عقيدة

لماذا خلقنا الله؟ ولماذا يُحاسبنا بعد الموت؟

241-242

بقلم: الشيخ علي عيديبي(*)

 

أصول وفروع الدين:

إنّ الأصول السماويّة المسمّاة بأصول الدين هي أصلٌ من جهة الابتناء عليها، وهي أصل من جهة الاستدلال العقلي بها.

بخلاف الفقه المسمّى بعِلم الفروع، فإنّه شرعي نقلي لا يُتعدّى عليه ولا به (أي عن النص أو القول الشرعي الصادر منهم (ع)). وكلّ أصل من الأصول (أي أصول الدين) يستدعي غيره.

والفقه ما كان ليكون لولا الواحد الأحد، المُرسِل للرسول. وهذا الرسول الصادق عن الله (عزّ وجل) نصَّ على أداة الأخذ منه وعنه، وهم المعصومون، لأنّ هناك حياةٌ بعد الموت وفيها عدل ربانيٌّ يعطي كلّ ذي حق حقه.

فإذاً الأصول تستدعي بعضها، لأنَّ المشرِّع واحدٌ أحد، فيتَّحد في ديننا وعقائدنا المشرِّع والخالق. فهو الذي خلق كلّ شيء، وهو الذي شرَّع كلّ شيء، والعقل يلزم أن هذا الخالق يبيِّن لنا أضرار ومنافع المخلوقات. إذ لا يليق بالخالق أن لا يبيِّن لهم المفيد والمضر، هذا البيان قد فصّله في الشريعة والأحكام والفقه.

ولتتّضح الفكرة نقول: نحن قائلون بحصريّة التشريع بالله تعالى، لأنّه سبحانه الخالق الأحد، خلق الأشياء كلها، وفيها مضار نجهلها ومنافع لا نعرفها، ونحن في هذا الكون الواسع نعيش معها وبينها، فمن كرمه وعدله ولطفه سبحانه وتعالى أن يبيّن لنا ما أودع في خلقه، فيقول: يا أيّها العباد هذا مضرٌّ فهو حرام، وهذا لا يسُتغنى عنه فهو واجب، وهذا ضرره غير إلزامي الترك فهو مكروه، وهذا نفعه غير إلزامي الفعل فهو مستحب، وهذا لك الخيار فيه فعلاً وتركاً.

التوحيد صفة:

التوحيد صفة تستدعي غيرها من الصفات الكريمات لله (عزّ وجل)، فكيف  ذلك؟

لأنّه تعالى يُعبَّر عنه بواجب الوجود، وهذا الواجب يختلُّ نظام الكون لو قلنا بعدمه، فلا غيره ولا سواه بالقوة والعلم والهيمنة والجبروت والقدرة المطلقة، وكل صفاته مطلقة، ويسمّى هذا بالغنى المطلق.

فقد ورد في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” [فاطر: 15].

أي أنتم الفقراء إلى الله لأنكم «ممكنو الوجود»، والله هو الغني بذاته وهو العالم والقادر المطلق الذي يبيِّن لكم ما يفيدكم وما يضرّكم.

كيف يبيِّن لنا المولى (عزّ وجل) أضرار الكائنات ومنافعها؟

أولاً: عبر الوحي، وهو وسيلة الاتصال والتعريف بينه وبيننا، فهو يرسل رسولاً يبيِّن لنا أمورنا.

فالتوحيد أثبت الرسالة، والرسالة سفارةٌ من السماء عن الله (عزّ وجل). فالرسول سفيرُ الله إلينا، يعرِّفنا مُراده ويكشف لنا ما يُطلب منّا. فإذا كان من حق الله (عزّ وجل) علينا أن نطيعه، أي أن نأتي بما يحبّ ونجتنب ما يكره، فكيف لنا أن نعرف ما يحب وما يكره وحدنا، ونحن الجهلاء والفقراء إليه (عزّ وجل)؟

أفيحقّ له أن يطالبنا بالإطاعة ويعاتبنا بعدم الإطاعة ويحاسبنا على العصيان والمخالفة ونحن لا نعرف كيف نطيعه؟

لذلك عرّفنا سبحانه كيف نطيعه، وعرّفنا بما أَحبّ، من الواجبات والمستحبّات وعرّفنا ما يَكره من المحرّمات والمكروهات من خلال النبي (ص).

هذه الرسالة تستدعي قيِّماً على الدين وامتداداً لها وهي الإمامة.

ويبقى لدينا أصل المعاد، ونعني بالمعاد حياةُ ما بعد الموت بحسابٍ وثوابٍ وعقابٍ.

فأمّا الحياة ما بعد الموت فنثبتها بالعقل، والمثال يأتي بسيطاً:

تخيّلوا أن كريماً، غنياً، عادلاً استضافنا ووجَّه إليها دعوة، فقبلناها، وجئنا إليه، فأضافنا وأكرمنا وأنعَم علينا، وأطعمنا لإمتاعنا حتى نأنس، وآوانا ثم سقانا شراباً كان فيه هلاكنا وموتنا، فماذا نحكم عليه بعقولنا؟

نقول إمّا ظالم وإمّا جاهل أنّ الشراب مميت، فيحقّ لنا أن نعترض لنقول لِمَ دعوتنا لتهلكنا؟

فإمّا أنّه تعمَّد ذلك، فهذا ظلم منه وتعدٍّ، وإمّا أنّه لم يكن يدري بأنّ هذا الطعام أو الشراب قاتل، وهذا جهل.

وهذان الوجهان لا يجوزان على الواحد الأحد.

فالظالِم هو الذي يبخسك حقك، والذي يتعدّى عليك، إمّا لأنّه جاهل بأنّ ما فعله ظلم، وإمّا لأنّه عاجزٌ عن إعطائك الحق. وكذلك العابث، الذي يتعامل عبثاً ولا مصلحة له في أفعاله، فهو متعمِّد للشهوة بالأذية.

وهذه الصفات يتنزَّه عنها ربنا (عزَّ وجلَّ)، فلا ظلم لديه ولا عبث في أفعاله ولا جهل عنده.

نحن جئنا إلى الدنيا، تنشّقنا هواءً، وأكلنا غذاءً، وشربنا ماءً، وتمتّعنا وأمتعنا، وعشنا دهراً نسمع ونرى ونبصر في هذا الكون بقدرة ربٍ خلقنا فيه، وخلقه لنا، فإذا بنا بعد فترةٍ يكون فناؤنا، فإذا كنّا نعتبر الموت فناءً فنكون بذلك أوقعنا ربنا في الظلم وأوقعناه في الجهل، وهذا ليس فِعل الكرام.

إنَّ إثبات الحياة بعد الموت مسألة عقلية، وقد أشار القرآن الكريم إلى لطافة هذا المعنى، فكما أنّ الحياة مخلوقة فالموت مخلوقٌ أيضاً، وهو ليس فناءً عند المسلمين بل بعبارة أخرى هو ـ كما الدنيا ـ  نوع حياة أرقى، واليها أشار القرآن الكريم: “خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ “[الملك: 2].

فالموت ليس انعداماً، بل هي الدنيا تلدنا من رحمها إلى عالم أوسع وفضاء أرحب كما ولدتنا أمهاتنا من الرحم الضيق إلى عالمٍ أوسع، فهذا العالم على سِعته ضيّقٌ.

لا ينكر عاقلٌ بأنّنا كنّا يوماً من الأيام نعيش في ظلمات عدَّة وأولّها عالم الرحم، حيث الحياة متدنّية جداً؛ ففيها النمو وقد لا يكون فيها الإحساس، هذه حياة بسيطة قليلة حيث لا نسمع ولا نبصر ولا نعبِّر، ولكنّنا كنّا أحياء فيها. ولقد أخرجنا من هذه الحياة المظلمة علينا ـ أي حياة الرحم ـ إلى دنيا ازدادت أصناف الحياة فيها، فصرنا نبصر بالعيون ونسمع بالآذان ونتحسَّس ونعبِّر، لكن ما زلنا قاصرين لا نرى ما وراء الجدار حيث يمنعنا المكان، ولا ما يأتينا غداً حيث يمنعنا الزمان، لا نميِّز بين الأضرار والمنافع ولا نتمكّن من دفع الآلام عنّا، فهذه الدنيا أيضاً هي حياة صغيرة نعيش فيها، إلا أن ظلمةً من ظلمات الحياة التي كنّا فيها في عالم الأرحام ارتفعت، ولم ترتفع كلّ الظلمات عنّا، فما زلنا قاصرين. هي حياةٌ خير تعبيرٍ عنها أنّها دنيا، فهي عبارة عن نمو وشيء من الإحساس، وشيء من القدرة، ففي هذه الدنيا نبكي على غيرنا ويبكي غيرنا علينا، كما أنها مليئة بالآلام والإنزعاج، أفهذه هي الحياة وتنتهي؟

كلا، فإنّ الحياة المنغّصة التي تنتهي بألم ليست بحياة.

نأتي إلى قول تعالى: “وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” [العنكبوت: 64]، هنا تأتي كلمة الحيوان على وزن « فعلان» (وزن من أوزان المصدر يدلّ على الحركة الدائمة التي لا تنتهي)، فّتُفَسَّر الآية على أنَّ الآخرة حياةُ بعد حياةٍ بعد حياة ولا موت فيها، فالحياة التي وضعها ربنا القادر لا يجوز أن تنتهي، وهي دائمة مؤبّدة مستجدّة.

وربما نتساءل: لماذا أوجَدنا ربّنا في هذه الدنيا؟ أليَفنيَنا؟

إلّا أنَّ الآية الكريمة تجيب: “خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”[الملك: 2]، إذ إنّنا خُلقنا كاختبار وامتحان لإثبات الرقي إلى ذلك العالم الموصوف بالحيوان أي الحياة التي لا تنتهي، فلا ألم ولا بكاء ولا عناء فيه، وهو يعطي صورة عن قدرة ورحمة الله الواحد حيث ننعم بحياة لا انقطاع فيها. فالحياة بعد الموت ضرورة،  وإلا بطلت قوانين الدنيا كلّها، فالله لم يخلقنا عبثاً ولا عجزاً ولا ظلماً.

إذاً إنّ واحداً أحداً خلقنا في دنيانا، وأرسل الينا رسولاً، وعيّن إماماً، وأماتنا في مرحلة انتقال ثم أحيانا ليحاسبنا, فكيف يحاسبنا وبأي قانون؟ أهناك من نظام معين؟ وهل يمكن أن يضع المؤمنين به في النار والجاحدين به في أعلى الجنان؟

نحن نسمّى بالعقلية، والقصد منها أنّ ما يفرضه العقل والعقلاء هو ما فطرنا الله عليه وطالبنا بالعمل به، أي أنّ الرب الواحد الأحد هو أوجد عقولنا، وفطرها على قانون منسجم مع هذا الكون،ولهذا العقل قوانين لا تتخلف منذ آدم إلى يوم الدين (مثاله: التوازي في الخطين، الكل أكبر من الجزء، والنِسّب بين الأشياء..)، ولولا هذه القوانين لاختلّ نظام الكون.

فبهذا القانون العقلي تُدار الأكوان، ونُحاسَب، مرتكزاً على أساس حُسن العدل وقُبح الظلم.أمّا حُسن العدل فلأنه مفطور عليه العقلاء، وهو إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه. وأمّا قبح الظلم  فلِما ذكرناه من أنّ الظلم مردّه إلى العجز والجهل والعبث وهذا لا يُنسب إلى الله تعالى.

وهو بذلك يحاسبنا بإعطاء كل ذي حقٍّ حقّه.

فقد جاء في كتابه الكريم: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ” [الزلزلة: 7].

فإنّ ربنا يحاسبنا بالقانون الذي أوجدنا فيه، فطلب منّا أن نحكّم عقولنا ونؤمن بنبيّه (ص) بعقولنا، وعاتبنا بعقولنا. فهو بهذا القانون يعاتبنا في دنياه ويحاسبنا في أخراه.

فالعدل صفة من صفات الواحد (عزّ وجل)، وقد أثبت أن العدل من أصول الدين، فأمهات أصول ديننا خمسٌ: توحيدٌ وما يستتبعه، ونبوةٌ وما يلزمها، وإمامةٌ وما تفرضه، وعدلٌ وما يتطلّبه، ومعادٌ بعد الموت.


المراجع:

(٭) من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين (ع) في ويندزور ـ كندا.

(1)  الكليني؛ الكافي؛ ج١؛ ص٢٩٥.

إغلاق