أهل جبل عامل، وحذَّر من فتنة تستدعي الفرنسيّين.

إضافة إلى ما تقدم أن الفرنسيين عرضوا على الشيخ حسين مغنية تولّي منصب مفتي سورية ولبنان، مع مغريات من معاش مرتفع وسواه من الأمور، لكن الشيخ رفض ذلك قائلاً: «أنا موظف عند الله، ومن يتوظف عند الله لا يتوظف عند أحد».

ومن هذا وذاك كان يأنف من الانخراط في السياسة والقضايا السياسية وبقي متحفّظاً عليها وغالباً ما كان يطلب منه أن يدعم هذا المرشح أو ذاك فكان يتردّد في ذلك لمكانته وموضعه إذ كان رئيساً للعلماء ومرجعاً للطائفة وكان ذلك يزيد من تأثيره في الناس.

ومع ذلك فقد لعب دوراً ريادياً في تمثيل الطائفة سيما أمام السلطات العامة ولمّا شعر بدنوّ أجله فكّر في خلفٍ له قادر على القيام بمهامه فاختار الشيخ منير عسيران وأعلم ذلك لسلطات الإنتداب والسلطات اللبنانية في وثيقة مصدّقة من قبل ما يناهز العشرين عالماً من علماء جبل عامل بموافقتهم.

جمعية العلماء العاملية:

كانت الطائفة الشيعية تعيش حالة من الفوضى، ولم تكن هناك أي مؤسسة أو هيئة تنظم وتدير شؤونها الدينية. عمل الشيخ حسين مغنية مع إخوانه من العلماء البررة على إنشاء جمعية ذات سلطة دينية لتوحيد الفعل والرأي والموقف. كان له الدور الرئيسي في تكوين جمعية العلماء العاملية عام ١٩3٨. إذ اجتمع العلماء في صيدا في منزل الشيخ منير عسيران مقتنعين بأنّهم وحدهم قادرون على محاربة الجهل وتضارب الآراء في جبل عامل. فعقدوا اجتماعاً عاماً ودعوا إليه العلماء والوجهاء لذلك الهدف.

وفي الاجتماع نفسه دعوا إلى إنشاء مدرسة في جبل عامل وفتحوا باب التبّرع لها، وقد تكلّف الوجهاء في تلك الساعة بدفع تبرعاتهم وأكّدوا على الانتظام في الجمعية واقتراح الأعمال الواجب القيام بها، لتضم الجمعية تحت لوائها علماء جبل عامل ولتكون باكورة التحركات على الصعيد اللبناني.

اختار العلماء الشيخ حسين مغنية رئيساً للجمعية، والسيد محسن الأمين كمساعد له في ادارتها، والشيخ منير عسيران أميناً للسر، ونجيب بك عسيران أميناً للصندوق.

وكانت الجمعية تضم أكثر من ثلاثين عالماً أبرزهم:

  • الشيخ حسين مغنية
  • السيد محسن الأمين
  • السيد عبد الحسين نورالدين
  • الشيخ عبدالحسين صادق
  • الشيخ سليمان الظاهر
  • الشيخ منير عسيران،وغيرهم.

وكان مكتب جمعية العلماء العاملية يتألف من الشيخ علي حلاوه والسيد أمين علي أحمد الحسني والشيخ محمّد الحر، أما الأعضاء فكانوا ما يقرب الثلاثين.

تتابعت اجتماعات الجمعية منذ ذلك الحين بصورة دورية وجمعت الأموال لها.

من وظائف الجمعية:

  • البحث بشؤون الطائفة والأمور الطارئة.
  • جمع الأموال من الإغتراب لإقامة المشاريع الخيرية.
  • مساعدة طالبي العلوم الدينية على تأمين نفقات تعليمهم وسفرهم إلى العراق.
  • بناء المدارس. كان حلمه الكبير منذ وروده جبل عامل من النجف الأشرف النهوض بالطائفة الشيعية، لذلك سعى لبناء المدارس. ففي عام ١٩٠٧، دعا كامل الأسعد وجهاء جبل عامل إلى بلدة الطيبه للنظر في مسألة إنشاء مدرسة دينية وألفوا لجنة موكلة بتنفيذ المشروع، مؤلفة من الشيخ حسين مغنية والشيخ أحمد رضا والسيد علي محمود الأمين والشيخ سليمان ظاهر، ولكن هذا المشروع لم يبصر النور. وبقي حلم الشيخ حسين مغنية إلى أن قام بتأليف الجمعية التي كان هدفها الأول بناء مدرسة تلبية لرغبة ملحة من الشيخ حسين نفسه. فاختيرت مدينة صور كمركز للمدرسة لكن هذا الحلم لم يتحقق.
  • تعيين أئمة المساجد، وغيرها من الأمور.

كانت الجمعية تسعى إلى بناء مقر دائم لها، على أن يكن في مدينة صور وحسب رغبة الشيخ حسين، لكن ذلك لم يتم لأن العلماء توقفوا عن الإجتماع بعد مرض الشيخ مغنية، وانقضت الجمعية بعد وفاته، ولم تعمر حتى الإستقلال لتصبح مؤسسة رسمية.

رئاسة المحاكم الشرعية:

في العام ١٩٢٦، أرسل رئيس الجمهوريّة اللّبنانية شارل دباس موفداً إلى الشيخ حسين مغنيّة، يحمل مرسوماً بتاريخ ١٧ شباط ١٩٢٦ يقضي بتعيينه رئيساً للمحاكم الجعفريّة بعد إنشائها، ومؤسسات الأحوال الشخصيّة للطوائف اللّبنانية حينها، وهو أعلى منصب روحيّ رسمي للطائفة الشيعيّة.

اعتذر الشّيخ حسين عن قبول هذا المنصب، وبعث رسالة لشارل دباس يطلب منه تعيين الشيخ منير عسيران في هذا المنصب، وكان كذلك. سئل الشّيخ مغنيّة عن سبب رفضه رئاسة المحاكم الجعفريّة، وخصوصاً ما تقدّمه من امتيازات ومرتّب محترم ومنزل في العاصمة وسيّارة… علّل الشيخ قراره بأنه رأس الطائفة، فهو يتقدّم على رئيس الجمهورية في وضعيته هذه. أما إذا قبل المنصب، فسيصبح موظّفاً في الدولة يمشي خلف الرّئيس. لذا كان اعتذاره حفظاً لمكانة الطّائفة.

كانت هذه الخطوة الأولى لدخول الجناح الديني للطائفة الشيعية في مؤسسات الجمهورية اللبنانية. وذلك بعد إنهيار مشروع الملك فيصل في دمشق.

وفي شباط عام ١٩٢٣، اتفق ثمانون عالماً ووجيهاً في إجتماع لهم دعا له النائبان نجيب عسيران وفضل الفاضل في صيدا في منزل النائب نجيب عسيران على أن يطالبوا بتعيين رئيس ديني له صفة تمثّل الطائفة الشيعية على غرار الطوائف الأخرى، فكان المرشح لهذا المنصب الشيخ حسين مغنية (قده).

كتاباته:

كان الشّيخ مغنيّة يؤثر قضاء حوائج النَّاس والإصلاح بينهم وتعليم الطلاب، على أن ينصرف للتّأليف كما فعل غيره من معاصريه، وخصوصاً أنّه عاش في حقبة صعبة وخطيرة كانت البلاد تعيش فيها حالة من الفوضى، وكانت داره تعجّ بالنّاس من شروق الشّمس إلى ما بعد غروبها، ولذا لم يكتب حتى عن سيرته الذاتيّة المليئة بالأحداث والمواقف التي بعضها موجود في الكتب، وبعضها ما زال يرويه النّاس. لكنّ الشيخ رغم ذلك، له كتابات كثيرة في الفقه والأصول، كما كتب عدّة مقالات.

شعره:

عرف عن الشيخ أنه كان شاعراً أديباً بليغاً، ينظم الشعر المتين الرصين. له قصائد نشرت في كتاب «أعيان الشيعة» وقصائد نُشرت في مجلة العرفان، وله ديوان شعر مخطوط.

نظم في عدد من الأغراض المنتخبة مما ألفه شعراء عصره. من أظهرها: المدح لآل البيت خصوصاً، والرثاء الذي غلب على نتاجه الشعري، فجاءت قصائده سجلاً لتاريخ عدد من رجال عصره، منتهجاً نهج القصيدة العربيّة القديمة من إسباغ صفات الكمال الإنساني على مرثيّه، ومعتمداً الإطار التقليدي من طول للقصيدة، ومحافظاً على الوزن والقافية الموحدة واستخدام المحسنات البديعية، وبخاصة الطباق والمقابلة.

وفاته:

مرض الشّيخ حسين مغنيّة، وأدخل المستشفى الألماني في بيروت في بادئ الأمر، لكن شكوكاً بمحاولة اغتياله، وانتشار الخبر بين النّاس، استدعى نقله إلى مستشفى عسيران في صيدا، حيث توفّي في العام ١٩٤٠ عن عمر يقارب ثمانين عاماً. نُقل المرجع الشيخ حسين مغنية (قده) إلى قريته طيردبا بتشييع حافل حضره كبار العلماء والحكام والخواص والعوام من جميع الطوائف وصلّى عليه ولده الشيخ خليل. له اليوم مقام معروف في طيردبا، كما رثاه الكثير من الشعراء.

وقال الشّيخ علي شمس الدين:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره            يرتاد أبعد غاية أسماها

حتى ارتقى رتباً تقاعس دونها        كلّ البرية شيخها وفتاها

سَلْ عنه أعلام الشريعة والهدى        تنبئك حقاً أنّه أقضاها

وأسدّها رأياً إذا ما مشكل             حارت بحل دقيقة علماها

وقال الشّيخ سليمان الظّاهر في رثائه:

وكان حسين كالحسين بصبره           وإن لم يمت ما بين كرٍّ وإقدامِ

إمام على التّقوى يلوِّث إزاره              وما لاثه يوماً على وزر آثامِ

لقد كان مأمون البوادر لا يرى             به مغمز يوماً لعاب ولا ذام

ومما قاله خليل مغنيّة في رثائه:

هاهنا يرقد من كان له                     مجلس الأحكام فوق النيرات‏

وهنا يرقد ذو القدس الّذي                لم يدنس برده في الشّبهات

عيلم العلم الّذي في علمه              هتك الجهل وأجلى الظّلمات


المصادر:

  • آغا بزرك الطهراني: نقباء البشر في تراجم القرن الرابع عشر ـ دار المرتضى للنشر ـ مشهد ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤م.
  • السيدحسن الصدر، تكملة الآمل الآمل.
  • محسن عقيل: روائع الشعر العاملي ـ دار المحجة البيضاء ـ بيروت ٢٠٠٤م.
  • محمّد هادي الأميني: معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ـ مطبعة الآداب ـ النجف ١٩٦٤م.
  • الدوريات: عبد المجيد الحر: الحياة الأدبية في سيرة الأعلام في علمائنا العامليين.
  • معجم البابطين لشعراء العربفي القرنين التاسع عشر و العشرين.
  • أمين علي مرتضى: السيد محسن الأمين: سيرته ونتاجه.
  • السيد عبدالحسين شرفالدين، بقية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين.
  • عباس الموسوي، علماء ثغور الإسلام ١٩٥٠م.
  • العرفان، الملحق ١٠/٩ ص ١٢٦ـ ١٢٧ ـ العرفان ج٢٦ ص ٦٣٣ ـ ٦٣٤ ـ ج١٩، ص٥٩٨.
  • العرفانج٢. عدد ٧ تموز١٩١٠م، ص٤٤٥ ـ ١٩٢٩ ـ مجلد ١٨ عدد ٤.
  • محسن الأمين، أعيان الشيعة، دار التعارف، بيروت ١٩٩٨.
إغلاق