أخلاق

كيف نُسكِن عظمة الله في قلوبنا؟

241-242

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

 

إنّ من يتصفّح القرآن الكريم يلاحظ أنّه يتكلّم عن عظمة المخلوقات ليكشف عن عظمة الخالق.

فهو يعلّمنا كيف نجعل الكون مرآة جلال الله والقرآن باباً لتقديسه.

هذه الغاية لا تتحقَّق إلا بقراءة معها تفكّر، حتى لا تنفكَّ كلمات الكتاب العزيز عن معانيه فتقلّ فائدة التلاوة.

فالقرآن الكريم مرآة عالم الوجود من الذرّة إلى المجرّة، يدلّ عليه بما هو كاشف عن عظمة الله وقدرته، فيثبّت في الأرواح والقلوب أنَّ الله حاضر في كلِّ ما تراه العين.

والقرآن الكريم متعدِّد الجهات والآثار، فآثاره تختلف من الصغير إلى الكبير. وكذلك فهي تختلف من الجاحدين فيزيدهم بُعداً وقسوة، إلى المؤمنين فيزيدهم نوراً وقرباً.

قــال تعــالــى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” [الإسراء: 82].

والفارق بينهما هو في معرفة الله تعالى وإدراك عظمته، فالإنسان العادي إذا خالطت نفسه عظمة الله لا يعصي، والعالِم الذي قرأ الكثير ويعرف الكثير ولم تداخل نفسه عظمة الله فإنّه يسقط.

فميزانية العبودية هو العِلم بعظمة الله.

ولكن قال تعالى: ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” [فاطر:28].

 فمن هم هؤلاء العلماء؟

إنّه العالِم الذي سكنت معرفة الله في قلبه، فجعل الكون مرآة لجلال الله وعظمته، فكلّما علِم عن أسرار هذا الكون شيئاً زاده خشوعاً.

لذا فالهدف الأساس الذي ينبغي للعالِم أن يسعى للوصول إليه هو كيفيّة إسكان عظمة الله في النفوس والقلوب، وإلّا صار كالآلة المردِّدة للمعلومات دون تدبّر أو تأثّر.

هذه العظمة تمنع استعمال العِلم لأغراض دنيويّة زائلة، الأمر الذي يؤدّي إلى السقوط.

قال أمير المؤمنين (ع): «عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم»(1).

فالنفس التي تعظّم الله (عزّ وجل) لن تتجرأ على معصيته.

أمّا لو اقتصرت معرفة عظمة الله على الإدراك العقلي دون أن تترجم إذعاناً نفسياً، فإنّ العقل لن يستطيع الوقوف في وجه طغيان الهوى، والحؤول دون ارتكاب المعاصي.

خطوات لتكريس عظمة الله في النفوس:
  • خصِّص أوقاتاً للتفكُّر في عظمة الله وجلاله ولطفه.
  • اقرأ سيَر الأنبياء والأولياء (ع) ولاحِظ تربية الله لهم، وألطافه بهم، وتأمَّل في مظاهر رحمته وجلاله في سيَرهم.
  •  انظر إلى النبي الأعظم (ص) كمرآة لربوبية الله، وانظر إلى أمير المؤمنين (ع) كمرآة لقدرة الله، فإنَّ هذه القراءة لهما تقرّبك من الله (عزّ وجل).
معنى أنّهم (ع) أسماء الله:

هذه النظرة إلى النبي والإمام كمرآة لعظمة الله هي المراد بكونهم أسماء الله.

فالإسم هو ما يدلُّ على المسمّى، فهم مستغرقون في الدلالة على الله تعالى في جميع أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

فرسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) في كلِّ وجودهما أرادا الله تعالى، وكانا مستغرقين في الدلالة عليه، ولهذا كانا أعظم أسمائه.

لذا من المجحف أن تكون نظرتنا إليهما مجرَّدة عن الدلالة على الله، شأنها شأن نظرة العلماء الماديّين إلى دقائق الكون بمعزل عن كاشفيّتها عن قدرة الله جلَّ وعلا.

فمن رأى محمداً (ص) وعلياً (ع) ولم يرَ الله سبخانه وتعالى فهو لم يرَهما حقاً. فهما باب الله تعالى.

فقد روي عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): «فإنَّ رسول الله (ص) باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وسبيله الذي مَن سلكه وصل إلى الله (عزّ وجل) وكذلك كان أمير المؤمنين (ع) من بعده وجرى للأئمة (ع) واحداً بعد واحد»(2).

فمن لم يرَ منهما هذه البابية، فما الذي رآه منهما؟!

لذا لا بدَّ لنا من التفقّه في معاني هذه الأخبار، وأن نعيد النظر في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الأسباب والأبواب، من خلال التدبّر في كتاب الله وسيَر حججه على الخلق.


المراجع:

(1) نهج البلاغة؛ ج٢؛ ص ١٦١.

(2) الكليني؛ الكافي؛ج١؛ص١٩٨.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق