أحيوا أمرنا

الزهراء (ع) : سيدة نساء العالمين

مناسبات /242-241

بقلم: د. رضا سعادة

 

للناس منازل عند الله، في الدنيا وفي الآخرة، تبعاً لما يقومون به من الأعمال، أو يتمتّعون به من المزايا والقِيَم؛ هذا بالنسبة لعامة الخَلْق، أما الأنبياء، والرسل، والأئمة، والأولياء الصالحون، فمقاماتهم يحدّدها الله رب العالمين.

هكذا تبوّأت السيدة فاطمة الزهراء (ع)، كريمة النبي الأعظم والرسول الأكرم محمد (ص)، أربعة منازل عالية قبل أن تتكلّم أو تتصرّف:

1 ـ المنزلة العالية الأولى، أنها بنت محمد (ص)، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ” [التوبة: 33]؛ وهو القائل: «من أغضب فاطمة فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله»(1).

2 ـ المنزلة الثانية، أنها أمُّ أبيها، كما كان يحلو لرسول الله (ص) أن يسمّيها، بسبب رعايتها له، والسهر على راحته، بعد وفاة زوجته، أمّ فاطمة، خديجة الكبرى (ع).

3 ـ المنزلة الثالثة، أنّها زوجة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، سيف الله الغالب، الذي قال رسول الله (ص) فيه وفي خديجة: «قام الإسلام بمال خديجة وسيف علي».

كما قال: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها». وفاطمة هي ابنة خديجة وزوج علي.

4 ـ المنزلة الرابعة، أنّها ركنٌ من أركان أهل بيت النبوّة، الذين قال الله تعالى فيهم:“إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”[الأحزاب: 33].

وفاطمة هي أم الحسن والحسين (ع)، اللذين قال فيهما جدّهما رسول الله (ص): «الحسن والحسين، ابناي هذان، إمامان، قاما أو قعدا». وهما «سيدا شباب أهل الجنة». والإمام الحسين، هو سيد الشهداء، الذي انتصر دمه على السيف في كربلاء.

لقد تبوّأت السيدة الزهراء (ع) هذه المقامات الشريفة الأربعة، قبل أن تتحدّث فنستمع لطيب حديثها، وقبل أن تتصرّف فنشهد على كِبَرِ أفعالها.

عندما تكلّمت الزهراء (ع) كانت سيدة في الفصاحة، مثلما كان أبوها محمد (ص)، كما كانت سيدة في البلاغة، على نهج بلاغة الإمام علي (ع).

قالت في وصف الذات الإلهية: إنَّ الله تعالى «ابتدع الأشياء كلها من لا شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلةٍ امتثلها. كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيئته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصديرها، إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، وإعزازاً لدعوته».

وقالت في وصف القرآن الكريم: «أمورهُ ظاهرة، وأحكامهُ زاهرة، وزواجرهُ لائحة، وأوامرهُ واضحة».

وقالت في أبيها محمد (ص): «ابتعثه الله إتماماً لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير رحمته».

وقالت في التعريف عن آل رسول الله (ع): «نحن وسيلة الله في خلقه، ونحن خاصّته ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غيبه، ونحن ورثة أنبيائه».

وقالت في أدب الصيام: «ماذا يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه»؟

وقالت لأحدهم في حقّ أمّه عليه: «إلزم رجلها فالجنة تحت قدميها».

وفي بيان علل الشرائع والأحكام قالت السيدة الزهراء: «فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشِّرك، والصلاة تنزيهاً لكم على الكِبْر، والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامة، وبِرَّ الوالدين وقايةً من السخط، وصلة الأرحام منماةً للعدد، والقِصاص حقناً للدماء، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس. وحرّم الله الشِّرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتقوا الله…».

ومن أجمل أدعية الزهراء (ع) دُعاؤها: «اللّهم قنّعني بما رزقتني، واسترني، وعافني أبداً ما أبقيتني، واغفر لي وارحمني… اللّهم كافِ عنّي والديّ، وكلّ من له نعمة عليّ خير مكافأة. اللّهم فرّغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به، ولا تعذّبني وأنا استغفرك، ولا تحرمني وأنا أسألك. اللّهم ذلّل نفسي في نفسي، وعظّم شأنك في نفسي، وألهِمني طاعتك والعمل بما يرضيك، وتجنُّبَ ما يسخطك يا أرحم الراحمين…».

هذه عيِّناتٌ من بلاغة الزهراء (ع) عندما تكلّمت؛ أما عندما تصرّفت، وقرنت العلم بالعمل، فكانت المثال الواضح، والقدوة الصالحة، والزوجة الفاضلة، والأم العطوفة، وربّة المنزل المجاهدة.

عاشت السيدة فاطمة (ع) حياة الزهد والفقر، وهي القادرة لو شاءت، على حياة الرفاهية والغنى واليُسر. كانت مع فكرها العميق، وتعابيرها البليغة، تجهد نفسها في أعمال منزلها، فتكنس، وتغسل، وتطحن، وتعجن، وتوقد النار وتخبز، وتسقي بالقربة. وبعد وفاة أمها خديجة، رعت شؤون أبيها. وعلى الرغم من تعبها وعنائها فقد أجادت تربية أولادها على أفضل ما تكون التربية.

ولم تتخلّف عن المشاركة في الجهاد، إمداداً وإطعاماً للمجاهدين، ومداواةً ومعالجة للجرحى، فكانت المسعفة لأبيها عندما أصيب في موقعة «أُحُد»، فغسلت وجهه، وضمّدت جرحه.

هكذا تمثّلت مناقبها وفضائلها، في علمها كما في عملها، وفي نبوغها وتعبّدها كما في تواضعها، وفي كرمها كما في كرامتها. وعندما وافتها المنيّة، بكى على صدرها ولداها الحسن والحسين (ع)، حتى أبكيا ببكائهما ملائكة السماء.

إنَّ سيدة عظيمة مثلها، بعلمها وعملها، بأقوالها البليغة وأعمالها المجيدة، كما بعواطفها النبيلة، وهي التي لم تكن قد تجاوزت العقد الثاني من عمرها بعد، استحقّت أن تكون سيدة نساء العالمين، في زمانها ومكانها وفي كلِّ زمان ومكان، مثلما استحقّت العذراء مريم (ع) أن تكون سيدة نساء العالمين أيضاً، في زمانها ومكانها، إذ قال الله تعالى في كتابه العزيز: “يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” [آل عمران: 42].

لقد أجمع الذين تحدّثوا عن السيدة الزهراء (ع)، وروَوْا أحاديث النبي (ص) عن فضائلها، وعن محبته لها، كزوجتيْ النبي السيدتين عائشة وأم سلمة، وصحابته المقرّبين، كأبي بكر وسلمان الفارسي وابن عباس والأنصاري وأنس بن مالك…، وكبار المؤرخين والمُحدِّثين، كالطبري ومسلم والبخاري والسيّوطي وابن هشام والشهرستاني وابن الجوزي…، وغيرهم كثيرين ممّن تفوح كتبهم بعطر أهل البيت (ع)؛ لقد أجمعوا كلهم على فضائل السيدة الزهراء (ع)، وعلى علوّ منزلتها ورفعة مقامها في دينها ودنياها، لا سيّما عند أبيها رسول الله (ص).

أفلا يكفي كلّ هذا الإجماع الوفير، على مزايا الزهراء (ع) الخالدة، لتكريسها سيدةً لنساء العالمين؟ واعتمادها عنواناً للوحدة الإسلاميّة؟ هذه الوحدة التي نصبو إليها جميعاً، بما يرضي الله ورسوله، ويخدم الإسلام والمسلمين، كما يخدم الإنسان والإنسانية.

رُبّ سائلٍ يسأل: ألا تكفي طهارة الزهراء الخالصة، التي تكرّست في القرآن الكريم (مع أهل بيت النبي الذين أراد الله أن يُذهب عنهم الرجس ويطهّرهم تطهيراً)، لتكريسها سيدة لنساء العالمين؟

نُجيب: بلى. لكنّ إظهار المقامات الرفيعة، والمنازل العالية، ربطاً بسيرةٍ لا يستطيعها إلاّ الأولياء الصالحون، يُثبِّتُ العقيدة، ويرسِّخ الإيمان.


(٭) المفتش العام التربوي في لبنان سابقاً، ورئيس مجلس إدارة مؤسسات أمل التربوية.

(1) حديث شريف.

إغلاق