أحيوا أمرنا

السيدة مريم العذراء مدخلٌ معرفيٌّ ومنهجيٌّ إلى السيدة الزهراء (ع)

241-242

إعداد: فضاء ذياب غليم(*)

 

إنّ فهم موقعية السيدة الزهراء (ع) في الإسلام، ومقاماتها الدينية، ودورها الرسالي لا يكاد يكون واضحاً ما لم نفهم قصة السيدة مريم العذراء ومقاماتها ودورها الرسالي في القرآن. إنّ تسليط الضوء على ذلك من شأنه أن يوضح سرّ الاهتمام الكبير الذي حظيت به الزهراء (ع) قرآنياً، وروائياً، لكن قبل ذلك يجب أن نعرف المبرِّرات أو المسوغات التي تجعل من دراسة قصة السيدة مريم مدخلاً معرفياً، ومنهجياً لدراسة المقامات الدينية للسيدة الزهراء (ع)، تتلخّص هذه المسوغات بالتالي:

حدَّد القرآن الكريم الهدف والمغزى من ذكر قصص الماضيين فيه، بوضوح “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” [يوسف: 111]، الهدف إذاً هو العبرة والاعتبار والعبور من الماضي الغابر إلى الواقع الحاضر.

أوصى القرآن بالتدبّر فيه، والتعقّل والتأمّل لآياته ومضامينه.

ثبت بالإخبار القرآني والنبوي أنّ أمّتنا ستتّبع سُنن الماضين في الخير والشر. وستجري فيهم سُنن الله عينها “فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا “[فاطر: 43].

فاطمة (ع) سيدة نساء العالمين، ومريم سيد نساء عالمها، حقيقة ضروريّة ومسلّمة ومُجمع عليها عند كافة المسلمين، وعليه كلّ ما يُثبت لمريم من كمال وفضل يُثبت لفاطمة (ع) من باب الأولويّة القطعيّة، ومن باب الإعتبار بقصص الماضين. ولا يمكن في هذه العجالة استيعاب قصة مريم كلّها ولا تحليل جميع الآيات الواردة بشأنها، لذا سنكتفي بإشارات إجمالية، وبلغة واضحة غير تخصّصية.

إصطفاء مريم: مريم لم تكن امرأةً مؤمنة تقيّة فحسـب، بـل مُصطفـاة بالإصطفـاء الإلهي “ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” [آل عمران: 42]، هذا الإصطفاء لمريم لم يكن اصطفاءً عادياً بل اصطفاءً خاصاً شامخاً، فالآية الكريمة تشير إلى مرحلتين ومرتبتين من الاصطفاء، سبقت الثانية منهما، مرحلة تطهير اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ، بل من يتدبّر في سورة مريم يجد جليّاً أنّ مريم ذُكرت في مصاف الأنبياء والرسل، ومنهم أولي العزم بقرينة تكرار لفظ ” واذكر” مع الأنبياء المذكورين في السورة، واستعمال هذا اللفظ بعينه مع مريم، من هذه الاستعمالات “ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا” [مريم:2]، “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ” [مريم: 16]، “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ” [مريم: 41]، “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ” [مريم: 51]، “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ” [مريم: 54“وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ” [مريم: 56]، وجاء اصطفاؤها في سياقٍ واحدٍ مع اصطفاء الأنبياء المذكورين في سورة آل عمران، إذ عُطفت آية اصطفائها المتقدمة، بعد عدَّة آيات على قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” [آل عمران: 33]، فأيّ مرتبة بلغتهما مريم لتُذكر في سياق واحد مع الأنبياء والرسل من أولي العزم؟

وبهاتين القرينتين فقط يتبيّن أنّ مريم مصطفاة كالأنبياء إلّا أنّها ليست بنبي ولا إمام، وهو يدلّ على أنّه يمكن لأصفياء الله بلوغ مقامات الأنبياء والرسل، وإن لم يكونوا أنبياءً ورسلاً.

وهناك صفات أخرى أُشرِكت فيها مريم مع الأنبياء والرسل كمقام الصدّيق  ” إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا” [مريم: 56] الذي ذُكر للأنبياء في سورة مريم كإبراهيم وإسماعيل وإدريس، فقد ورد في سورة المائدة، الإخبار عن عيسى بـ “وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ” [المائدة:75] فإذا كانت هذه المرتبة الرفيعة من الإصطفاء يثبتها القرآن لمريم فأيّ درجة من الاصطفاء بلغتها السيدة مريم وسيدة نساء العالمين فاطمة (ع)، وفاطمة مصطفاة ومطهّرة بآية التطهير التي يشترك فيها أهل البيت الباقون وعلى رأسهم خاتم الرسل (ص)، والوارد بحقّ مريم «يطهّرك» لكن بحق الزهراء “وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”، ومنه تعرف أنّ قوله (ص): «فاطمة بضعة مني وهي روحي التي بين جنبيّ» يشير إلى هذا المعنى الاصطفائي المشترك، وليس ذلك كلاماً عاطفياً فحسب، فهو لا ينطق عن الهوى.

حُجّيّة مريم:

مريم (ع) كانت حجة لله يحتجّ بها على قومها ولم يكن لأحد منهم مخالفتها أو مخاصمتها والتمرّد عليها، لأنّ التمرّد على مريم تمرّد على الله وأوامره وكان يجب عليهم الاعتقاد بمقامها وإخباراتها، ولم يكن يكتمل إيمان أحد يجحد ذلك حتى بالنسبة للنبي زكريا (ع) المعاصر لها وهذا سارٍ إلى يومنا هذا، إذ التكذيب بمريم ومقاماتها هو تكذيب بآيات الله ومريم من آياته ” وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ” [المؤمنون:50]، لاحظ كيف شاركت مريم نبياً من أولي العزم (عيسى) في الحُجيّة والآيتيّة.

إذا كان هذا ثابتاً لمريم فهو ثابت للزهراء (ع) بطريق أولى ومرتبة أعلى، فهل يكتمل إيمان أحد ينكر مقاماتها وهل يجوز لأحد أن يخاصمها؟

مريم يكلمها الله تعالى: ذكر القرآن ثلاثة أنواع من التكليم الإلهي ” وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: 51]، فإذا شكَّك بحصول التكليم من النوع الأول والثاني لمريم فالثالث حاصل بصريح القرآن “فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا”[مريم: 17] فالله أرسل إليها جبرائيل أكثر من مرة، كما يشير القرآن، وكذلك كلّمتها الملائكة أكثر من مرّة “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ” [آل عمران: 42]، ” إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ “[آل عمران: 45]، وغير ذلك من الموارد، وكلها تدلّ على مقامها الرفيع المضاهي لمقام الأنبياء ماعدا الرسول الخاتم (ص).

فهي تُذكر في سياق ذكر الأنبياء (ع)، ويُذكر اصطفاؤها في سياق ذكر اصطفائهم، ويُوحى إليها وتكلّمها الملائكة كالأنبياء، إلا أنّها ليست بنبي ولا إمام.

إذا كان هذا كلّه ثابتاً لمريم فما بالك بسيدتها الزهراء (ع)، وهل سيكون بدعاً من العقيدة أن نقول أنَّ جبرائيل كان ينزل ليحدِّث فاطمة بعد أبيها، وكان ثمرة ذلك أن جمعت حديث جبرائيل معها بمصحفٍ بإملاء أمير المؤمنين (ع)، هذا الذي يشنّع على الشيعة به زوراً وبهتاناً بأن لهم قرآناً آخر!!


(٭) باحث إسلامي وطالب دكتوراه/ اللغة العربية، من العراق.

صدر له من مركز الحضارة في بيروت كتاب «الأبعاد التداولية عند الأصوليين مدرسة النجف الحديثة إنموذجاً».

إغلاق