أسرة ومجتمع / صحة

الغيرة بين الأولاد أسبابها وعلاجها

241-242

بقلم:  إسلام شرف الدين

 

تكاد تكون الغيرة بين الأولاد هي الآفة الأكثر تعقيداً والتي قد تمتدّ مع الطفل حتى يكبر وتترك آثاراً سلبية وخيمة على شخصيته إلى أن يشيخ و يكبر، فتنغّص دنياه كما تفسد آخرته، بعد أن تكدّر عيش أبويه.. ولكن لو علم الأبوان أنّ بيدهما التحكّم بتلك الآفة ـ التي لا بد من وجودها ـ فقط لو تحلّوا ببعض الحكمة ومخافة الله في أمانته التي وضعها بين أيديهم، لتجنّبوا تلك العواقب وجنّبوا أبناءهم شرها.

ولا ريب أنّ عدم العدل بين الأولاد والتمييز بينهم هو أهمّ أسباب اشتعال نار الغيرة وامتدادها مع الولد حتى يكبر وتكبر معه ندوب تترك في نفسه أمراضاً وعُقَدا يصعب التخلّص منها، لذا حثّ نبي الرحمة (ص) على العدل بين الأولاد في باقة من أحاديثه الشريفة، منها:

ـ إنّ لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أنّ لك عليهم من الحق أن يبرّوك.

ـ اتقوا الله واعدلوا في أولادكم.

ـ إنّ الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل.

ـ ساووا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحدا لفضّلت النساء. (لحاجة البنت الى العاطفة والإهتمام أكثر من الصبي).

أنواعها:

أولاً: الغيرة بين الأخوة:

الغيرة بين الإخوة أمر بديهي لا بدّ منه، وهي لا تقتصر على غيرة الأخ الأكبر من أخيه الأصغر، وإنّما قد يصح العكس، وقد تتجلّى أيضاً في غيرة الأخت من الأخ أو العكس، فكيف يتجلّى ذلك وكيف يمكن علاجه؟

أ ـ غيرة الأخ الأكبر من أخيه الأصغر:

عندما يرزق الأهل مولودهما الأول يتحوّل إلى محور حياتهما فيستحوذ على كلّ اهتمامهما وبالتالي فمنذ يفتح عينيه على هذا الوجود وهما بدورهما محور حياته وعلّة أمانه وسعادته.

لذا فإنّ ولادة أخ له تُعتبر ضربة قاضية بالنسبة إليه لأنّه يرى فيه منافساً يهدِّد أمانه وسعادته ويشاركه فيما يراه من حقه وحده. هذه المشاعر تختلج في صدره فتدفع به للتعبير عنها بطرق مختلفة كمحاولة أذيّة المولود أو الاستيلاء على أغراضه الخاصة. وقد يكبت مشاعره العدائية تلك فيتغير مزاجه ويتحوّل إلى طفل كئيب دائم البكاء والتذمّر ذو مزاج عصبي حاد، بل إنّ بعض الأطفال قد يصاب بالمرض من جرّاء ذلك.

وتتفاوت درجات الغيرة من طفل لآخر وفقاً لشخصيته وطباعه من جهة، ولتعامل أهله معه من جهة أخرى.

وممّا يزيد الوضع النفسي لهذا الطفل سوءاً هو تضارب المشاعر بين الحب الأخويّ الفطري والإشفاق على الكائن الصغير الضعيف من ناحية، وبين غيرته منه وخوفه منه على مصالحه الشخصيّة من ناحية أخرى، فتمازج هذه المشاعر يولّد حالة اضطراب تؤدّي إلى خلل في سلوكه.

فما هو دور الأهل للتقليص من خطورة هذه النتائج؟ وما هي الخطوات التي ينبغي عليهم اتخاذها للحدّ من ذلك؟

١ ـ تحضير الطفل نفسياً قبل ولادة أخيه بنحو شهرين عبر إخباره قصصاً جميلة عن أطفال في سنّه عاشوا بسعادة تجربة ولادة أخ أصغر، وتقريب الفكرة إلى قلبه وعقله ممّا يجعله ينتظر الحدث السعيد بشوق وترقّب.

خلال هذه المرحلة قد تصدر من الطفل عبارات ينفّس من خلالها عن غيرته المكنونة من الزائر الصغير قبل قدومه وذلك لأنّه بمجرّد معرفته بوجوده في أحشاء أمه بدأ يستشعر «الخطر» المحدق به المتمثّل بكائن صغير سيشاركه ما كان مُلْكاً له وحده. مثال على ذلك قوله: سأرمي به من الشرفة، أو سأعطيه للجيران أو سواها من العبارات التي تخفي كرهاً ونوايا «شريرة».

عند صدور مثل هذه العبارات على الأم أن تحضن الطفل قبل أي شيء وذلك لاحتوائه وتطمينه وامتصاص الطاقة السلبيّة، بعدها تخبره أن المولود صغير وضعيف ولطيف وأنّه يحبه كثيراً وسيكون صديقاً له، وأنّه سيكون الأخ الكبير البطل.

وإن كان الطفل اعتاد النوم في غرفة الأهل عليهم فصله عنهم وجعله ينام في غرفته قبل إخباره بحمل والدته كي لا يربط بين إقصائه عن غرفة الأهل وقدوم الزائر الجديد.

ومن المناسب جداً أن يدّخروا أشياء جديدة له تزامناً مع ولادة المولود الجديد، كأن يشتروا له سجّادة وستائر وغطاء سرير جديد ليفرح بها و ينصرف بعض الشيء عن المولود من جهة، وليربط بينها وبين ولادته من جهة أخرى فيتركّز في ذهنه أن قدومه جلب له الحظ السعيد.

كما ينبغي إحضار ما يلهيه ويصرفه عنه كالألعاب الفكريّة والتي تتطلّب التركيب واستعمال المهارات اليدويّة والذهنيّة والتي تستغرق وقتاً ممتعاً، أو كالقصص الملوّنة ودفاتر التلوين وغيرها، على أن يعطى هذه الأشياء تباعاً لا دفعة واحدة.

٢ ـ تفهّم أسباب الغيرة فالمولود يتمتّع بمزايا يفتقدها هو كالإستحواذ على اهتمام العائلة والأقارب والأصدقاء ومعظم الهدايا مخصّصة له وبعضها الآخر لأمه، أمّا هو فلا ينال منها شيئاً سوى الحسرة لرؤية الهدايا تتدفّق على «المتطفّل» الذي جاء ليكدّر صفو عيشه، كما أنّه يرى نفسه مضطراً للقيام بواجبات أخوه معفى منها كغسل اليدين أو الذهاب إلى المدرسة وهذا ما يزيد من غيرته، إذ إنّه مجبر على مفارقة أمه بينما أخوه لا يبارح حضنها.

ولا ننسى انشغال أمه بالطفل من جهة وبوفود المهنّئين بولادته من جهة ما يجعلها منصرفة عنه لوقت طويل وهو غير معتاد على ذلك.

وأكثر ما يحزّ في نفسه أنّه قد يتلقّى الأوامر والتوجيهات بل أحياناً التوبيخ والتأنيب الذي قد يصل إلى حد الضرب (وتلك جريمة) بينما أخوه لا يلقى إلّا كلّ العطف والحنان والحب حتى لو ارتكب ما يستحق عليه التأديب في نظره كالصراخ المتواصل أو جرّ شعر أمه.

٣ ـ إدراك عمق معاناته واستيعاب ما ينتج عنها من خلل سلوكي فالأثر الذي يتركه ذلك في نفسه كبير، ومن البديهي أن ينعكس على سلوكه خللاً وعدائية وذلك للتنفيس عن تلك المشاعر المكبوتة في داخله. فنراه كثيراً ما يلجأ إلى محاولة «استراق» أذيّة الصغير قبل أن يراه أحد، فيقرصه أو يعانقه بعنف، وقد يتفوّه بعبارات تدلّ على حالة عدائية نحوه، كقوله: إنّه غبي وبشع ويستحق الضرب.

وقد يؤثر العزلة والإنطوائية ويتراجع في المستوى الدراسي، أو يكتسب عادات سيّئة كقضم الأظافر، وقد تؤدي به الغيرة إلى نكسة صحية.

٤ ـ التحلّي بالصبر والحكمة في مواجهة ذلك الخلل السلوكي: فأيّ خطأ في التعامل معه قد يترك أثراً سلبياً وربما خطيراً لا تُحمد عقباه ولا يزول على مرّ السنين، لذا من الضروري اتخاذ الخطوات التالية:

ـ قبل أي شيء على الأم أن تواجه ذلك بتطمينه إلى أنّ مكانته لا تزال محفوظة بل وأكثر، عبر مضاعفة الإهتمام به وإمضاء وقت أطول في اللعب والحديث معه ومشاركته نشاطاته والإصغاء إليه قدر الإمكان، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّها في تلك الآونة تكون منشغلة بالمولود الجديد ولكن قدر المستطاع فلتستغلّ نوم الصغير في التفرّغ له. وهنا يلعب الأب دوراً هاماً في التقرّب منه والخروج معه وتعويضه ـ إلى حدٍّ ما ـ عن انشغال أمه عنه، وهذا ما يقوّي رابط العلاقة بين الأب والولد. وبإمكان الخال أو العم أو سواهما من المقرّبين من الأسرة المساهمة في ملء فراغ الولد وتسليته وإلهائه لبعض الوقت عن أمه ومولودها.

ـ إشعاره أنّه بطل وكبير ويمتلك صلاحيّات لا يملكها أخوه الصغير الضعيف وذلك عبر مديحه أمام الناس وإظهار الفخر والاعتزاز به، وإسناد بعض «المهام» له كإعطاء أمه أغراض أخيه، فهذا سيوحي إليه أنّه بطل يمكن الإعتماد عليه وأنّه شريك في الاهتمام بالصغير الضعيف.

ـ والأهم الأهم التعاطي مع عدوانيّته تجاه الصغير بالكثير من الهدوء والتفهّم، وأن يقتصر دور الأهل على مراقبته وعدم الغفلة عنه وحماية الصغير منه. أمّا لحظة «العدوان» فعلى الأم إبعاده عنه بلطف ولين وأن تحضنه وهي تعاتبه بشكل يثير شفقته على الصغير، لا بالعنف والصراخ عليه واحتضان أخيه، فهذا من شأنه تأجيج نار الغيرة و العدائية أكثر، فهو لن يفهم أنّه أخطأ بحق أخيه والصراخ عليه نتيجة طبيعيّة لذلك الخطأ، وإنّما سيتركّز في ذهنه أنّه يتلقّى الصراخ والعنف بسبب أخيه بينما أخوه يتلقى الاحتضان والتعاطف.

حالة العدائية هذه قد تطول  لكن يمكننا الحد منها إذا تعاملنا معه بحكمة وهدوء وتفهّم مع استمرار المراقبة والحماية. أمّا التعامل العنيف الخاطئ فلن يؤدي إلا إلى استمراريتها وتصاعد حدّتها.

٥ ـ عدم السماح للصغير بالتعدّي على حقوق أخيه الأكبر: من الأخطاء الشائعة إجبار الأخ الأكبر على التنازل عن ممتلكاته وحقوقه لأخيه الأصغر بذريعة أنّه صغير ولا يتعقّل وعلى الأكبر أن يعطيه ما يشاء لأنّه كبير ومتعقّل، أو للتخلّص من صراخ الصغير. هذا التصرّف من الخطورة بمكان حيث يجعل الكبير يفقد الشعور بالأمان ويعزّز إحساسه بالمظلومية وبعدم احترام حقوقه، وبالتالي يعمّق المشاعر السلبية تجاه أخيه. أمّا من جهة الأخ الأصغر فيجعله أنانياً غير خاضع للقوانين، مستهتر بحقوق الآخرين، سلاحه صراخه للحصول على ما يريد، وهذا ما يؤدي إلى تحطيم شخصيتيهما.

أمّا الصواب فهو عدم السماح للصغير بالسطو على أغراض أخيه وتعويضه عنها بأغراض تخصّه هو، وحتى لو استمر بالصراخ على الأم أن تتجاهل صراخه وتعيد الحق لصاحبه، فهذا يُدخل في ذهنه مفهوم احترام ممتلكات الآخرين وحقوقهم، كما يجعل الأكبر يطمئنّ إلى أنّ أمه تحفظ حقوقه وأنّ أخاه لن يسلبه ما هو له فتتلاشى غيرته منه بشكل تدريجي.

وقد يعمد الصغير ـ في عمر الأشهر مثلاً ـ إلى اللعب مع أخيه بشكل عنيف كجرّ شعره أو ضربه، هنا على الأم أن تبعد الصغير بالضبط كما تبعد الكبير عنه عندما يحاول تفريغ غيرته بضربه، وأن تقول له بالضبط ما كانت تقوله للكبير: أخوك يحبك حرام أن تضربه وتوجعه. فهذا سيعزّز ثقة الكبير بعدل أمه وتساوي مشاعرها بينه وبين أخيه، فكما أنّها لا ترضى له بإيذاء الصغير، كذلك لا ترضى للصغير بإيذائه. ومن الخطأ الفادح أن تحاول تهدئته وأن تطلب منه أن يتحمّل ضرب أخيه لأنّه صغير وهذه طريقته في اللعب، فهذا سيجعله يشعر أنّها منحازة للصغير وتحبّه أكثر منه فهي ترضى بأن يتسبَّب بإيلامه بينما لا ترضى بالعكس.

٦ ـ تفهّم تشبّهه بالصغير: كثيراً ما يطلب الطفل الأكبر الحصول على بعض ممّا يخص الرضيع كزجاجة الحليب أو عربة الأطفال، يُنصح بالسماح له بتجربة ذلك للتنفيس عن الغيرة المحتقنة بداخله، على أن يشترى له ما يخصّه لا أن يشارك أخاه أغراضه الخاصة. غالباً ما لا يتوقف الطفل عن استخدام هذه الأغراض بعد وقت قصير، فغايته من اقتنائها أن يشعر أنّه قادر على امتلاك ما يملكه أخوه وهو غير ممنوع عليه بالإضافة إلى الفضول، فبمجرد أن يلبّي هذه الرغبة سيشعر أنّها لا تناسبه ويتخلى عنها.

بعض الأطفال قد يعودون إلى عادة قضاء الحاجة في الملابس و ذلك لسببين:

الأول: الإضطراب النفسي نتيجة الغيرة.

والثاني: الرغبة اللاإرادية بالتشبّه بالصغير. على الأهل التعامل مع الأمر بكل هدوء وتفهّم ومحبة حتى تمرّ هذه المرحلة بسلام. نعود و نذكّر: أسلوب الحدّة والعنف مع الطفل لن تأتي إلا بما لا يحمد عقباه، بينما بالهدوء والعاطفة والتفهّم نصل إلى الغاية المنشودة.

٧ ـ عدم السماح لأحد بالتدخّل في التعامل معه وتوجيه الإنتقادات والأوامر أو التوبيخ، فهذا من صلاحيات الأم و الأب وحدهما، كما أنّ مثل هذا التدخل سيؤدي إلى المزيد من الإضطراب النفسي وسيزيد الأمر تعقيداً.

ب ـ غيرة الأخ الأصغر من الأكبر:

وهي أقل خطورة من الصنف الأول، سببها أنّ الأصغر يرى أنّ لأخيه الأكبر صلاحيات و امتيازات لا يُسمح له بها، فيعمد إلى التعبير عن ذلك عن طريق محاولة إغاظته أو التسلّط على أغراضه الخاصة.

الحل للحد من ذلك يبدأ منذ البداية، أي بِحُسن التصرّف كما سبق وذكرنا في القسم الأول، فذلك يؤدي إلى توازن العلاقة بين الأخوين وسلامتها، كما يضمن لكلٍّ منهما عدم التعدّي على حقوق الآخر، كما يعزّز الألفة والعاطفة بينهما. في هذه الحالة لن يحتاج الأهل إلى أكثر من احتضان الصغير وتعويضه بما هو من صلاحياته.

ج ـ غيرة الأخ الأقل تميّزا من أخيه المميّز:

وهي من الخطورة بمكان، إذ من شأنها تحطيم شخصية الطفل بشكل يصعب إصلاحه مع تقدّم العمر، مما يجعله عديم الثقة بالنفس، مستسلِماً للشعور بالفشل وانعدام الكفاءة. يرافق هذا الشعور بالتحطم الداخلي شعور بالحسد وأحياناً الحقد على أخيه المميز.

على الأهل إدراك أنّ لكلّ طفل ميزاته وقدراته، وليس المطلوب أن يتمتّع كلّ الأولاد بمستوى متفوّق من الذكاء والتميّز. وهذا ما يفرض عليهم احترام شخصية الطفل مهما كانت قدراته محدودة، وتعزيز ثقته بنفسه عبر البحث عن مهاراته الخاصة وتنميتها وتشجيعه عليها عوضاً عن تحطيمه لأنّه لا يملك ما يملكه أخوه من المواهب. كما عليهم التنبّه إلى عدم مدح أخيه أمام الناس دون مدحه هو، فهذا يترك أثراً كبيراً في نفسه.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الأخ الهادئ المطيع بالمقارنة مع أخيه المشاكس المشاغب، فلكلّ طفل شخصيته وطباعه وعلينا التعامل مع كلّ طفل وفقاً لما تتطلّبه شخصيته ولكن مع الحرص الدائم على عدم التمييز بين الإخوة أو الإنحياز للمطيع فهذا سيزيد من تمرّد الآخر و يجعله يشعر بالمظلومية  لتفضيل أهله أخاه عليه.

هنا يحضرنا قول الإمام الباقر (ع): «والله إنّي لأصانع بعض ولْدي واجلسه على فخذي، وأكثر له المحبّة، وأكثر له الشكر، وإنّ الحق لغيره من وِلْدي، ولكن محافظة عليه منه ومن غيره، لئلا يصنعوا به ما فعل بيوسف وإخوته».

فإعطاء الطفل المميز أهمية أكثر من إخوته يؤدي إلى حقدهم عليه.

د ـ مشكلة الطفل الأوسط:

هذا الطفل عالق بين أخ أصغر يتمتّع بهامش واسع من المسموحات لكونه صغيراً، وبين أخ أكبر له من الصلاحيات لأنّه الكبير فيما هو ممنوع من الإثنين فلا هو صغير ولا هو كبير. وكثيراّ ما يُطلب منه التنازل للأصغر وعدم التدخّل في شؤون الأكبر، وهذا كفيل بإشعاره بأنّه سيء الحظ وبتحريك الغيرة الكامنة في داخله من أخويه كليهما.

على الأهل التحلّي بالوعي الكافي للتوازن في التعامل مع الأولاد، وإفهام الطفل بكل حنان وتفهّم وهدوء أنّ له من الصلاحيات ما يتناسب مع سنّه، مع تعويضه ضمن هذه الصلاحيات.

هـ ـ الغيرة بين الأخ والأخت:

تتميّز البنت بطبيعتها باللطف والرقّة والدلال ممّا يجعلها مدلّلة أبيها وأثيرة عماتها وخالاتها، تتحبّب إليهم بحنانها وظرافتها فتخطف الأنظار وتستحوذ على الإهتمام أكثر من الصبي المفطور على الخشونة والعناد. كما أنّ لجمالها الخارجي وملابسها المزركشة أثراً أيضاً في توجّه الأنظار إليها، ممّا يعطي انطباعاً لأخيها بأنّها مفضّلة عليه، وبالتالي يزرع الغيرة في نفسه ويجعله في بعض الأحيان يعاملها بعدائية.

صحيح أنّ البنت تحتاج إلى رعاية واهتمام وعاطفة أكثر من الصبي ولكن هذا لا يعني عدم مراعاة التوازن بينهما والإستغراق في التمييز، بل على الأهل استيعاب خشونة الصبي واحتوائه بالعاطفة، وايلائه نفس الرعاية بما يتناسب مع شخصيّته كصبي، أي مشاركته نشاطات تخصّه كأنواع الرياضة وفنون الدفاع عن النفس، وإعطاء أهمية لشراء ألعاب تناسبه، كالألعاب التي تشكّل نموذجاً مصغّراً عن المِهن والحرف الخاصة بالرجال، ومنها على سبيل المثال أدوات تختصّ بالنجار يمكنه من خلالها تركيب أثاث مصغّر وغيرها ممّا هو متوفّر في متاجر بيع الألعاب.

أمّا غيرة البنت من أخيها فتظهر عندما تكبر وترى أخاها يُسْمح له بما لا يُسمح لها به، كالخروج وحده مع الأصدقاء، أو التأخر في العودة إلى البيت.

على الأهل توعية البنت منذ الطفولة إلى كونها جوهرة يجب صونها والحفاظ عليها، وأنّ أنوثتها تستلزم العناية بها أكثر من أخيها. وبالمقابل عليهم تعويضها بإعطائها فسحة كافية لتلبية رغباتها وتكوين مجتمعها الصغير الخاص بها تحت حمايتهم ورعايتهم.

ثانياً: الغيرة بين الأقران:

كزملاء الدراسة وأولاد الأقارب والجيران، وهي أقل خطورة من الغيرة بين الإخوة والحد منها سهل و يسير إن أحسن الأهل التصرف، ولكن إن لم يعالجوها بالحكمة فستكون نتائجها مدمّرة لشخصية الطفل.

يشعر الطفل بهذه الغيرة عندما يشعر بتفوّق الآخرين عليه من جهة، بينما يقابله الأهل بالتوبيخ والمقارنة بينه وبين الآخرين ليثبتوا له أنّه أقلّ شأناً ومستوى منهم. وهم في ذلك يحسبون أنّهم يعطونه دافعاً للمنافسة والجد للوصول إلى الأفضل وليتفوَّق على أقرانه، بينما الواقع أنّه يحطّمونه ويزرعون في قلبه الحسد والصغينة وانعدام الثقة، لا سيما إن لم يكن الطفل مقصّراً وإنّما قدراته محدودة.

والصواب تنمية قدرات الطفل بمعزل عن الآخرين، وغرس الثقة بما منحه الله من المواهب والإمكانيات مهما كانت محدودة. فعندما يأتي الطفل ليخبر أنّ زميله قد تفوّق عليه، على الأهل أن يجيبوه أنّ الأمر لا يهم أبداً بل المهم أن يبحث عن أخطائه كي لا يقع فيها مجدداً. أي أن يكون التركيز فقط وفقط على تنمية قدراته للسير نحو النجاح، وإفهامه أنّ لكل فرد شخصيته ومزاياه وقدراته، وتفوّق شخص عليه في مجال ما لا يعني أبداً أنّه دونه في نظرهم، بل على العكس، يجب تعزيز ثقته بمحبّتهم واعتزازهم به مهما كان محدود القدرات ومهما كان أبناء عمومته أو جيرانه متفوّقون عليه في بعض المجالات.

لو فكّر كلّ الأهل في قوله تعالى: “وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” [الصافات: 24] لجنّبوا أنفسهم وقفة طويلة عسيرة أمام الله (عزّ وجل) ولجنّبوا أبناءهم الوقوع في مستنقع يصعب الخلاص منه.

إغلاق