الافتتاحية

التدهور الإجتماعي وتبدّل المحوريّة

241-242

 

قال النبي (ص): كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟

فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟

فقال نعم وشرّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف.

فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟

قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

لا يصعب على المتصفّح للمشهد العام لمجتمعاتنا أن يرى صورتين متقابلتين. صورة ماضٍ منصرم، احتوى أُسراً كبيرة، متعدِّدة الأولاد، يسود غالبها نوع انضباط في التربية والتنشئة المتوافقة إلى حدٍّ كبيرٍ مع القيم.

في عصر كانت فيه مصادر المعرفة شحيحة التوفر، والنهضة الدينية ضيّقة النطاق، حيث تقتصر حركة المساجد على كبار السن والأوحدي من شباب. وتختصّ فريضة الحج بالعجزة والشيوخ، ولا تُقام مجالس العزاء إلَّا في عاشوراء.

وصورة اليوم حيث الكثافة في مصادر المعلومات، وتطور في المستوى التعليمي، ونهضة دينية تصل إلى حدِّ ريادة المتدينين للمشهد الإجتماعي. مع قلّة في عدد الأولاد في الأسر، ولكن تردٍّ في الانضباط الأخلاقي للأولاد، وخروج الأمر عن سيطرة الأبوين. فما تراه السبب؟!

بإمكاننا أن نلقي باللائمة على المناهج التعليمية، والبيئات المدرسية، ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي. وهو حق وواقع، فهي عوامل الهجوم التي غزت بيئتنا وغيّرت الكثير من وقائعها وسماتها. لكن هناك عامل لا يقلّ خطورة عنها؛ وهو انعدام خط الدفاع.

فقد كانت ثقافة الأهل في الزمن المنصرم ثقافة واجب، يفني فيها الأبوان كيانهما في بوتقة تشكيل الأسرة وتأمين مستلزماتها، فالأب كادح في العمل، والأم كادحة في المنزل وخارجه، وأوقات الفراغ للأسرة والمجتمع. الأبناء يتدرّجون في عالم الأهل ويكتسبون منه المهارات والرؤى.

هي ثقافة واجب ذات خطي دفاع:

١ـ خطّ الدين الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وينأى عن القبيح لحرمته، وخشية عقوبته.

٢ ـ فإذا ما اضمحل وتلاشى بقي خط التعاشر الإجتماعي الذي، وإن كان استبدل خوف العقوبة بخوف المذمّة، والحرام الثابت بالعيب المتحول، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظاً على صفو العلاقات الإجتماعية. إلَّا أنّه ما زال يدفع الإنسان لاجتناب كثير من المنكر خوف المذمّة. فالميزان ما زال صحيحاً نظرياً، وقائماً عملياً، ولكن مع تعطيل بعض تنفيذاته.

٣ ـ حتى إذا ما أطلّت المدنيّة حاملة معها سباق التحوّل الحياتي، وأخذت المتطلّبات الفرديّة تتكاثر على حساب المتطلبات الإجتماعية المتراجعة، فصار الفرد يعيش لنفسه أكثر فأكثر، وأخذت ثقافة التعاشر تتراجع لحساب ثقافة جديدة لا تكتفي بتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قد تأمر بالمنكر وهي تراه منكراً وتنهى عن المعروف وهي تراه معروفاً، مراعية لأولويّة أساسيّة هي المصلحة الفرديّة التي تبيح ضروراتها المحظورات.
فبقي الميزان معتدلاً نظرياً، لكنّه عملياً كثيراً ما ينقلب تبعاً للمصالح.

ورغم أنّ هذا الانقلاب وخيم العواقب، وأنّ الميزان لم يعد فاعلاً عملياً، إلَّا أنّ وجوده والاعتراف به ـ لو نظرياً ـ يبقي المجال لخطاب قد يعيد الإنسان إلى بعض رشده. كما أنّ عناوينه وقيمه ستبقى حاضرة في خطاب التربية، فتنطبع بعض أدبياته في وعي الطفل المبكر، وإن رأى الولد نقيضها في كثير من سلوكيّات الأهل، التي تنطبع في شخصيته في مكان أعمق بكثير من مكان القيم النظرية.

٤ ـ حتى إذا ما توحّشت المصلحة واستبدَّت بكيان الإنسان، أخذت مفاهيم الإنسان تتوغّل في الفردانية، وتوسّع عنوان المصلحة من الضرورة إلى الرغبة، فصار محور حركة الإنسان هو جلب اللّذة ودفع الألم. محور لا يسمح ببقاء الميزان النظري، لأنّ كسره لم يعد استثناءً، بل صار أمراً مباحاً متاحاً في كلّ زمان ومكان َتطلب فيه اللذةُ نقيضَ الميزان. وبمعنى آخر أخذت اللذة موقع الميزان فصار ما يجلبها معروفاً وما يصرفها منكراً، ولم يعد للإنسان عنوان يمثّله سوى عنوانه الفردي، الذي تتضاءل في ظلّه كلّ العناوين مهما كانت، حتى عنوان الأبوّة والأمومة، فألقي الولد في أحضان العاملات، والنوادي، والأجهزة الإلكترونية، وسهُل الطلاق لتضخّم الرغبة بالراحة كأولويّة تفوق أولويّة تماسك الأسرة واحتضان الطفل. وتصالحت الثقافة مع السلوك في قدوةٍ تُعلّم الولد أنّه محور عالمه، فلا خير إلَّا ما يرضيه ولا شر إلَّا ما يزعجه.

في ظلِّ تنظير فكري يسوّغ هذا الهوى تحت عنوان قداسة الحريّة الفرديّة التي تحكم على كلّ واجب ومسؤولية، مدعومة بنسبيّة الحقيقة التي لم تبقِ مجالاً لضابط للسلوك الإنساني بعد أن اتّخذتها ثقافة ما بعد ما بعد الحداثة عنواناً عريضاً لها. هنا لم يعد مجال لخطاب تذكير، ولا لتحريك دواعي الإنسانيَّة، ذلك أنّ الثوابت زالت والفروقات الفرديّة أَطاحت بالمشتركات الإنسانيَّة لتحوّل كلّ فرد إلى عالم خاص لا يهتمّ إلَّا بعالمه.

تفكُّك عام يهدِّد البُنية الإجتماعيَّة الإنسانيَّة بالزوال. فهل ستزول؟! أم سيطلّ زلزال ناتج عن تداعيات هذا الواقع، فيعيد البشريّة قسراً إلى رشدها؟

نور الإسلام

إغلاق