أحيوا أمرنا

توجيهات الإمام علي الهادي (ع) للشيعة

243-244

بقلم: الشيخ علي عيديبي[i]

من ذا الذي يأتي على سيرة الإمام الهادي(ع) إلا ويتتعتع حيث تتزلزل به الأرض حيث لا سفين إلا محيطه (ع)، فإنّنا نقف على ضفاف بحر وجوده عليه السلام لنرسم خطوطاً ممّا رسمه عليه السلام لنا لنهتدي بها.

في زمن الإمام الهادي(ع)، قلَّ الإعتراف بالدين الحق، وزاد الابتعاد عن آل البيت(ع)، حتى أنّ العباسيين زادوا بغضاً وعتواً على بني أمية.

وكان جبار دهره ونمرود عصره، المتوكِّل العباسي، أوعد وأرعد لكلّ من زار الشهيد (ع) في كربلاء، جاهلاً أو متجاهلاً بأنّ حب الحسين(ع) – تماماً كما الدم – يجري في الموالين، وبه تنبض القلوب، فحاول منعهم.

ولكنّ الإمام العاشر(ع) ظلَّ يشدُّ على السواعد حيث قلَّ المساعد لزوار الإمام الحسين(ع) في كربلاء، فأجدادنا التراثيون بذلوا ما قدّرته السماء تجاه شهيد كربلاء (ع)، فقتلهم وقطع أيديهم، واحدهم شريد أو شهيد، وما زالت المواكب باتجاه الحسين(ع)، وانقلعت قلعة المتوكِّل إلى النار وبقي الحسين(ع).

رسمنا هذا المشهد، لنقول أنّ كلّ هذه المأساة يعطيك إيّاها زمنٌ حلَّ فيه نور الإمام العاشر(ع).

فكيف يرسم الولاء؟ هل بالتقيّة والمداراة؟ هل بالأسلوب العلني؟ أم بالتثقيف والمنع والردع؟

لقد اختصّت روايات الإمام الهادي (ع) بشرائع عدَّة:

توضيح مقام المعصوم:

إحداها أنّه (ع) هو المجاهر بالولاء لآل البيت(ع) حتى في تلك الأمور الغامضة التي قد يشكُّ بها بعض المتدينين. إنّ المتدينين الكرام أعلنوا ولاءهم لآل البيت(ع) بحسب معرفتهم وطاقاتهم. والقلوب أوعية فكلّما ازدادت المعرفة لدى الموالين ازدادت ترجمة ذلك عملياً بالولاء.

وكثيرون هم مَن شكَّكوا بكرامة المعصومين(ع) حتى نصَّ الإمام الهادي(ع) على الزيارة الجامعة الكبرى، وهذه الزيارة  خضغ أمامها كلّ العلماء وشرحها الكبار منهم، وفيها من المضامين ما لا يوجد في غيرها من الروايات، فالزيارة الجامعة فاتحة الحُجُب وفاتقة الموانع، هي مرويّة عن الإمام الهادي(ع)، وكلّ ما فيها أو جلُّه عقائدنا التي دأب عليها أجدادنا والأحفاد وتوصَّلنا بالثبات فيها إلى دين علي(ع) الذي يمثِّل اصطفاء الله تعالى للمعصوم.

السؤال الذي يخطر على البال: هل للأئمة(ع) سلطة تكوينية؟ هل أنّ السماء أقدرتهم ويفعلون ما يشاؤون ويجيدون ما يريدون؟

وينسحب من هذا السؤال عقيدة عملانية: هل بإمكانك أن تقف بين يد المعصوم خاضعاً وتطلب منه قضاء حاجتك؟ وهل بإمكان المعصوم النفعُ ودفعُ الضرّ؟ هل للإمام(ع) تسليط كوني من الله (عزَّ وجلَّ)؟

لقد اختصّ الإمام الهادي(ع) بِنشر الكثير من غوامض العقيدة، وأتينا على ذكر مثال وهي الزيارة الجامعة، وينصح الأعلامُ بقراءتها مرّةً كلّ سنة، أو مرّة في كلّ شهر، أو مرّة كلّ أسبوع، ومن تمكّن من قراءتها كلّ يوم مرّة فقد أخذ بحظٍ عظيمٍ.

التمهيد المباشر للغيبة:

واختصّ الإمام بالتمهيد المباشر لزمن الغيبة، لأنّه المؤتَمن على من تقدَّم والمؤسِّس لمن يأتي من بعده، حيث يأتي من بعده إمامٌ واحدٌ ظاهرٌ للعيان، وهو الإمام الحسن العسكري(ع)، ومن بعده تعمّ الدنيا البليّة الكبرى والمصيبة العظمى باحتجاب الإمام المهدي(عج).

لقد أظهر الإمام الهادي(ع) اختصاصاً تنظيمياً للشيعة، فأعلن شبه المرجعيّة للناس إذا افتقدوا الإمام المعصوم. يعني إن سُئِلت عن زمان ابتداء الهيكلية العامة للمرجعية والتقليد والسؤال والفتوى تقول: هي وليدة زمن النص وليست وليدةً بعد الغيبة، أي لم يبتكرها علماؤنا الأعلام، إنّما أسس لها المعصومون(ع).

ففي زمن الإمام الهادي(ع) أُعلِن من قِبَله علماءَ يَرجع المكلّفون إليهم بالسؤال ويرفعون ما استعصى عليهم من جواب إلى الهادي (ع). كما وضع الإمام(ع) في كلِّ ناحيةٍ عالِماً وأوصى المؤمنين بالرجوع إليه وأوصاهم بالتعاطف معه وبشدِّ الأيادي نحوه، ثم وكَّل بعضاً من المؤمنين الثقات بجمع الأخماس والأموال وحُسن إدارتها بين المؤمنين. وهذه بحدِّ ذاتها هيكلية تنظيمية ما كان يعرفها أيتام المسلمين الذين افتقدوا إماماً باراًّ رحيماً. فبعد النبي(ص) تعوَّدت الأمة على حكّام سياسيين يجيدون ما يريدون لمناصبهم ويرتادون من الناس ظهراً للوصول. كما افتقدت الأمة بعد المصطفى(ص) أباً رحيماً يمسح على رؤوسهم، إلا ممَّن مثَّل المرجعيّة السماويّة المعصومة، أي المعصومين الكرام(ع).

وحَّد الإمام(ع) وجهة المؤمنين باتجاه التنظيم العام والتأطير الذي لا يتفلّت منه المؤمنون وذوو الحاجات وذوو الإفتقار في الإجابات عن المسائل. فركَّز الإمام(ع) على منظمين ماليين ومنظمين شرعيين، فالذي فعله الإمام(ع) هو بداية الهيكلية التي يعتاد المؤمنون فيها على الرجوع إلى أهل الاستنباط في الفتوى.

ولقد كان الإمام(ع) يضع بعضهم في بلاد الري وبعضهم في بلاد الحجاز، وبعضهم في بلاد العراق، ويوصي المؤمنين بالرجوع إلى أقربهم إليهم، حتى لا يتعارض بين الناس. ولكن لِمَ؟

كما نعلم أنَّ المعصومين كانوا يعيشون في زمن تقيّة مُرَّة ،فلا تكاد تجد جامعاً منهم بشخصين، شتَّتهم الدهر ودفَّع شيعتهم ضرائب الولاء، وقد يكون لكلّ أهل بلد حكمٌ خاصٌ في ممارسة الأحكام الدينية من تقيّة وغير تقيّة. فقد يجوز أمرٌ لأهل البصرة وهو غير جائز لأهل المدينة، ذلك حرصاً من الإمام(ع) على الشيعة وخوفاً منه على دمائهم. فإنّ بعض القوم كانوا يمارسون بعض التقية وقوماً آخرين كانوا لا تقيّة عليهم في كيفية أداء دينهم والصلوات.

ومن يعلم هذا غير المعصوم؟

فكان الإمام(ع) يضع عالِماً في كلِّ مصرٍ، ويأمر الأتباع والأشياع بالرجوع إلى أقربهم إليهم، كأنّه يقول أيّها المصري لا تستفتِ من عيّنتُه في المدينة وأيّها المدني لا تستفتِ من عيّنتُه في بلاد الشام، فالكلّ منكم يرجعون إلى الأقرب إليهم من علمائهم، فهم أخبر بظرفهم، وأنا أوصيكم بهذا.

نذكر هنا مثالاً ليبقى في البال زرعاً للكبرى من قضايانا المقدّسة، وهي التقيّة. فأحد العلماء الأجلاء الذين لا ينحدرون من بيوتٍ إسلامية، أي أنّ أباه وأبا أبيه من غير أتباع الدين، وصل به الحظ الدنيوي إلى سدَّة الوزارة في عهد سلطان دهره هارون الرشيد، هذا الوزير المكرَّم اسمه علي بن يقطين (رحمة الله عليه)، كما وصلت به مرتبته الأخروية إلى كونه مرتضًى من قِبَل إمام زمانه الكاظم(ع). فكان يلتصق علي بن يقطين بإمامه أشدّ الالتصاق وكان كظلّه عن يمينه والشمال يأتيه الهدى من كلّ صوب.

كان هذا الوزير مؤتَمناً لأنّه ينتسب إلى آل البيت(ع)، ومن انتسب اليهم بَعُدت عنه الخيانة حتى لو كان لحاكمٍ مثل هارون فإنّه لا يخون من ائتُمِن من قِبل الله (عزَّ وجلَّ).

بعد وصول علي بن يقطين إلى هذه السُّدَّة، ولمّا ازدادت حظوظه لدى سلطان عصره، أخذه الحسد من كلِّ الجهات، تماماً كما إذا استقام أمر أحدٍ من الناس ارتقى إليه الحسد على حسب مقامه، فوشى به الوشاة.

“حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها، وكان في جملتها درّاعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، فأنفذ علي بن يقطين جُل تلك الثياب إلى موسى بن جعفر(ع) وأنفذ في جملتها تلك الدراعة، وأضاف إليها مالاً كان عنده على رسم له فيما يحمله إليه من خمس ماله.

فلما وصل ذلك إلى أبي الحسن(ع) قبِل المال والثياب، وردَّ الدرّاعة على يد الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه:”احتفظ بها، ولا تخرجها عن يدك، فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه “.

فارتاب علي بن يقطين بردِّها عليه، ولم يدرِ ما سبب ذلك، واحتفظ بالدرّاعة.

فلما كان بعد أيام، تغيّر علي بن يقطين على غلام كان يختص به فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى(ع)، ويقف على ما يحمله إليه في كلّ وقت من مال وثياب وألطاف وغير ذلك، فسعى به إلى الرشيد فقال: إنّه يقول بإمامة موسى بن جعفر(ع)، ويحمل إليه خُمس ماله في كلّ سنة، وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا.

فاستشاط الرشيد لذلك وغضب غضباً شديداً، وقال: لأكشفنّ عن هذه الحال، فإن كان الأمر كما تقول أزهقتُ نفسَه.

وأنفذ في الوقت بإحضار علي بن يقطين، فلمّا مَثُل بين يديه قال له: ما فعلت الدرّاعة التي كسوتك بها؟

قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم فيه طيب، قد احتفظت بها، فلمّا أصبحتُ إلا وفتحتُ السفط ونظرتُ إليها تبرّكاً بها وقبّلتها ورددتُها إلى موضعها، وكلما أمسيتُ صنعتُ بها مثل ذلك.

فقال: أحضرها الساعة.

قال: نعم يا أمير المؤمنين. واستدعى بعض خدمه فقال له: إمضِ إلى البيت الفلاني من داري، فخذ مفتاحه من خازنتي وافتحه، ثم افتح الصندوق الفلاني فجئني بالسفط الذي فيه بختمه. فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوماً، فوُضِع بين يدي الرشيد فأمر بكسر ختمه وفتحه.

فلما فُتِح نظر إلى الدرّاعة فيه بحالها، مطوية مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه، ثم قال لعلي بن يقطين: ارددها إلى مكانها وانصرف راشداً، فلن أصدّق عليك بعدها ساعياً. وأمر أن يُتبَع بجائزة سنيّة، وتقدّم بضرب الساعي به ألف سوط، فضُرِب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك “[1].

وفي حادثة أخرى: “اختلفت الرواية من بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء، أهو من الأصابع إلى الكعبين، أم من الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى (ع): جُعِلت فداك، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيتَ أن تكتب إليَّ بخطّك ما يكون عملي بحسبه فعلتُ إن شاء الله.

فكتب إليه أبو الحسن(ع):” فهمتُ ما ذكرتَ من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلِّل شعر لحيتك (وتغسل يدك إلى المِرفقين ثلاثاً) وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره “.

فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين، تعجّب مما رُسِم له فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال، وأنا ممتثِلٌ أمرَه.

فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة، امتثالاً لأمر أبي الحسن(ع).

وسُعيَ بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له: إنّه رافضيٌّ مخالف لك.

فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثُر عندي القول في علي بن يقطين، والقرف[2] له بخلافنا، وميله إلى الرفض، ولستُ أرى في خدمته لي تقصيراً، وقد امتحنتُه مراراً، فما ظهرتُ منه على ما يُقرَف به، وأحبُّ أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك فيتحرّز مني.

فقيل له: إنّ الرافضة – يا أمير المؤمنين – تخالف الجماعة في الوضوء فتخفّفه، ولا ترى غسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه.

فقال:أجل، إن هذا الوجه يظهر به أمره.

ثم تركه مدة وناطه بشيء من الشغل. في الدار حتى دخل وقت الصلاة، وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته، فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء للوضوء، فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه، وخللّ شعر لحيته، وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ومسح رأسه وأذنيه، وغسل رجليه، والرشيد ينظر إليه، فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه، ثم ناداه: كذِب – يا علي بن يقطين – من زعم أنك من الرافضة.

وصلُحت حاله عنده.

وورد عليه كتاب أبي الحسن(ع): ” ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين، توضّأ كما أمر الله، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدّم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كان يُخاف عليك، والسلام “[3].

فمن ذا الذي يعلمُ بحُكم الله إلا الذي علَّمه الله (عزَّ وجلَّ)؟!

وبهذا عصم الله دماء الشيعة في كل الأعصار والأمصار إذا أخذوا بدين الإمام علي الهادي(ع) وآبائه وأبنائه.

تعاليمه عليه السلام:

وللذكرى -وللذكر أثر جميل- فنأتي على حديث جميل خُط من نور على أعلى القصور وجبين الحور، لو حُفِظ  وعُمِل به، فلقد ورد عن الإمام الهادي(ع):” من رضي عن نفسه، كَثُر الساخطون عليه”[4].

يؤخذ هذا المقال على مستوى الميزان التربوي العام، إذ إنَّ موازين التهذيب للنفس تختلف عند الناس، فميزان الشرف عند الناس كثرةٌ وعزّةٌ وجاهٌ ومالٌ ووجاهةٌ، وميزان الصلاح عند الناس أمثالها، أمّا عند المعصومين(ع) فيقول:” يا أيّها الموالي الكريم، إتَّهم نفسك دائماً بالتقصير، فلا ترضَ عن نفسك في عبادة، واجعل نفسك في أدنى مراتبها لوّامة، حتى تصل إلى النفس المطمئنة”.

ولقد ذكر القرآن الكريم أنفُساً ثلاث: أي شرائح ثلاث في نفوس الناس، فوصَف النفس تارةً بالأمّارة، وهي النفس الأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

ونفسٌ أخرى هي أكثر نفوس الناس وهي النفس اللوّامة التي تحنُّ إلى الصالحات وتقع في الطالحات، أي تميل إلى الفضائل وتسقط في الرذائل، فإذا سقط صاحبها في رذيلةٍ لامته، وإذا فعل خيراً لامته لأنّه مقصِّر. هي نفسٌ تصلح أن تكون مرآةً ، لكنها لن تصل إلى درجةٍ عاصمةٍ، فهي تحفِّز صاحبها نحو الصالحات، وتشدٌّ اليد نحو الكمال، وتؤنِّبه إذا خان سراً وتشجّعه نحو الفضيلة.

أمّا النفس الأخيرة فهي النفس المطمئنة، وهي تلك التي يتبنّى الله عزَّ وجلَّ حفظها وصلاحها وقبضها ورجوعها إليه. وذلك يتجلّى في قوله تعالى: ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ”(الفجر،27)، أي أنَّ الله يوكل بها ملائكةً تقبض الأرواح، تماماً كما برأها وخلقها ،يتولى سبحانه دعوتها وضيافتها.

وتكمل الآية الكريمة لتقول: “رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي” أي أنّكِ لا تمرّين بحساب.

” وَادْخُلِي جَنَّتِي” أي أنَّك لا تنتظرين على صراط ولا تمرّين بسَكَرات الموت ولا يَشدَّن عليكِ هول المطلَع.

تلك نفسٌ كانت مطمئنةً عارفةً بما تُقدِم عليه، فيتولّى الله عزَّ وجلَّ ضيافتها.

إنَّ أكثر نفوسنا لأنفسٌ لوّامةٌ، وقد عنى الإمام الهادي(ع) بقوله:” من رضي عن نفسه، كثر الساخطون عليه”، أنّ من رضي عن نفسه كانت نفسه أمّارةً، أي سيئةً. فنفسك ترضى عنك بما أنت فيه، وكلٌّ منّا ما فيه يكفيه، ففينا من الفضائح، وما لها من روائح. لولا أنَّ الله ستّار يحبُّ السّتر، والكلُّ منّا أخبر بنفسه وأعلم بسرِّه.

فمن رضي عن نفسه أن يصفَّق له، وإن كان على باطل، وعاداه الناس، أو قطع الأرحام، أو قصَّر في العبادات، ورأى نفسه أنّه سيدٌ فوق البشر ويمشي فوق السحاب ولا يرتقي إليه أحد.

فمن رضي عن نفسه على ما فيها من معايب كثر الساخطون عليه.

إذا أردت أن تفحص ممشاك بين الناس، فراقب نظر الآخرين إليك برضاً هو أم بسَخَط، فإذا كان الكلّ راضين فالتفت إلى نفسك فهذا دليلُ النفاق. فمن رضي عنه الناس فليتّهم نفسه، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يرضِ عبادَه، والنبي(ص) لم يرضَ عنه أصحاب الطلاح. لكن من كثُر ذمُّ الناس له فَليَلتَفِت إلى نفسه فإنّه مريض بالتكبُّر. إنَّ رضى الناس غاية لا تُدرك ولا تُطلب، لكنّها بذاتها قد تكون مَطلباً.

لا بدَّ أن نشير هنا إلى أنَّ أمير المؤمنين علي(ع) أبغضه كثيرون لكنّهم لم يتمكّنوا من الإشارة إليه بالسيئات. كما غيره من الكرام(ع) لم يجرؤ أحد على توصيفهم بغير اللائقات من الصالحات وإن عادوهم.

إنّ هذا المطلب الحيوي التنظيمي في الحياة الإجتماعية مطلبٌ لله في عباده الصالحين.

فإذا انتقدك الآخرون فليفعلوا، وإن أبغضك الناس فهذا شأنهم، لكن لا يتمكنون من توصيفك بالمعايب، لأنّك خلوٌ منها وبعيدٌ عنها. فليَكثر الساخطون، ولا يَكثر الواصفون لك بالطالحات، ذلك لأنَّ الناس هم أقلام الحَق في كثير من الحالات، تُسجِّل على الإنسان ما فيه وما يكفيه. فلا بد أن نذكِّر أنفسنا بذلك.


المراجع:

[1] القرف: الاتهام.

[2] القرف: الاتهام.

[3] المصدر نفسه؛ ص٢٢٧-٢٢٩.

[4] المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٦٩؛ ص٣١٦.

(*) من دروسه في مؤسسة الإمام الحسين عليه السلام في ويندزور- كندا.

 

إغلاق