أخلاق

تحصيل اليقين برازقية الله

243-244

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

هناك فرق كبير بين العلم والمعرفة، فالعلم لا ينفع ما لم يتحوّل إلى معرفة تسكن القلب. فالآثار تترتّب على المعرفة لا على العلم، ذلك أنّ هناك انفكاك بين عالم الذهن وعالم القلب، فالإنسان قد يتعلّم العلوم المتعدِّدة دون أن يتأثّر بأيٍّ منها، بل قد يسخّرها في سبيل الباطل.

وبما أنّ الله تعالى أراد أن يجعل للعلم أثراً يوقظ الإنسان ليسير في طريق الحق، فقد أعدّ مدرسة أخرى أدخل فيها جميع البشر دون استثناء، شاؤوا ذلك أم أبوا، ألا وهي مدرسة الحياة.

ومن أبرز إشكاليات هذه المدرسة؛ إشكالية الرزق.

إشكالية الرزق:

أول تفتّح مدارك الطفل على الدنيا، يرى ويسمع بأنّ أباه حصراً هو الذي يأتي بالمال، ذلك أنّ الأب أيضاً يرى أنّ المال يأتيه من العمل، دون أن يدرك أيِّ دور لله في هذه العملية.

فإذا ما وقع بضائقة وشحَّ مدخوله برغم عمله، ضجّ واضطرب لأنّه فوجئ بأنّ العمل بنفس الجهد لم يعد يعطي نفس المردود، هذه الضائقة هي درس من مدرسة الحياة، يهدف إلى تعليم الأب- وعن طريقه الابن- بأنّ الرازق هو الله تعالى، وبما أنّ المعلومات النظريّة لا تهبط من سطح العقل إلى أفق القلب، إلا إذا تحوّلت إلى شعور، ولا تتحول إلى شعور إلا إذا عاشها الإنسان في حياته، فلا سبيل لتبخّر المفاهيم الوهمية السابقة وترسّخ الحقائق مكانها إلا بأن يعيشها الإنسان.

فكلّ الناس تقول بأنّ الرازق هو الله، ولكن لو كان هذا القول هو ما يشعرون به فعلاً، لما أكلوا حقوق الآخرين بالعدوان والأذية.

كلّ هذا العدوان والفساد الذي نراه في التعامل المادي بين الناس، وما يترتّب عليه من أذى وخطر هو نتاج عدم اليقين القلبي برازقية الله، فلو آمن الجميع برازقية الله، لَسَعوا إلى أرزاقهم دون اعتداء أو تجاوز، ولكان حال المجتمعات مختلفاً تماماً عمّا هو عليه.

فاليقين بصفة واحدة من صفات الله، يورث الخلق سلاماً شاملاً. فأيّ معنى للتقاتل والغش والاحتيال من أجل مال يفنى ودنيا لا تبقى ؟!

مفاهيم متفرِّعة عن الرازقية في القرآن الكريم:

١- الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

نتيجة الخوف من الفقر، يحاول الإنسان تحصيل المال الزائد عن حاجته، فيبدأ باستخدام الأساليب المشروعة وغير المشروعة، وهذا نتيجة وعد الشيطان له بالفقر، وغرسه لهواجس فقدان العمل، ونقص المال في نفسه، فيعيش أزمة الاطمئنان إلى رزق اليوم الذي لم يأتِ، بدل التنعمّ برزق اليوم المضمون، والثقة بأنّ الذي رزقه اليوم سيرزقه غداً.
هذه الثقة برازقية الله وحده، هي ما يريد الله غرسه في قلب الإنسان لتطمئن نفسه، ولهذا فإنّه في بعض الحالات يجدّ الإنسان في العمل دون أن يترتّب على ذلك رزق، بينما يأتيه الرزق أحياناً دون جهد، فالله يحاول بهذا التدبير أن يغرس اليقين برازقية الله وحده في وجدان الإنسان، وهذا لا يحصل بتجربة وتجربتين، ولا بيوم ويومين.

لذا ترى بعض الناس عندما يمرّ بهذه التجربة ويصل إلى اليأس من سبب الرزق الذي بين يديه، فإنّه ينتقل إلى سبب آخر، فهو ما زال يرى الرازقية في الأسباب، ويرى أنّ المال هو نتاج جهده، ولا يرى أنّ الله هو الذي يعطيه. مع أنّه يرى أنَّ بعض من يطلب الرزق باستقامة وعفّة في يسار، وبعضهم في إعسار، وبعض مَن يسرق ويغشّ في يسار، وبعضهم في إعسار.

وهذا يدلّ على أنّ الأسباب ليست هي التي تحدِّد كمّية الرزق، إذ لو كانت كذلك لأعطت النتيجة نفسها في كلّ مرة اعتمدها الإنسان فيها.

فالمطلوب أن نصل إلى مرحلة اليقين برازقية الله، والرضى بتقديره لنا، فلا نأخذ ما ليس لنا، وبهذا نكون قد شرعنا بالسعي إلى الله سبحانه وتعالى، هذا اليقين لا يأتي إلا بإماتة وإحياء؛ إماتة للآمال المختلفة، وإحياء للأمل المنحصر بالله تعالى، وهذه المعادلة لا تتحقق إلا بفترة من الاختبار يعرّض الله تعالى الإنسان فيها لألوان من التجارب. فإذا نجح في حُسن النظر إليها وصل إلى هذه المرتبة التي هي دون مرتبة الزهد.

٢- وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .

هذا الجهاد الذي حكَت عنه الآية جهاد ربّاني، يتطلّب من صاحبه صدقاً، ولا يمكن له جدولته بزمن، فالله تعالى هو الذي وضعه، وهو وحده الذي يرفعه عندما يكون في ذلك صلاح أمر الإنسان، فالإنسان لا يعرف نفسه حتى يعرف ما فيه صلاحها.

فكم مِن خصلة في نفس الإنسان لا يدركها إلا بعد أحداث وتجارب، لذا فعليه أن يبني أمره على التحرك في إرادة الله ومشيئته بانقياد من لا يعلم لمن يعلم.

وهنا تتضح معالم رباعية مترابطة: اليقين بالرازقية، والرضى بالتقدير، والجهاد في الله، والهداية لسبله.

فالكثير ممّن يتوهّم أنّه رضي بتقدير الله إذا ابتلي بعد ذلك ببلاء، اعترض على الله بأنّه رضي فجاءت النتيجة بالمزيد من البلاء، فكأنّه يمنُّ على الله بالرضى أو الصبر.

وما هذا إلا لأنّه يعتقد أنّه مَن ألهم نفسه الصبر أو الرضى بحُسن تدبيرٍ منه، ولو صحَّ يقينه لشكر الله الذي ألهمه الرضى، وأقدره على الصبر، ذلك أنّ أرزاق الله لا تقتصر على الماديَات، بل تعمّ كلّ ما خوّله الله تعالى للعباد.

فلو عرف الإنسان أن لا حول ولا قوة له على القيام بشيء من الأعمال، وأن لا حقَّ له بشيءٍ من متاع الدنيا، وعلم أنّ كلّ أعماله بإقدار الله، وكلّ ما يصل إلى ملكه هو تفضّل من الله، لكان حاله مختلفاً.

خلفيّة الرضا ونقيضها:

فلنتصوَّر صورتين توضحان خلفيّة الرضا ونقيضها:

إذا دُعي الإنسان إلى متجر ضخم، وسُمح له بالتناول من بعض أطعمته ومُنع من بعضها، فإنّه يفرح بما حصل عليه من الطعام، ويشكر لمالك المطعم سماحه له بتناول الطعام على مائدته.

وبالمقابل، لو تمّ منع مالك المطعم من أكل بعض الأصناف في مطعمه فإنّه سيعترض ويسخط على تحديد حريته في ملكه ومنعه ممَا هو حقّ له.

هذه هي حقيقة نظرتنا إلى الدنيا، فنحن نرى أنّ الدنيا كلّها هي ملك لنا، والله تعالى يحبس عنّا بعض ما فيها، فنعترض على منعه لنا.

مع أنّ الحقيقة أنا الدنيا لله تعالى، فالسؤال الذي ينبغي طرحه ليس : لماذا منع الله عنّي هذا؟

بل: لماذا سمح الله تعالى لي بهذا؟

وهو أدنى درجات الإنصاف مع الله تعالى، وهو أن نساويه بأنفسنا، فنحن نمنع عن أولادنا بعض أملاكنا، بل عندما نعطيهم منها، نقول لقد أعطيناهم ولم نحرمهم، مع أنّنا لم نعطهم كلّ ما لدينا.

بينما نرى عطاء الله تعالى حقاً بديهياً لنا، ونرى منعه إجحافاً بحقّنا، ونرى في تكاليفه قيوداً علينا، مع ما فيها من يسر.
فما تُرى كان موقفنا لو كنا مأمورين بصلاة يومية تستهلك ساعات، ومنهيين عن أكل أصناف كاملة من الأطعمة كاللحوم؟!
مع أنّ ذلك حقّ مطلق لله كمالك لنا ولأوقاتنا، وللأصناف المحيطة بنا من الحيوانات والنباتات، هذه المالكية التي لو عرفناها حق معرفتها لشكرنا الله على سماحه لنا بالسير بأقدامنا التي خلقها على الأرض التي بسطها.

ولشكرناه على سماحه لنا بالنظر بأعيننا التي خلقها إلى الكائنات التي صوّرها.

ولكنّنا نستبدل هذا الشكر بالمَنّ عليه بما نؤدّيه من طاعات ونمتنع عنه من معاصٍ، بل بالتذمّر من كثير من هذه التشريعات، بل إنّنا إذا قمنا بهذه الطاعات وحصل لنا بعض ما لا نحب اجترأنا على الله تعالى باعتراض لا يجرؤ عليه مَلك مقرّب ولا نبي مُرسل.

فنحن في الحقيقة قد نصّبنا أنفسنا شركاء الله في مُلكه وتديبره، ولذا نرى لأنفسنا الحق في الاقتراح والاعتراض، فمن حق الشريك محاسبة شريكه.

حقيقة: مَن عرف نفسه فقد عرف ربه:

كثير هو الكلام في هذا الحديث، ولكن أبرز معانيه هو أنّ من عرف نفسه بأنّه عبد لا حول له ولا قوة، لا يجلب نفعاً ولا يدفع ضراً، لا يملك حتى جسده، فضلاً عن أي شيء آخر بما في ذلك المال، بل الهواء، بل حتى الحياة.

فإذا أدرك ذلك صار يشكر الله على كلّ نعمة، ولم يَعُد يعترض أو يتذمّر أو يتحسَّر على شيء.

الإنسان في درك البهيمية:

في المقابل، فإنّ الإنسان إذا انغمس في ذاته، وما يمتّعها أو يلذ لها، فإنّه ينهمك في طلب حاجاتها، والتلذُّذ بما نال منها، والتحسُّر على ما فات. فإنّه يخرج من إنسانيته إلى درك البهائم، حيث صار يماثلها في انحصار الاهتمام بمطالب البطن والفرج.

كما أنّ كثرة استجابة الإنسان لنداء الملذّات في الغالب تزيد من توغّله في الفسق والفجور، لأنّ النفس مع آلتها البدنية يقويان بالطعام والشراب، كما أنّها تعتاد سرعة الاستجابة لدواعيها.

وقد نُقِل أنّ هارون العباسي كان يطلب من فقيه تولّي القضاء فيعتذر عن ذلك، حتى أشير عليه بأن يدعوه إلى وليمة، فلما لبّى وجلس وذاق ما لذَّ وطاب قَبِل بالقضاء.

إنّ النفس إذا استطابت الدنيا صارت مستعدَّة لِسَفك الدماء وخراب البنيان لإبقاء هذه اللّذة. فأيّ عدو هذا الذي إذا استرسل اقتحم بنا لهوات جهنم.

لذا ينبغي أن نتوسَّل إلى الله تعالى بمحمد وآله الطاهرين أن يوقظنا من غفلتنا ويحمينا من أنفسنا، فالعقاب لن يأتينا من معاصي غيرنا بل من شرور أنفسنا التي تظهر على شكل سيئات إلى العالم.

عرض الأعمال:

إنّ العامِل في الدنيا لا يعرض في سوق العمل إلا أجود بضاعته، لأنّ الرديء لا يُباع، فلكي يربح في عمله لا بد وأن يجتهد في تحسين إنتاجه آخذاً بعين الاعتبار متطلّبات السوق وظروفه، ملاحظاً تكافؤ الثمن والجودة والحاجة، لأنّ الناس لا تدفع الغالي لتشتري الرديء، ولا تبذل الكثير في سبيل ما تقلّ حاجتها إليه ورغبتها به.

وكذلك المشتري عندما يذهب إلى السوق فإنّه لا يشتري إلا ما يحتاجه ويعجبه، بأجود نوعية وأقل ثمن.

وهنا يأتي سؤال:

لو وقف كلّ واحد مناّ أمام الله تعالى وتلقّى سؤالاً منه: ” ماذا فعلت في دنياك؟”

فبماذا سيجيب؟

هل سيقدّم صلاته التي نادراً ما توجّه فيها، أم صومه، أم تعلّمه؟!

إذا كنا لا نعرض بين يدي المستهلك إلا الأجود، حتى يشتري، فكيف نعرض هذه الأعمال بين يدي الله ونأمل قبولها؟!
وإذا كنّا لا نشتري إلا الأجود بالسعر الأنسب، فكيف ننتظر من الله أن يتقبّل منّا؟!

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق