من سير الأطهار/ أدب ملتزم

«بين طريقين»

241-242

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

عند مفترق تلك الطرق وقف اثنان…

بل إنهما كانا طريقين، وكان الواقف كيانٌ واحد، ولدٌ ووالد!

… ألقى بباصرته وبصيرته أمامه ووراءه، وراح يتطلّع إلى منتهى المدى، منصتًا بملء جوارحه لما راح يتناهى إليه من صوتٍ وصدى… وأصاخ الحسّ أكثر، عساه يشتمّ ملامح الطريق، ويشخّص الفرق بين الحريق والبريق… بين النار المستعرة والنور الأزهر!

كانت مهمّةً عسيرة، ولكن الخروج منها بأمانٍ كان أعسر، فالأمر صعبٌ مستصعب، والطريقان خياران، قد تزيّى أحدهما بالألوان، وبدا الآخر شائكًا وعر المسلك والمعبر، فغدا الميزان مضطربًا والحقُّ مغتربًا لا يُبنى ولا يُعرب… ولكن القلب السليم هو صاحب الحجّة والبرهان، وعليه يقع وزر الاختيار وبه يحاسَب الإنسان ويُدان، أو يُكرم ويرسو بقاربه التائه عند شطّ الأمان.

ومضى يتخبّط، يعلو ويهبط، ويجعجع بالسبط الحبيب ويقلق الكواكب المشرقة ويهدّدها بالمغيب، ولكنه أبدًا ما تطاول على مقامه أو نطق بما يخلّ باحترامه!…

ثم حان وقت الصلاة، فما تردّد في أن يصلّي بصلاته، ويأتمّ به، رغم أنه كان مناوئًا له!… هو لم يجد بدًّا من أن يفعل، وهل بإمكانه أن يؤمّ أحدًا، وأمامه إمامه الذي يعلم حق العلم أنه الأفضل؟!

حتى إذا فرغوا من الصلاة، وقف الحسين خطيبًا يذكّر القوم بوعودهم وكتبهم، ولم يكن الحرّ ممّن وَعَدَ وكاتَبَ، فتنصّل من المسؤولية، وازداد صراعه مع نفسه، ولكنّه لم يفز إلا بازدياد اضطرابه وبُعده عن الطريق السويّ، حتى إذا أراد الإمام أن يتحوّل عن ذلك المكان، حال بينه وبين الرحيل، فغضب منه صاحب الصبر والكرم، وقد علم بعلمه المكنون أنّ هذا العبد قد أضاع الطريق إلى الحرم، فهتف به يقول:

 ـ ثكلتك أمك، ما تريد؟!

اهتزّ قلبه التائه وهو يستمع لمقالة الإمام، وارتجف لسانه الواله فلم يقوَ على الكلام، وهو أشجع العرب وأفصحهم؛ لقد تلجلج النفاق في قلبه الذي تعوّد على الصّدق، وسأل بذرة الحب التي غرسها في أعماقه نقاؤه وولاؤه الفطريّ للحق، فلم تجبه إلا بتلك الكلمات التي غمغم بها معترفًا باجترائه، وقد طأطأ رأسه بإزائه:

ـ أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركتُ ذكر أمّه بالثكل أن أقوله كائنًا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يُقدَر عليه…

… إيه أيها الحرّ… لقد تشابهت الدروب، وتاهت القلوب، وتشابكت أواصر المأمول والمطلوب، حتى إذا وقفتَ تستجدي الحقّ من صاحب الحق، وتشهد له ولأمّه الطاهرة البتول بذلك الحق المستحَق، علم القدر أنّك قد اعتصمت بالحق، وأنك لن تهويَ في ذلك الجرف، بل أنك ستختار الدرب الأشقّ، مهما بلغ بك الجنوح والسّرف.

ولكن، أيّان درب الجنة؟!

وكيف تهتدي إليها وقد تاهت عنك مواطئ الأسنّة، وزلّت قدمك فتحوّلت عن الصراط المستقيم، لتقود جيشًا يحتشد لقتال سيد شباب أهل الجنة؟!

بل كيف أرسلت وحيدك، «بكيرًا»، إلى شام يزيد، ليصطلي بحرّ الدنيا ويصارع أهلها بهمّته العليا، ويتصدّى لهم بقلبٍ عفيفٍ لم يضلّه عن السبيل حبُّ الدنيا ومتاعها الزهيد؛ … لقد واجه مثلما واجهتَ وقاوم كما تقاوم، وكان دينه في خطرٍ داهم، ولكنه خرج من كلّ هذا ليلتحق بك باحثًا عن الوالد العالِم، فلقيك حيث كنت واقفًا بين ذينك الطريقين، تدافع نفسك تارةً وأخرى تهاجم، حتى وصلتم كربلاء، وهناك انكشف الغطاء، وتقاطرت ملائكة السماء لنصرة أولاد الأنبياء، فانتفض كيانك المنكسر، وقهرتَ نفسك وانتصرتَ على كل ظالم، واتّفقتما على اختيار الطريق السالم.

وارتفع صوتك الحازم ليعلن للعالَم:

ـ إنّي أخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئًا، ولو قطّعت وحرّقت!

إيه أيها الحر، لقد كدت أن تهوي في عمق سقر، لولا أنّك وقفت حيث بلغت، وتداركت خطاك قبل أن تتعثّر وتزلّ أكثر، وخيّرت نفسك، بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منك ومن إمامك الذلّة، يأبى لكما الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حمية، ونفوسٌ أبية، لم تكن لتؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام…

يا ابن رياح، لقد دخلتَ معترك الرماح، فخرج قلبك سالمًا من الجراح، فما ضرّك أنّ جسمك مستباح، طالما أنك قد سلِمتَ وفلذة كبدك من شرّ طغمة البشر؟!

وعانق بكيرٌ أباه، وعانق الحرّ ولده، وقد وطّنا النفس على الفداء، ومضيا نحو معسكر الحسين، منكّسَي الطرف دامعَي العين، تلتهب الرمال تحت أقدامهما وتستعر، ويلتهب فؤادهما الخاطئ كجمرٍ يستعر، وقد توقّف الزمان عندهما ليرسم فوق رأسيهما جناح نورٍ مستتر، ويدوّي في وجدانهما صوت الحسين يمتزج بآي ذكرٍ تنهمر:

ـ ألا من ناصر؟!… “فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” [القمر: 15]؟!»

فيجيب الخفق ورقّ العشق، وحرّ الشوق يغالب النطق، ودمعٌ يعتصر:

ـ لبيك يا ابن رسول الله! … اللهمَّ إني روّعت قلوب أحبّائك، وأثمتُ وأغرقني الإثم، وأجرمتُ جرمًا لا يدانيه جرم، لقد خالفتُ ثمالة أوصيائك، والبقية الباقية من أنبيائك، وظننت أنّي قادرٌ على أن أنال الدنيا والآخرة معًا بطاعة خصمائك، وأني سأفلح في مسعاي دون أن تمسّني ببلائك، فوقفت موقفًا لا يقفه غير أعدائك، … ولكني رأيت الحق يلوح عند ذلك الفجر، ويطغى ذكره الوضّاح على كل ذكر، فما استطاع قلبي أن يتنكّر لذاك الأمر… لقد راجعت نفسي فتراجعت، وتبتُ إلى ربّي من شرّ ما صنعت، فهل تراني يا سيدي قد تأخّرت؟!

تتهاطل الدموع، ويتهاوى الحرّ في خضوع، هو الذي ما سجد إلا لبارئه، يسجد الساعة في خشوعٍ ما بعده خشوع، ويردّد فتجاوب أصداء صوته تلك الجموع، ولا يبالي:

ـ مولاي، هل ترى لي من توبة؟!

ويشقّ صدر البيداء صوت السماء، ويقبِل سيد الأحرار على الحرّ، وقد قرأ في سيمائه آيات الولاء، ولعل عينه الرؤوم دمعت لوقع ذاك الرجاء، فهبّ يرفعه ليغدق عليه العطاء:

ـ إن تبتَ تاب الله عليك!

رباه! … ما أوسع رحمتك وأشدّ عطفك ورأفتك، لقد سبقت رحمتك غضبك، إذ ليس بين سمائك وأرضك إلّا دعوة مؤمن أحبّك، وتوبةٌ نصوحٌ واهتداء.

ولقد شهد التاريخ بعدئذٍ، أنّ «الحرّ بن يزيد الرياحي»، شيخ بني رياحٍ وفارسهم، وقائد بني أمية الذي غرّرت به مجالسهم، حتى كاد يرد مواردهم ويقع في مصائدهم، قد تراجع عن موقفه، لمّا رأى الحقّ وعرفه، ولم يردعه عن التراجع خوفه من لوم اللائمين، وسخط الساخطين، ولا خشي على دنياه منهم، وهم أهل الدنيا الذين ملكوا زمامها واشتروا حطامها برفات ضمائرهم، ولا اهتمّ لمالٍ أو ولد، أو عزٍّ قد تلد، أو منصبٍ أو عشيرة، بل هو اختار بكل حزمٍ مصيره، فاعتمّ بعمامة الشهامة، وقرأ في سفر الآخرة ورد الزعامة؛ أن يكون مع حق الإمامة مهما كلّفه الأمر من غرامة، وأن يمضي في ذلك الطريق مرفوع الهامة موفور الكرامة، قد أدرك حقيقة السلامة، سلامة الدِّين والإيمان واليقين، فكان لولده قائدًا إلى الجنة، وكان ولده دليله إليها، فتكاملت بهما عدّة أصحاب اليمين، وتلاصقت المصائر وانكشفت البصائر، وغدا الحرّان الأبيّان قبلة القلوب والنواظر، ومضرب المثل في حسن التوبة، لكل خاطئٍ يبحث عن السبيل.

ولعلّ في شهادة الحرّ قبل سواه، كفّارةٌ له عن جرمه الذي افتراه، ولعمري فلقد كفّر وأسبغ، وأنفق ووزّع، لا مالًا وجاهًا من حطام الدنيا التي أنكرها، بل مصاديق إيمانٍ لا يتزعزع، حتى غدا مرقده الشريف المتنحّي عن مراقد الشهداء، دليلًا بيّنًا على موقعه المتميّز في عالم الفداء، فهو قد وصل إلى شفير الهاوية، ولكنّه لم يسقط، ليبقى أبد الدهر علامةً فارقةً في تاريخ الخطاة التائبين، وكلمةً مشرقةً في سجلّ المستغفرين، أنّ الأعمال بالخواتيم، وأنّ باب الله لا توصده الذنوب، بل الإصرار عليها، وأن الإنسان إنّما يولد حرًّا، فيستعبده هواه، حتى إذا استطاع أن يزكّي نفسه وأن يجاهدها، كان ذاك هو جهاده الأكبر الذي يبلغ به مناه، فيغدو فوق رمضاء كربلاء معفّرًا بدماء الشهادة، ويمسح الحسين على رأسه مباركًا توبته مردّدا لكل من تلاه:

ـ أنت الحرّ كما ولدتك أمك، حرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة.

إغلاق