الافتتاحية

موازنة العبادة: بين إسرار وإشهار

243-244

في كلِّ عام يطلّ علينا شهر رجب الحرام حاملاً معه بشائر موسم النور، الذي يتوّج بشهر الله، خاتمة دورة العبودية، والتحرُّر من قيود المادية الضيقة، مختوماً بالعتق من النار لمن أدى حق صيامه وقيامه.

تشخص الأبصار وتتحرّك النفوس، وتنفض غبار الغفلة شارعة بدورة الصوم والصلاة، مبتهلةً إلى الله تعالى بحاجاتها، ومطالبها، دنيويةً وأخروية.

فإذا ما حاول متصفّح أن يلاحظ موقف الشرع الحنيف من هذه المواسم، وهذه العبادات، فإنه يقف على مفترق طرق بين بيانات يظهر من حالها شيء من التناقض.

فبين نصوص حاثّة على العبادات الجَماعية وارتياد المساجد، والمواظبة على الجماعات، جاعلةً دعاء أربعين مؤمن مجتمعين من طرق ضمان الإجابة.

وبين نصوص داعية إلى الإسرار في العبادة، ومعتبرة الإشتهار بها مدعاة ريبة. وثالثة تدعو إلى المسابقة في الاشتهار بالورع حتى كرهت للمؤمن أن يكون في المصر من هو أورع منه.

فهل في هذا تناقض؟

إنَّ التناقض لا يكون إلا إذا كان مورد النصوص واحداً، أمّا في هذا المقام فهناك تغاير بين موارد النصوص، فلكلِّ نص مصلحة يلحظها ويأمر بما يتناسب معها.

فلا بُدّ للمجتمع الإيماني من جوِّ طاعة يشدُّ على قلب الكبير، ويشتدُّ عليه عود الصغير، يفتح أحضانه ليضم الوافدين إلى رحاب الطاعة والقرب من الله تعالى، فيعلّمهم أصول العبادة والمواظبة عليها، وينفض عنهم غبار المادّيات بنفحات الروح التي تضفيها هذه العبادات، ويخرج بالمؤمن من شرنقة الأنا ليذيقه لذّة التوحُّد والانسجام مع المجموع، ويؤلّف بين الأجساد في رحاب المساجد، لعلّ ذلك ينعكس إلفة بين القلوب، وتواصلاً اجتماعياً واقعياً، يجعل من الجماعة منطلقاً لتفقّد الغائب، فيعاد المريض، ويشيّع الميت، ويغاث الملهوف، ويفرَّج عن المكروب.

فإذا ما حاول الإنسان الازدياد في الاختصاص بالله، بما يمتاز به عن الجماعة، فهذا المسعى لا يكون صحياً إلا إذا كان بخلفية التملّي من القرب، وهذه خلفية تناسبها الخلوة بما فيها حميميّة وتوجّه وإخلاص، فإذا ما تظاهر بذلك واشتهر، فهذا ما ينبئ بخلفيات لا تنسجم مع طهارة التوجه، فالقاعدة ساطعة:” صانع وجهاً يكفك الوجوه”.

فأيّ سعي لمواجهة غير الله تعالى بهذا المظهر هو مدعاة ريبة في خلوصه له.

هذا في العبادة، وأما الورع، وهو الاستقامة السلوكية بتجنّب المعاصي والسلوك المشين، فهو أمر لا بد من الاشتهار به، لأنّ الاستقامة مظهر عام لا بدّ وأن يكون المَعلَم الرئيسي لكلّ المجتمع الإيماني، ليكون مثالاً يحتذيه النشء في سلوكهم، يربط على قلوب أهل الاستقامة ويؤنسنهم في مسيرهم، ويردع أهل الميل إلى الانحراف ويوحشهم من ميلهم.

وهكذا يحصل التوازن في السلوك الإيماني: فرائض جامعة تضفي لون الوحدة في طاعة الله، وإسرار للعبادة يضمن الإخلاص في القرب من الله، واشتهار بالورع يقيم حرمة الاستقامة للمظهر العام للمجتمع الإيماني.

إغلاق