أسرة ومجتمع / صحة

أسرار الفيروسات وأزمة فيروس “كورونا” العالمية

243-244( صحة )

د. حسن يوسف حطيط*

يهتزّ العالم كلّ فترة على وقع أصداء أزمة صحية علمية جديدة بسبب فيروس جديد غير معروف سابقاً أو فيروس قديم “متحوّل” لسبب معروف أو مجهول، وأصبحت للفيروسات في عصرنا الحاضر خصائص وميّزات وأسرار كثيرة يعكف الباحثون على فكّ شيفراتها ومعرفة طرق نشوئها المبهمة وأساليب علاجاتها المحتملة مع ما يحمله ذلك من جهود مضنية وضخمة.

ونشهد الآن عصر فيروس “كورونا الجديد” وأزمته العالمية المستجدّة مع ما يصلنا ونسمع عنه ونشاهده من تطورات وإشكالات وانعكاسات على جميع الصَّعُد السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والتي تزداد يوماً بعد يوم لتأخذ منحىً جديداً في كلِّ ساعة وبسرعة فائقة.

تصنّف منظمة الصحة العالمية “فيروس كورونا” في باب الفيروسات الحيوانية المصدر والتي تنتقل إلى الإنسان عند المخالطة اللصيقة لحيوانات المزرعة أو الحيوانات البرية المصابة بالفيروس، كما تنتقل عند التعامل مع فضلات هذه الحيوانات.

وتنصّ إرشادات منظمة الصحة العالمية للبلدان والأفراد على احتمالية انتشار المرض بسبب مخالطة الحيوانات أو ملامسة الأغذية الملوَّثة أو انتقاله من شخص لآخر. ويتّضح الآن وفقاً لأحدث المعلومات أنّه يوجد على الأقل شكل من أشكال انتقال المرض بين البشر، ولكن لا يتّضح إلى أيِّ مدى.

وتُعزِّز هذه المعلومات حالات العدوى بين العاملين في مجال الرعاية الصحية وبين أفراد الأسرة. كما تتفق هذه المعلومات مع تجارب الأمراض التنفّسية الأخرى، لا سيّما مع الفيروسات الأخرى الشبيهة بفيروس كورونا.

لا يعرف الكثير عن هذا الفيروس وتشير المعلومات الحالية إلى أنّ الفيروس قد يسبِّب أعراضاً خفيفة تشبه الأنفلونزا، كما قد يسبِّب مرضاً وخيماً. وقد يظهر بمثابة مرض خفيف في البداية يتطور لاحقاً إلى مرض أكثر وخامة، ويبدو أنّ فئات المسنين والأشخاص الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة هم أكثر عُرضة للإصابة بأعراض أَشد وأخطر وقعاً وأطول مدة على الحياة.

وللحماية من المرض والحدّ من انتشاره أصدرت منظمة الصحة العالمية توصيات تتعلّق بالنظافة الشخصية ونظافة الجهاز التنفسي والممارسات الغذائية الآمنة، ومنها ما يلي:

  • غسل اليدين بالصابون والماء أو فرك اليدين بمطهِّر كحولي.
  • تغطية الفم والأنف بقناع طبي أو منديل أو الأكمام أو ثني الكوع عند السعال أو العطس.
  • تجنّب ملامسة أي شخص مصاب بأعراض زكام أو الأنفلونزا بدون وقاية، والتماس الرعاية الطبية في حال الإصابة بحمى وسعال وصعوبة في التنفس.
  • عند زيارة الأسواق المفتوحة، تجنّب الملامسة المباشرة دون وقاية للحيوانات الحية والأسطُح التي تلامسها الحيوانات.
  • طهي الطعام جيداً، وبالأخص اللحوم.

لا توجد أيِّ علاجات محدَّدة لهذا النوع من فيروس كورونا المستجد، ويعتمد العلاج على الأعراض السريرية. وتوجد علاجات قيد الاستقصاء من خلال تجارب عن طريق الملاحظة وتجارب سريرية يخضع لها المرضى المصابون بفيروس كورونا المسبِّب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. كما لا توجد حتى الآن أيّة علاجات فعّالة تمَّت الموافقة عليها من قِبَل منظمة الصحة العالمية لهذا النوع من فيروس كورونا المستجد.

يهتمّ الباحثون حالياً بمحاولة سبر أغوار عالم الفيروسات المظلم وكشف أسرار العمليات السرية والغامضة التي يقوم بها الفيروس عبر “طفرات” و”نقلات” و”انعتاقات” داخلية تؤدي إلى ما نشهده مؤخراً من تحوّر أو “تحوّل” أو “تغيّر” في ماهية عمل الفيروس وهويته الجينية، وذلك عبر الإستناد على الأبحاث العلمية والتجارب السابقة المبنيّة على الخبرات المكتسبة في تاريخ التعامل مع الفيروسات نشاطاتها وسيرها العملية.

والجدير بالذكر أنّ هذه “التحوّرات” أو “التحوّلات” الفيروسية هي متواجدة ومتوقّعة في عدَّة فيروسات أشهرها أصناف الإنفلونزا المتعدِّدة وعائلة “الكورونا” وغيرها من الفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي بشكل خاص. وإلى الآن لم يتمكّن الباحثون المُعتَمدون في الأوساط العلمية المعترف بها دولياً من تحديد كيف ومتى وأين يحدث ذلك “التحول” كما لم يكتشف أحد من الباحثين القدرة على توقّعه أو التنبؤ به وذلك للبدء بوضع سياسات واستراتيجيات وقائية.

ولا يخفى على الجميع أنّه في الفترة الأخيرة ظهرت معالم سياسية للأزمة من جرّاء ظهور أسئلة وعلامات استفهام خلف سلسلة من الإتهامات المتبادلة تناولت إمكانيّة ظهور هذه النسخة الجديدة من الفيروس نتيجة إجراءات مخبرية عسكرية صُنِّفت من ضمن أبحاث الأسلحة البيولوجية والتي بات معروفاً أنها تطوّر حسب خصائص أنسجة وجينات المجتمعات المستهدفة لتصيبها حصراً  تحاصرها لتتكاثر وتنتشر فيها وفي محيطها مسبِّبة الموت والدمار الإقتصادي الاجتماعي.

في النهاية، يجب علينا الآن وعلى جميع العاملين في المجالات الصحية والإعلامية والإجتماعية وحتى ظهور العلاج الشافي من هذه الأمراض الفيروسية، المبالغة في التشديد على تحصين وتقوية النُّظُم الصحية الوقائية العامة وتكثيف الحملات الإرشادية في كلِّ طبقات ومؤسسات المجتمع، وخاصة في المدارس والجامعات والنوادي الرياضية والإجتماعية والمناداة دوماً بمحاربة العادات غير الصحية والتي تساعد على انتشار الفيروسات وانتقالها من عوالم الحيوانات إلى عوالم البشر وبين المجتمعات والطبقات البشرية فيما بينها كمخالطة الحيوانات أو ملامسة الأغذية والمنتوجات الملوثة.

كما يجب على الجميع الوقاية والتحصّن من انتقال العدوى من شخص مشكوك بإصابته بالمرض أو مصاب أو مريض لآخر عبر الاستعمال المشترك أو الجماعي لمواد وأدوات الإستعمال الخاص أو المشروبات والأطعمة والمنتوجات المستهلكة أو العادات الإجتماعية كالمصافحة والتقبيل وتدخين الشيشة والسيجارة الإلكترونية.


*استشاري أمراض الأنسجة و الخلايا و رئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة، حكومة دبي.

إغلاق