آفاق معرفية

الحربُ بلا سلاح

241-242

بقلم: حسن العاملي(*)

 

يصف التاريخُ أنّ في الحروبِ كرٌّ وفرّ وهزائمٌ وانتصارات، سيوفُها تلمع ومدافعُها تلعلع وقذائفُها تحرق.

هي الحروبُ المشؤومةُ تحتاجُ إلى جيوش وسلاح وتخطيط وتدريب ويقظة واستنفار، ثمّ إلى إعلان وميدان.

هناك حربٌ أخرى بلا سلاح، لا تعرف الإستسلام ولا يحدّها زمانٌ ولا مكان. هي حربٌ طوعيةٌ، حربُ الذاتِ مع الذات. سيفُها لا يجرح وصوتُها لا يقعقع، لا يدخل فيها أحدٌ ولا تطالُ احداً. هي بركانٌ ينفجر داخل الذات، يفتحُ الآفاق، ويطهِّرُ النفوسَ ويستنفر الهمم، فيولِّد التسامي. هكذا يفعل الطيرُ حينما يغتسل في الماء، ثم ينفضُ ريشَه في الهواء ويحلِّقُ في الفضاء.

كيفَ لا، وهي حربٌ مجّانيّةٌ لا تكلِّف جهوداً ولا أموال، بل تحتاج إلى إرادة أقوى وإيمان أعمق وحساب أدقّ وسلاح أمضى. هي حربٌ تأتي بالمعجزات، تفتحُ أبواباً للسعادةِ والفرح، تذيبُ الاحزانَ وتلطِّفُ المزاج وتبعدُ المشاكل.

ثمّ ماذا؟

مثلما ينبعُ الماءُ من الينبوعِ وهو صافٍ، ثمّ يتعكّر في مجرى النهر، كذلك تولد الذاتُ صافيةً نقيةً كبراءةِ الأطفال. لكنّ الانخراط في صراعِ الحياةِ اليوميةِ يعرِّضُ الإنسانَ إلى مواقفَ فيها فعلٌ وردُّ فعلٍ، تحفّزُ الطمعَ وحبَّ الذاتِ، أو الحسدَ والكبرياء، ثمّ توقعه في أمواجٍ من التعصُّب والغضب والشك والخوف، فحزنٌ وألم.

أولُ سلاح:

التحلّي بالحلمِ والتواضعِ والتعالي عن صغائرِ الأمور. التواضعُ يطفيءُ الغضبَ والأنانيّةَ والشرورَ ولا يحتاجُ إلى جهدٍ ولا إلى تمرين. ليس فيه ما يؤسَفُ عليه، وهو يرخي العضلات ويزيلُ التوتر ويصفّي الذهن. هو شفّافٌ، وسيماهم في وجوهِهم.

“وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا” [الفرقان: 36].

كذلك، قال الشاعرُ:

تواضع تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ          على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ

ولا تكُ كالدخّان يرفع نفسه            إلى طبقات الجوّ وهو وضيع

ثمّ أولاً التسرُّع آفةٌ أولها حلاوة وآخرها ندامة، فالتسرُّع يعمي البصر ويخلق المشاكل. من تسرّع قال: يا ليت، ومن تأنّى نال ما تمنى. لتجنّب التسرع نبادر إلى أيّةِ حركةٍ تربكُ الجسمَ وتشغله، مثل إشباك اليدين، وهما مقلوبتان.

يقظةُ الروحِ بعد ولادتها:

مثلما تُنظّف الأجسام، والملابسُ تُغسل، والوجهُ يعطّر، والأزهارُ تنتظرُ سقوطَ المطر، كذلك تحتاجُ النفوس إلى تطهيرها من اختلافِ الرغبات ومتطلبات الجسد، لتجابه متغيّرات الحياة وتأرجح العلاقات مع الآخرين. تلك اليقظةُ تنشأ عند الإسترخاء ونبذ الأنانيةِ والابتعاد عن الشرور والنظر إلى الأمور بعينٍ مجرّدة.

منْ يقبل أنْ تتجعّد ملابسه بعد غسلها؟ أو تُلطّخ جدرانُ بيتهِ بعد طليها؟ أو تتوسخ صحونُ مطبخهِ بعد غسلها؟ هكذا هي الروح بعد ولادتها.

لعبور البحارِ، يحتاج المسافرُ إلى سفينةٍ قويةٍ وزورقٍ للنجاة، وبوصلةٍ تصحِّحُ المسار، وضوءٍ يكشف الأمواج. كذلك هي الإرادةُ التي تمدّنا بالطاقةِ وتكشفُ لنا الطريق. كما تشحنُ البطاريةُ، فيرتفع جهدها الكهربائي، ثمّ يضيء المصباح.

الفكرةُ أداةٌ ورأسمال:

بحافزٍ من الحاجةِ وتسهيلِ شؤون الحياةِ، ولدت جميع الإختراعات والإكتشافات من أفكار مسبقة وخيالٍ واسع. في البدء، تنطلقُ الفكرةُ، فترسمُ حلاً افتراضياً لمشكلةٍ أو للتغلُّبِ على نقصٍ في الصناعةِ، أو الإنشاءات. ثم يأتي بعد ذلك من يحولها إلى واقعٍ ملموسٍ لسدِّ ذلك الفراغ. الفكرةُ هي أيضاً رأسمال مجاني يغني عن بذلِ جهوٍد إضافية أو صرفِ أموال طائلة. القاعدة العامّة لإطلاقِ الفكرةِ، هي النظرُ إليها بهدوءٍ ومن مكانٍ بعيد. كلّما اقتربنا من المشكلةِ، لفّتنا بلهيبها ولجمت أفكارنا. فالتأمُّل بعيداً عن التوترِ يفتحُ منجماً في الفكرِ ويصفّي الذهن ويوضح الرؤيا.

ماذا لو؟ هذا السؤال هو مفتاحٌ للتأملِ وخلقِ فكرةٍ محفزةٍ ذات فائدةٍ. مثل:

ماذا لو استخدمنا حركةَ أمواج البحر لإنتاج طاقة كهربائية؟ ماذا لو أرسلنا الطاقةَ الكهربائيةَ من مصدرها إلى المستهلكِ بأمواج عبرَ الأثيرِ، كما يلتقطُ التلفزيون أمواجَ الصور؟ ماذا لو أنزلنا الماءَ بأنبوبٍ إلى تحت الارضِ، فيرجعُ إلينا حاراً في الشتاءِ وبارداً في الصيف؟ ماذا لو جدَّدنا شبابَ الإنسانِ وأطلقنا حيويّته، بلا دواء، بلْ بأبيات من شاعر يتحدّى الشيخوخةَ وأرذلَ العمر؟ ربما حاولَ بعضُهم ذلك!

من يملك تلك المفكرة؟

إنّها ليست مفكرة عادية لتسجيل أحداث الأيامِ وشؤونها. إنّها مفكرةٌ متحرِّرةٌ من تسلسلِ الزمن والأيام. هي ميدانُ حربٍ لصّدِ مخاوفِنا وإبعادِ مشاكلنا والتحكّم بها، ولو كانت صعبة، لتحقق رغباتنا وطموحاتنا. هي وسيلةٌ لتخطي العقبات ونيلِ الأماني، بلا سلاح. كلُّ ورقةٍ منها تتابعُ أمنيةً أو مطلباً. مثل: تخفيض الوزنِ أو صيانة البيتِ، وغيرها. ومنها كيف تصبحُ غنياً؟

ـ واحدٌ من الفقراءِ، يعمل بأجرٍ يومي، لكنّه يريدُ أنْ يصبح غنياً! فمن كلِّ دولارٍ يكسبه، يقتطع (10%) ويحتفظ به جانباً. وبتراكم العشراتِ يوظفها في أعمال بسيطةٍ، وهكذا يتضاعف رأسماله، فيحصل على ما يتمنّى.

ـ ولِمنْ يتمنّى أنْ يمتلك سيارةً، وهو لا يملك ثمنها. يضع لها صورةً في مفكرتِه، وفي كلِّ يومٍ يقلِّب صفحاتها، فتظهرُ أمامه، حتى يحصل عليها!

ـ وللأسئلةِ المبهمةِ صفحاتٌ تنتظر أجوبةً، مثل: لماذا للأسبوعِ سبعةُ أيام؟ ولماذا تحمل السلحفاةُ بيتَها على ظهرِها؟ ولماذا تُقاس الدائرةُ ب 360 درجة؟ ولماذا للإنسانِ دماغٌ واحدٌ وقلبٌ واحدٌ ولسانٌ واحدٌ وكبدٌ واحدٌ؟ بينما له عينانِ وأذنانِ ورئتانِ وكليتانِ ويدانِ ورجلانِ؟ ولماذا لا ينفذ ماءُ البحرِ إلى الأعماقِ، علماً أنّ قاعه هشةٌ ومفروشةٌ بالطينِ والرمال؟

وهكذ، فلكلِّ أمنيةٍ صفحةٌ، وعند تقليب تلك الصفحاتِ نتعايش مع أمانينا، فلا تصدمنا مفاجأةٌ، ونتجنّب الضرر، مثل الوقوعِ في دَينٍ أو مطالبة. هذه المفكرةُ ليست لتنظيمِ المقابلات والإجتماعات، بل هي شاهدٌ على أفعالِنا وتراقبُ تصرفاتنا، هي محكمةٌ تأمر وحاكمٌ  ينفذ.

فالمفكرةُ في حياتنا مثل قنديلٍ يضيءُ في الظلام.

في الليلِ والنهار:

– كلُّ شيءٍ في الكونِ والحياةِ يتغّير، ولا يبقى إلّا وجهُ ربك ذو الجلالِ وإلاكرام. السعادةُ والفرحُ يأتيان من داخلِ الإنسان. وكلُّ إنسانٍ مميزٌ وهو طبيبً نفسِه، يفهمُ أدقَّ شؤونِها ويعرفُ ماذا يريد.

كلّ من سار على الدربِ وصل. ولا تؤجل عملَ اليومِ إلى غدٍ. والزمنُ إنْ لمْ تقطعه قطعك. هذه من الأمثال الكثيرة التي تداولها الناسُ بمرور الزمن. بعضهم قال: من الأفضل لمن يخيّر، أنْ يقول (لا) بدلاً من (نعم)، إنْ لمْ تكن هناك ضرورةٌ لقول (نعم). لأنّ من يقول (لا) يمكنه أنْ يقول (نعم)ِ لاحقاً. أمّا من يقول (نعم) فلا يمكنه أنْ يتراجع ب (لا). وفي الحالتينِ،  يرجع القرارُ إلى صاحبِ الخيار.

لمْ تترك الحياةُ أحداً إلّا وعرّضته لأخطاءٍ وسهوات أو زلّةِ لسانٍ أو فعلِ ندم. تلك التجارب المريرة، هي دروسٌ لتوسيعِ المعرفةِ وزيادةِ الإطلاع. وهي أيضاً بوصلةُ إرشادٍ تكشفُ لنا طرقَ حياتِنا. رغم ذلك، فلكلِّ موجةٍ من الإحباطِ والندمِ والحزن والخوفِ والاستهزاءِ والغضبِ واليأسِ والمرضِ، مَخرجٌ يريحُ النفوس.

عند الإحباط: لم لا، نتوقّع الأسوأ سلفاً لتجنّب الإحباط. فالبستاني مثلاً، يتوقّع وجودَ أفعى بين الأشجار، والذي يشتري مزهريةَ زجاجٍ يتوقّع أنّها ستكسر، والذي يطلب خدمةً من صديقه يتوقّع منه الإعتذار.

بهذه المناسبةِ ذكر أحدهم أنّ لدى أرملةٍ مستورةٍ قليلٌ من المال يكفيها. سألت نفسَها مرةً، ماذا لو اضطرّت يوماً للإستدانة من أحدٍ؟ فذهبت لتجرّب أقرباءها ومعارفها. لكنّها افترضت سلفاً أنّها سوف لا تجد من يلبّي طلبها. وهذا ما حدث، فلم يتجاوب أحدٌ معها، فرجعت، ولمْ تُفاجأ ولمْ تبتئس. هل يُفاجأ من لا يأكل لحماً وهو في وليمة ليس فيها لحوم؟

عند الخوف: نتذكر أولاً أنّ الله سبحانه وتعالى، هو الذي يديرُ الكونَ ويدهُ فوقَ أيديهم. الشكُّ أخو الخوفِ وكلاهما ينشأ من سوءٍ نجهله، ونتوقّع حدوثه، في الوقتِ الذي لا تتوفّر لدينا وسائل لصدِّه. فلماذا لا نواجه الخوفَ ونفترض أنّه قد وقع فعلاً، فنأخذ الحيطةَ والحذر.

فإذا كان الميتُ لا يموت، والمفلسُ لا يفلس، والساقطُ لا يسقط، والمالحُ لا يُملّح، والحلوُ لا يُحلّى، والغريقُ لا يبلّله المطر. فلماذا لا نُجرِّب الإفلاسَ يوماً، حتى لا نُفلِس، أو العري، حتى لا نعرّى؟ ولماذا لا نبعدُ أسباب ذلك المرض، الذي نخافُ منه؟

الرمادُ سلاحٌ

الرمادُ لا يحترق. فهو خفيفُ الوزنِ لا يحترق، يوضع بين الأشجارِ لمنعِ الحريق. نظيفٌ لا تدنو منه الجراثيم وتخافه الأفاعي. كما أنّه يوقف النزيف ويعقّمُ الجروحَ بدلاً عن اليود. تُغسل به الصحونُ بدلاً عن الصابون. من يُدخِن السيجارة، يرتاح لشفافيةِ رمادِها. ومثله أيضاً، الطينُ، وهو من ترسّباتِ الأنهار. نظيفٌ لا تدنو منه الجراثيم، وتخافه الأفاعي ويُستعمل كفخّارٍ وبورسلين. تُغسل به الصحونُ بدلاً عن الصابون. بعضهم يطلي به جسمَه لتنظيفه من الجراثيم. وهكذا، فالصفةُ السلبيّةُ تمنعُ مفعولَ فعل الفاعلِ. وكما قيل: وداوِني بالتي كانت هي الداءُ.

عند الندم: من وقع في ندامةٍ ترافقه ذيولُها بين الحين والآخر. فبدلاً من الأسفِ والتوجّعِ لم لا نأخذ من الندمِ معياراً لاتخاذِ القراراتِ السليمةِ والتصرّف اللائق في المستقبل تجنّباً للندم؟ أحدُهم كان يضع تمثالاّ بشعاً على طاولتهِ، يذكِّره بتجنّب الندم.

عند الحزن: مهما كان الحزن شديداً والألمُ موجعاً، يزول حينما نتذكر معاناة السيدةِ زينب (ع). لمْ يروِ تاريخُ البشريةِ، أنّ امرأةً شاهدت ما شاهدته زينب (ع)، يومَ الطفِ في كربلاء. ولمْ نسمع أنّ امرأةً عانت ما عانته زينب (ع)، وكيف تحمّلت الظلمَ والغطرسةَ، وهي تحافظُ على الأطفالِ والنساءِ والمرضى، وتُساقُ بهم تحت القهرِ لأسابيع عبرَ الصحراء. هي مقدسةٌ يزور ضريحَها الملايين، والذين ظلموها يلعنهم الملايين.

وللحزينِ مقولةٌ أخرى: «زوروا القبور تنفرجُ الصدور».

عند الغضب: العصبية تطلقُ طاقةً في الجسم، لكنّها لا تجد لها مخرجاً، فتضايق المزاج. فلم لا نتّجه لإنجازِ عملٍ مؤجّل، أو ممارسة هوايةٍ مفضلةٍ، أو قراءة كتابٍ أو المشي في الهواءِ الطلق؟ ولمن ينقل لنا وشايةً، نقول له: «ظُنّ خيراً، ولا تسأل عن الخبر». ولمن يحاول إزعاجنا، نتذكر أنّ: «من لا يستطيع صيدَ النسورِ، يحاول صيدَ الطيور». وفي جميع الأحوال، يوجد في كلِّ بيتٍ سلةٌ للمهملات، نرمي فيها الفضلات. بعضهم، حين يذهب للجدالِ والمناقشات، بدلاً عن الحوار، يحملُ في جيبه سلةً للمهملات.

عند الإستفزاز: في الإستفزاز إمتحانٌ للقدرةٍ على ضبطِ الأعصابِ ولجمِ الغضب. حينما يستفزّنا أحدٌ بهجومٍ لا مبرِّر له، ونردُّ عليه: «بالصاع صاعين»، يكون هو قد نجحَ فعلاً في استدراجنا. وإنْ لمْ نرد، يكون هو قد خسِر «الصاع صاعين»، فنقول له سلاماً، مع ابتسامةٍ صفراء.

“خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” [الأعراف:199].

عندَ الغضب: يترافق الغضب دائماً مع الخطر، وهو مفتاحٌ للتهورِ والندم، إنْ لمْ تدفعه دفعك. فكلمةٌ خاطئةٌ، تسبِّبُ جرحاً لا يلتئم، وصفعةٌ واحدةٌ تسبِّبُ حرباً مدمِّرةً. إنْ وقع الغضبُ، فلنتذكر سلفاً نتائجَه الكريهة.

عندَ اليأسِ ـ لا حولَ ولا:  حينما يسقطُ سلاحُ المقاتلِ في المعركةِ، فإنّه سيتقهقر وينهزم. أمّا من كانت حربهُ بلا سلاحٍ، فيصمد ويظل يتأمل، ويقول لا حولَ ولا.

من يُخرِج ذلك السجينِ المُكبّل داخلَ زنزانةٍ مغلقةٍ، وفي قلعةٍ مغلقةٍ، داخلَ جزيرةٍ في وسطِ البحر؟ من يعطيه جناحين ليخرق بهما تلك الأسوار، فيطيرُ ويعلو إلى السماء؟ إذا كان ذلك السجينُ يتأمَّل ويتسامى داخلَ تلك الأسوار المحصَّنة، فكيف يكون نشاطهُ في ميدانِ الحياةِ وهو حرٌ طليق؟

المرضُ عرضٌ وفرج:

رُبَّ ضارةٍ نافعة. مثلما يكون للحزنِ والألمِ والمعاناةِ، إيجابياتٌ، رغمَ مرارتِها. كذلك يكون المرضُ فرجاً، وإنذاراً، ونعمة، لإخراجِ علّةٍ كامنةٍ في البدن.

الحائطُ الذي ينفطر لا يخيف، لأنّه أزالَ خللاً فيه، ثمّ أخذ وضعاً جديداً واستقر. والبنايةُ التي تشقَّقت، أزالت خللاً فيها، ثمّ أخذت وضعاً جديداً واستقرّت.

هذه الظاهرةُ معروفةٌ في إلانشاءاتِ باسم “settlement”. فالمرضُ هو بشارةُ فرحٍ وفرجٍ لإخراجِ علّةٍ ما في البدن. مقابل هذه الخدمة التي يمنحُها المرضُ لنا، نقدِّمُ له آلامَ البدنِ وتعكُّر المزاج، ونساعده في تقصّي أسباب الخلل. فليفرحْ كلُّ مريضٍ وهو ينتظرُ إخراجَ علّته والشفاء منها. فلنسأل: أيّهما أفضل؟ بقاءُ العلةِ في البدن، أم أن يخرجها المرضُ؟

“وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ” [النحل: 18].

من المعاناةِ يخرجُ الفرح:

قليلٌ من الناسِ ممَّن عصف به الزمنُ وطحنته الأيامُ وعصرته الأحداثُ وآلمته الأشواكُ، فأصبح وحيداً بلا معين، وغريباً لا يحسبُ له حساب. من هذه المعاناة يخرجُ فجأة فرحٌ غامرٌ ويقظةٌ روحيةٌ، فيها نورٌ وسعادةٌ لا توصف. هذا الفرحُ هو هبةٌ من نِعَمِ الله يعوضُها عن تلك المعاناة. فرُبّ ضارةٍ نافعة.

مثلُ تلك الشجرةُ البريةُ، هي أصلبُ عوداً وأطولُ عمراً، ثمرُها أقلُّ حلاوةً، فلا تهاجمها الحشرات. على نقيضِ ذلك، شجرةُ البستانِ، فهي أطرى عوداً وأقصرُ عمراً، ثمرُها أكثرُ حلاوةً، فتهاجمها الحشرات. مَنْ لمْ يُجرِّب المعاناة، فلينظر، كيف يُطحنُ الفحمُ، في باطنِ الأرض، وينضغطُ بحرارةٍ عاليةٍ ، فيصبح بلورةً شفافةً، هي الماس. هذا الماسُ، نقيٌّ، طاهرٌ، لا تدنو منه الجراثيم، وتخافه الأفاعي. يُدخِلُ الفرحَ إلى النفوسِ، وتتزيّن به النساءُ، ويضعه الملوكُ على تيجانِهم.

“وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” [الذاريات: 20 ـ 21].

جميعنا كنّا أطفالاً بلا سلاح ولمّا كبرنا أصبح سلاحُنا هو الحربُ بلا سلاح.


(٭) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق