قضية ورأي

الحجاب في التاريخ

243-244

بقلم : الشيخ يوسف رضا

 

منذ البداية والحجاب يلعب دوراً كبيراً في كثير من الأديان، مثل اليهودية والمسيحية، وليس فقط في الإسلام، فعلى الرغم من أنّ الحجاب في أذهاننا مرتبط فقط بالنساء المسلمات، إلا أنّه في حقيقة الأمر كان جزءاً لا يتجزأ من تلك الديانات، فالمُراجع للعهد القديم، والعهد الجديد، أي ما يسمّى ب”التوراة” و”الإنجيل”، يجد فيهما نصوصاً  تؤكد على الحجاب، فلاحظ ما يلي :

أولاًالعهد القديم “التوراة “:

فمن النصوص الواردة فيما يسمى بالتوراة، أو العهد القديم، ما يلي :

“قالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟!

فقال العبد: هو سيدي.

فأخذت البرقع وتغطّت[1].

ب. وقيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تمنة ليجزّ غنمه. فخلعت عنها ثياب ترمّلها، وتغطت ببرقع، وتلففت وجلست في مدخل عينايم، التي على طريق تمنة، لأنها رأت أن شيلة قد كبر الخ…”[2].

ج. إنّ ثامار قامت ومضت، وخلعت عنها برقعها، ولبست ثياب ترمّلها[3]“.

د. تقول المرأة:”أخبرني يا من تحبه نفسي، أين ترعى عند الظهيرة ؟ أين تربض؟ لماذا أنا أكون مقنَّعة عند قطعان أصحابك؟[4].

ه. وفيه أيضاً: أن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرّجهنّ، والمباهاة برنين خلاخيلهنّ، بأن ” ينزع السيد في اليوم عنهنّ زينة الخلاخيل والضفائر، والأهلّة، والحلق، والأساور، والبراقع، والعصائب”[5].

و. ويقول ويل ديورانت: لو أنّ امرأة نقضت القانون في المجتمع اليهودي بأن خرجت إلى الرجال دون أن تغطي رأسها، أو أنّها اشتكت إلى رجل، ورفعت صوتها من دارها حتى سمعوا جيرانها، كان لزوجها الحق في أن يطلّقها دون أن يدفع مهرها[6].

ز. وفي مقام تهديد المرأة إذا عصت، قال في العهد القديم:” إكشفي نقابك، شمّري الذيل، اكشفي الساق، أعبري الأنهار، تنكشف عورتك، وترى معاريك”[7].

ثانياًالعهد الجديد ” الإنجيل “:

ومما ورد في العهد الجديد قول بولس: ” فإن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها، لأنّ الشعر بديل من البرقع”[8].

ولعلّه يقصد : التستُّر بالشعر، إذا لم تجد سواه.

” وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلقى الغرباء، وتخلعه حين تنزوي في الدار بلباس الحداد”[9].

هذا في اليهودية والمسيحية وصولاً إلى الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، فمن الألبسة التي كانت مشهورة في الجاهلية :

الخمار، القناع، البرقع، اللثام، وكانت المرأة في الجاهلية تغطي رأسها بخمار وتقاتل[10].

قال عنترة بن شداد :

وكشفت برقعها فأشرق وجهها     حتى كأن الليل صبحاً مسفرا[11]

وله أيضاً :

وحولك نسوة يدنين حزناً           ويهتكن البراقع واللفاعا

وأيضاً قوله :

جفون العذارى من خلال البراقع    أحدُّ من البيض الرقاق القواطع

وقوله :

إنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإننِي      طَبٌّ بأخْذِ الفارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ[12]

وغيره من الشعراء كالحارث اليشكري والفند الزماني والشنفرى من شعراء الجاهلية حيث وردت هذه الكلمات – أي الخمار والقناع والبرقع واللثام وستر الوجه – في أشعارهم[13].

ومن الأمثال المعروفة قولهم: “ذكرني فُوكِ حماريْ أهلي “.

وهو أنّ رجلاً خرج يطلب حمارين ضلّا له، فرأى امرأة متنقبة، فأعجبته حتى نَسي الحمارين، فلم يزل يطلب إليها حتى سفرت له ، فإذا هي فوهاء ( أي واسعة الفم، أو أن أسنانها الطويلة تخرج من بين شفتيها ).

فحين رأى أسنانها ذكر حماريه، فقال : ذكّرني فوك حماريْ أهلي، وأنشأ يقول:

ليت النقاب على النساء محرّم      كي لا تغرّ قبيحة إنسانا[14]

فالحجاب كان معروفاً ومعمولاً به قبل مجيء الإسلام بِقُرون كثيرة في كثير من الأمم والشرائع السابقة، من هنا كان الحجاب شائعاً في زمن رسول لله(ص) قبل البعثة، فحرب الفجار كان سببها أنّ امرأة من بني عامر وافت عكاظ وكانت امرأة جميلة طويلة عظيمة فأطاف بها فتيان أهل مكّة ينظرون إليها وعليها برقع مسير على وجهها فسألوها أن تبدي عن وجهها فأبت عليهم … إلخ[15].

الحجاب في الإسلام:

وأمّا بعد البعثة ففي حديث زواج مولاتنا فاطمة الزهراء (ع) الذي كان في أوائل الهجرة ما يدل على أنّ الحجاب كان معمولاً به، فقد ذكرو: أنّ أم سلمة أتت بفاطمة الزهراء (ع) إلى أبيها (ص) ” فلمّا وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها، حتى رآها علي (ع)، ثم أخذ يدها، فوضعها في يد علي الخ…”[16].

وفي حديث المرأة التي أراده بنو قينقاع كشف وجهها، فامتنعت، فكانت غزوة بني قينقاع بسبب ذلك، وكان ذلك في أوائل سني الهجرة، كما هو معلوم[17].

وزعموا أنّ عائشة حينما تخلّفت عن الجيش في غزوة بني المصطلق – أو المريسيع، فإنّ الغزوة جرت عند عين ماء من مياه بني المصطلق يقال له “المريسيع” وصادفها صفوان بن المعطل خمرت وجهها بجلبابها[18].

ومن الواضح: أنّ هذه القضية كما يزعمون قد كانت قبل قضية الحجاب، لأنّ الحجاب قد كان بعد غزوة بني المصطلق، بناءً على أنّ سورة النور كانت قبل سورة الأحزاب .

فمن كلّ ما تقدم يظهر لنا أنّ الحجاب كان فريضة من أول الإسلام استمراراً لأحكام الشرائع السابقة، ومن أوائل هذه الشرائع السابقة كانت الحنيفية الإبراهيمية التي كان عليها رسول الله(ص) وآباؤه وأمهاته وبعض رجالات ونساء العرب.

“مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا  وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران:٦٧- ٦٨).

فالحنيفية كانت موجودة في زمن النبي محمد (ص) وهي التي أمر الله (عز وجل) باتباعها بقوله:“قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” ( آل عمران: ٩٥).

ومن أجمل ما كان في الحنيفية الإبراهيمية بشكل عام وبالنبي إبراهيم (ع) بشكل خاص هو الغيرة وقد ورد في الصحيحة عن إبن محبوب، عن غير واحد، عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله (ص): كان إبراهيم (ع) غيوراً وأنا أغيَر منه، وجدع الله أنف من لا يغار من المؤمنين والمسلمين[19].

وغيرة الرجل كافية لأن يأمر بالحجاب، وهو ضرورة بشريّة وحقيقة فطريّة، والفطرة النقيّة كافية للدعوة إلى الستر والحجاب، ومن هنا كان لنا ألا نتعّقل بأنّ زوجات النبي محمد (ص) كنّ سافرات، وأنّ السبب في فرض الحجاب هو عمر بن الخطاب حتى جعلوا ذلك من فضائله.

بل كنَّ في غاية الستر والإحتجاب، وذلك لأنّ الأمر ليس متعلِّق بهن فحسب بل برسول الله (ص) ولأنّ الحجاب معمول به في الشرائع السابقة كان ذلك آكد في أن يأمر النبي (ص) نساءه بالحجاب مع ما يحمله من غيرة وفطرة سليمة، لا أن ينتظر غيرَه كما يزعمون .

بقي أن نشير إلى أنّ تسامح الناس في رعاية الحجاب دعا إلى نزول آيات في موارد عديدة، من أجل تذكير الناس بما يجب عليهم، فهي من باب التأكيد لا التأسيس، وقد وردت هذه الآيات في سورتي النور والأحزاب، وقد اختلف أيّ السورتين هي المتقدِّمة وأيّها المتأخرة فإن كانت غزوة الأحزاب متقدِّمة على غزوة بني المصطلق، فهذا معناه أنَّ آيات الحجاب بدأت في سورة الأحزاب وتُمِّمت في سورة النور، وإلا فالعكس هو الصحيح، فسورة النور قد نزلت بعد غزوة بني المصطلق ولكنهم اختلفوا في تاريخ غزوة بني المصطلق بين من قال بأنّها كانت في شهر شعبان من العام الرابع للهجرة، مثل المسعودي، وبين من قال بأنّها كانت في شعبان من السنة الخامسة، مثل ابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وبين من قال بأنّها في شعبان سنة ستة من الهجرة، فقد قال بذلك ابن إسحاق، وخليفة بن خياط، وابن جرير الطبري. قال ابن إسحاق: فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه رسول الله (ص) غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست من الهجرة[20].

وأمّا سورة الأحزاب فقد نزلت عند غزوة الأحزاب أو الخندق وكان ذلك إمّا في شهر شوال وإمّا في ذي القعدة من العام الخامس للهجرة.


المراجع:

[1] سفر التكوين – الإصحاح ٢٤ رقم ٦٥.

[2] سفر التكوين – الإصحاح ٣٨ رقم ١٣ و ١٤.

[3] سفر التكوين – الإصحاح ٣٨ رقم ١٩.

[4] سفر نشيد الإنشاد- ١: ٧

[5] سفر إشعياء- ٣: ١٨.

[6] قصة الحضارة ج ١٤ ص ٣٤.

[7] سفر إشعياء-٤٧: ٢.

[8] رسالة بولس – الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ١١: ١٥.

[9] المرأة في القرآن الكريم – للعقاد ص ١٠١.

[10] مكانة المرأة ص ١١٣.

[11] نعمة الحجاب في الإسلام ص ١٥ والمرأة المعاصرة لعبد الرسول الغفار ص ٤٤ و ٤٥.

[12] الصحاح في اللغة ج ٣ ص١٢٧٣.

[13] المرأة المعاصرة لعبد الرسول عبد الحسن الغفار ص ٤٤ و ٤٥.

[14] مجمع الأمثال للميداني ج ٢ ص ٣ و ٤.

[15] المنمق ص ١٦٣ والأغاني ج ١٩ ص ٧٤ والعقد الفريد ج ٣ ص ٣٦٨.

[16] الأمالي للطوسي ج ١ ص ٤١ والبحار ج ٤٣ ص ٩٦ ومسند فاطمة ص ٢٠٠ و٢٠٥.

[17] الكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٣٧ و١٣٨ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣ و٤ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٠٨.

[18] الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج ١٢ والبحار ج ٢ ص ٥.

[19] الوسائل الباب – ٧٧ – من أبواب مقدّمات النكاح حديث ٧.

[20] تاريخ الطبري – الطبري ج ٢ ص ٢٥٤.

إغلاق