أعلام وشخصيات

سيرة العلامة الراحل السيد عبد الله شرف الدين(*)

241-242

بقلم: القاضي الراحل الشيخ عبد الحميد الحر
“يوم الأحد ١٢ ربيع الأول افتقد المؤمنون في جبل عامل والأوساط العلميّة في لبنان وقمّ، والباحثون المهتمّون بالتاريخ الإسلامي وتراجم الأعلام والأنساب، عَلَماً بارزاً وباحثاً متتبّعاً في هذه المجالات، وهو العلّامة السيد عبد الله نجل المجتهد الأكبر السيد عبد الحسين شرف الدين. عن عمر يناهز الثالثة والتسعين قضاها في البحث والتدقيق والتوثيق والمشاركة الإجتماعية الفاعلة.

إنّ أسرة مجلة نور الإسلام إذ تتقدم بأحرّ التعازي من أسرته الكريمة ومحبّيه وعارفي فضله يشرّفها أن تنشر سيرة حياته التي خطّها له زميله القاضي المرحوم الشيخ عبد الحميد الحر.”

مولده ونشأته:

ولد السيد عبدالله في قرية شحور من أعمال صور ليلة ١٤ رمضان  سنة 1345هـ. وفي الثالثة من عمره انتقل مع أسرته إلى صور. وانتسب إلى كتّاب المرحوم السيد نور الدين الأخوي وكان أبرز مدرسة قديمة، بحيث أنّه كان يستقطب أطفال البلدة النابهين مع وجود مدرسة رسمية ذات مناهج حديثة. وقد أتقن في مدرسته الأولى مبادئ اللغة العربية، قراءة وكتابة وإملاء وختم القرآن الكريم على أستاذه تجويداً وترتيلاً.

وانتقل سنة 1357هـ إلى المدرسة الجعفرية التي أنشأها والده المقدس في تلك السنة، وتدرَّج في صفوفها النظامية ثلاث سنوات، مضيفاً إلى معلوماته الأولى مبادئ اللغة الفرنسية، والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا والحساب.

توجيهه وتوجّهه:

انتظم السيد عبد الله سنة 1360هـ في الدراسة على والده رضوان الله عليه، وكان منذ نشأته أثيراً لديه، يغذّيه ـ شأن إخوته بلبان التقوى والإيمان وقد أضاف إلى غذائه الروحي من جديد لبان العلم والمعرفة، من نحو وصرف وسطوح الفقه والأصول. وإلى جنب ذلك لقّنه الدروس التطبيقية، فشحنه بثروة فكرية وعلمية. وذلك بأن استكتبه المواضيع المهمة التي تدور عليها كتاباته ومؤلّفاته على مدى عدة سنين.

كان يملي عليه الموضوع، حتى إذا انتهى منه أمره بقراءته، وجعل يعيد فيه ويبدي، ويمحو ويكتب، يصحِّح وينقِّح، مرّة ومرّة، حتى إذا استوى لديه الأسلوب والمعنى ورضي عنه، عاد يمليه عليه مرّة أخيرة.

وقد أصاب بذلك السيد عبدالله حظاً عظيماً وفائدةً كبرى، إذ اختزن ما عند والده من التاريخ الإسلامي، ومواضيع الخلافة والإمامة، وتأويل متشابه القرآن، والسنّة النبوبة، والحديث الشريف وبكلمة موجزة، كانت الفترة التي لازم فيها السيد عبدالله والده المقدّس، أغنى دور في حياته العلمية بل أطول وأعرض فترة في تكوين شخصيته العملية.

صفاتة ومواهبه:

يطالعك السيد عبدالله، فتأخذك منه طلعة هاشمية بسِماتها وصفاتها، فهي تحكي مهابة العالِم الورع، وهمّة الشباب المتوقِّد.

يحدِّثك دون ملل منه أو من جلساته، وحديثه يجرّ حديثه، فينتقل من موضوع إلى موضوع، كأنّه يقرأ في كتاب، لأنَّ أحداث التاريخ حاضرة لديه، بشؤونها وشجونها، بعجرها وبجرها، بطرائفها ومآسيها، وسيرة الرجال على لسانه، يصوّرها ويفصِّلها، كأنّه شاهد عدل على أحداثها، أو كاتب بالعدل لتاريخها.

لا تعجب، فقد تكوّنت في صدره مكتبة عامرة بأنفَس الكتب وأنفعها، وتحوَّل فكره إلى مسجّل دقيق الالتقاط لا يترك شاردة ولا واردة إلا أحصاها، وله طاقة نادرة على اصطياد المفارقات والمواقف المذهلة من ممارسات الحاكمين باسم الإسلام، عبر العصور المظلمة والمضيئة على السواء.

وكذلك هو مع معاصريه، فربما غِبتَ عنه أربعين سنة تنقص أو تزيد، فيلقاك لقاء من فارقك ليلة أو ضحاها، فإذا استغربت ذلك، ردَّك إلى آخر لقاء معك بالزمان والمكان والمناسبة.

هجرته إلى قم:

ارتحل في ذي القعدة سنة 1373هـ لطلب العلم إلى إيران، واستقرّ في مدينة قم المقدّسة منضوياً إلى حوزتها العلمية، وكانت زاهية زاهرة في إبّان رياسة المرجع الأكبر، السيد حسين البروجردي رضوان الله عليه.

انخرط السيد عبد الله في هذه الحوزة العلمية الغنية برموزها وأساتذتها الذين كانوا في تلك الفترة يتوجهون إلى المرجعية العامة، وأبرزهم آيات الله السيد روح الله الخميني، والسيد كاظم شريعتمداري، والسيد محمد رضا الكلبايكاني ، هؤلاء القادة الذين أصبحوا مراجع هذا العصر مع آيات الله في النجف الأشرف.

التزم السيد عبد الله في قمّ بمجالس تلك الفئة المختارة التي تتربّع على قمة الهرم العلمي، ويعمل بتوجيه منهم، وينصرف إلى طلب العلم في كنفهم، وكان العلامة العربي الكبير الشيخ محمد الكرمي من أساتذة الحوزة ومدرِّسيها وقد لازمه السيد عبد الله ملازمة التلميذ لأستاذه يغرف من معينه طوال هجرته في قم، التي استمرت خمسة عشر عاماً.

رحلاته العلمية:

انقطع السيد عبد الله في قم إلى دراسته كما تقدَّم، وزيارة المكتبات الإسلامية في الشرقين الأقصى والأوسط، يعيش مع الكتب منقّباً وباحثاً، على مدى الخمس عثسرة سنة، حتى أصبح حجّة في التاريخ الإسلامي ومن المتخصّصين القلائل في سيرة الرجال وكتب التراجم، اختزاناً واستيعاباً، وتمرّساً في أديان ومذاهب أهل الكتاب.

ارتحل في سبيل ذلك إلى أمهات المكتبات، فزار مكتبات طهران، وعمد إلى إصفهان فزار بعض مكتباتها وتشرَّف مراراً بزيارة الإمام علي الرضا (ع) في مشهد خراسان، وقضى أيامه لدى كلّ زيارة في تلك المكتبة العظيمة التي تضمّ أنفَس الكتب الإسلامية وأندَر المخطوطات بخط كبار علماء السلف.

وارتحل إلى الهند فزار مكتبة (سالار جنك) في حيدر آباد الدكن، ومكتبة سيد العلماء والمتكلّمين السيد حامد حسين الهندي في لكهنو ومكتبة مدرسة الواعظين هناك أيضاً، ومكتبة راجه مدينة رامبور ومكتبة مدرسة الهادي في بنارس.

وارتحل إلى الباكستان، وزار مكتبة مدرسة جامع المنتظر في لاهور.

كما زار المكتبة الظاهرية في دمشق عدَّة مَرّات وزار مكتبات النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة والكاظمية وبغداد في كلِّ مرّة تشرّف فيها بزيارة العتبات المقدّسة في العراق.

وكان في لبنان يثابر على زيادة دور النشر في بيروت ومكتباتها الكبرى.

زواجه وعقبه:

تم زواجه في طهران من السيدة الماجدة مرضية ابنة الشيخ حسن الغروي وأمّها ابنة المرجع الكبير المقدّس السيد حسين القمي، وقد أنجب منها من الأولاد الذكور اثنين: محمداً وعلياً.

كتاباته ومؤلفاته:

عاد السيد عبد الله إلى لبنان سنة 1388هـ وانصرف إلى تتمّة ما بدأ فيه من مؤلفات في اختصاصه رغم اختياره قاضياً في المحاكم الشرعيّة اللبنانية في نفس السنة التي استقرّ فيها بعد عودته.

يكتب السيد عبدالله ببساطة الحق، وعفوية الصدق، يكتب كما يتكلّم، بلغة سهلة، وأسلوب مبسَّط، لا يتعمّد الإغراق في المبالغة في إنشائه، ولا يتعمّد موسيقى الكلمات في الجُمل، ولا الألحان في التعبير، وإنّما يكتب على سجيّته في جماع ما يكتب فغايته المعاني لا المباني، والأفكار لا الألفاظ.

بهذا الاسلوب كتب السيد عبد الله مؤلفاته التي بارى فيها كتب أكبر المؤلفين في تراجم الرجال، في هذا العصر، وفي العصور السالفة، وقد أنجز منها:

  •  «مع موسوعات رجال الشيعة» يقع في أربعة مجلدات. وهو مراجعة تدقيق وتمحيص لثلاث موسوعات مع ثمانية من كتب التراجم هي:
  • «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» للإمام المتتبع الشيخ آقا بزرك الطهراني (قدس سره)، وهو يقع في خمسة وعشرين جزءاً.
  • «طبقات أعلام الشيعة» له أيضاً، ويقع في عشرة أجزاء.
  • «أعيان الشيعة» للإمام الجليل السيد محسن الأمين (قدس سره)، ويقع في ستة وخمسين جزءاً.
  • «أمل الآمل» في علماء جبل عامل، للحر العاملي عليه الرحمة، وهو في جزأين.
  • «رجال النجاشي».
  • «شهداء الفضيلة» مجلد واحد للشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره).
  • «أنوار البدرين» في علماء الأحساء والقطيف والبحرين في جزء واحد،  للشيخ علي البلادي» عليه الرحمة.
  • «ماضي النجف وحاضرها» في ثلاثة أجزاء، للشيخ جعفر محبوبة عليه الرحمة.
  • «موارد الاتحاف» في نقباء الأشراف، في جزأين للسيد عبد الرزاق كمونة عليه الرحمة.
  • «منية الراغبين» في طبقات النسابين، في جزء واحد له أيضاً.
  • «الفوائد الرضوية» في علماء الإمامية، للشيخ عباس القمي عليه الرحمة، مجلّد في جزأين.
  • «معجم رجال الشيعة» وهو في تراجم رجال الشيعة من جميع الطبقات في مختلف العصور حتى الآن، وقد أنجز منه حتى الآن نحواً من ثلاثين مجلداً.
  •  «تتمة هذا الكتاب والحاشية عليه» وذلك بإلحاق النواقص منه، حيث توفي والده (قدس سره) وفي الكتاب شيء من النواقص، كما ذكر فيه عدّة ممن ولدوا بعد وفاته، وألحق في الكتاب أيضاً عدّة أشياء مهمة في أحوال عدّة من المترجمين.

أمّا الحاشية فقد ترجم فيها للأعلام من غير آل شرف الدين، ممّن وردت أسماؤهم في المتن.


(٭) من كتاب بُغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين (الجزء الثاني)، (تاريخ أجيال في تاريخ رجال ـ كتاب نَسَب تاريخ وتراجِم).

إغلاق