الاستطلاع

المسلمون في لكنهو – الهند

243-244

الموقع:

تتبع لكنهو لولاية “أوتار براديش” وتعدّ عاصمتها، وتقع في الجهة الشمالية الغربية للهند وتحديداً على الشاطىء الشمالي الغربي لنهر جومتي على ارتفاع ١٢۳م. تحدّها مقاطعة بارابانكي من الجهة الشرقية، ومقاطعة أوناو من الجهة الغربية، ورايباريلي من الجهة الجنوبية وهاردوي وسيتابور من الجهة الشمالية.

المساحة والسكان:

يقدَّر عدد السكان فيها، حسب إحصائية سكانية تعود لعام ٢٠١٩ حوالي۳،٥٩٠،٠٠٠ نسمة، وتقدَّر مساحتها بحوالي ٢٥٢٨ كلم2 ، وتحتلّ المرتبة الثانية من حيث المساحة بعد مدينة كانبور.

ينتمي أغلب السكان إلى أصولٍ هنديّة مع وجود مجموعةٍ من الآسيويين الذين استقرّوا فيها منذ بداية تأسيسها، بالإضافة إلى فئات قليلة من الأوروبيين، والعرب الذين أسَّسوا أعمالهم الخاصة فيها.

أمّا اللغة الرّسميّة فيها – كسائر مدن البلاد – هي الهنديّة، ويتحدّث معظم السكّان باللّغة الأرديّة، وتعدّ مركزاً للأدب الهنديّ والأُردو أيضاً؛ وهي مركز سياحيّ مهمّ تُوليها السلطات الهنديّة عناية كبيرة على مستوى الأمن والخدمات لاستقطاب السائحين والزّائرين.

المناخ:

يتميزُ مناخ لكنهو بأنّه استوائي رطب وجافٌ مرتفع الحرارة صيفاً، وشديد البرودة شتاءً. تهطلُ الأمطار الموسميّة في الفترة الزمنيّة بين شهري تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر، الأمر الذي يساهم في دعم القطاع الزراعي وتوفير مخزون من المياه من أجل ري المزروعات، وللاستخدامات العامة.

طبيعة الأرض:

تحظى لكنهو بأهمية جغرافية كونها تقع في سهل إندوس غانتغيتك، وهي منطقة زلزالية أثرية، حيث يمرّ  خلالها نهر غومتي ويتوسطها، وتعتبرُ التضاريس الجغرافيّة عواملَ رئيسيّة لتوفير المصادر الطبيعيّة؛ إذ تحتوي على مجموعةٍ من السهول الخضراء التي تشكِّلُ نسبة كبيرة منها مزارع، وبساتين تضم العديد من أنواع الأشجار المثمرة، والنباتات الخضراء التي تساهم في دعمِ الاقتصاد، وخصوصاً في مجال تصدير الخضروات، والفواكه كنوعٍ من أنواع التجارة الخارجيّة.

تاريخ:

تشيرُ بعض الدراسات التاريخيّة القديمة إلى أنّ لكنهو كانت معروفةً في عهدِ الإمبراطوريّة المغوليّة، ثم حكمتها القبائل الهنديّة، وسيطرت على أراضيها من أجل الاستفادة من مواردها الطبيعيّة، واستمر حكم هذه القبائل حتى عام ١٧٥۳م عندما بدأت تطفو العديد من الخلافات مع الإنجليز على طبيعة تقسيم هذه الموارد. وفي عام ١٨٠٠م قرَّرت الحكومة البريطانيّة احتلالها بناءً على معاهدة شركة الهند البريطانيّة الشرقيّة.

حرصت الحكومة البريطانيّة على فرضِ سيطرتها على لكنهو، وأصبح السكان يعملون بموجبِ المعاهدة الهنديّة البريطانيّة مع شركة الهند الشرقيّة، وهكذا تمكّنت بريطانيا من التحكُّم بكافةِ مكونات المجتمع. ولكن في عام ١٨٥٧م، بدأت تظهر حركات التمرُّد ضد الاحتلال البريطاني، فواجهت القوات البريطانيّة هذه الحركات بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

في عام ١٨٧١م، تمكَّن الحاكم العسكري البريطاني من التوصل إلى تسويةٍ مع الحاكم، واستمرت الأوضاع العامة مستقرةً حتى عام ١٩٠٢م حيث عادت الحركات التي تطالب برحيل الحكم البريطاني تظهرُ بقوةٍ في مجتمعِ لكنهو، وبقي نضال السكان الذين اتحدوا مع سكان المدن الهنديّة الأخرى حتى عام ١٩٤٧م عندما تم الإعلان عن استقلال الهند عن الحُكم البريطاني بشكلٍ رسمي.

نظام الحكم:

تخضع لكنهو لنظام حكم بلدي محلي، حيث يرأس المجلس البلدي مفوض الشعب الذي يرأس مؤسسات الحكم المحلي وهو المسؤول عن تطبيق القانون وحفظ الأمن فيها. كما يشرف على انتخاب أعضاء المجلس البلدي. ومن أبرز مهام البلدية تطوير البنية التحتية وجمع الإيرادات المالية للحكومة المركزية.

الإقتصاد:

تَعتمد لكنهو على إنتاجها المحلي فقد احتلّت المرتبة السادسة في قائمة المدن العشر الأسرع نمواً في الهند، وتُعتبر من المدن التي تملك عدداً كبيراً من المصانع والشركات والمؤسسات الصناعية، حيث وفّرت فرص عمل لكثير من أهالي المنطقة.

تشمل الصناعات الرئيسية في لكنهو الملاحة الجوية، والسيارات، والآلات، والمواد الكيميائية للتقطير، والأثاث. كما تمتلك لكنهو إمكانات في قطاع الحِرَف اليدوية وتمثِّل ٦٠% من إجمالي الصادرات من الدولة وتشمل سلع التصدير الرئيسية منتجات الرخام، والحرف اليدوية، والقطع الفنية، والأحجار الكريمة، والمجوهرات، والمنسوجات وغيرها. كذلك تعدّ مركزًا للبحث والتطوير فهي تضم مراكز البحث والتطوير التابعة لشبكة الحليب الوطنية، والمعهد المركزي للنباتات الطبية والعطرية، ومؤسسة تنمية النّواة اليدوية الوطنية وغيرها.

أهم المعالم:

تقع لكنهو ضمن منطقة تاريخية كانت تُعرف باسم “أوده”، تتميِّز بتعدُّد الثقافات وصُنِّفت مركزًا للأدب الهندي والأردو. تربطها بباقي مدن الهند محطة قطارات ومطار دولي يُعرف باسم “مطار جودري تشاران سينج“.

كما توجد في هذه المنطقة أنماط مختلفة من العمارة والعديد من المباني الشهيرة التي بُنيت أثناء حكم المغول، ومعظمها يقع في الجزء القديم منها. ومن أبرز المعالم:

  • رومي دورزة: المعروفة أيضاً باسم البوابة التركية، ويرجع تاريخها إلى سنة ١٧٨٤م، وهي بمثابة مدخل للكنهو، وتتميّز بتصميمها المعماري الساحر.
  • برج ساعة حسين أباد: يقع برج الساعة بجوار رومي دروزة، وقد بُني سنة ١٨٨١م، وهو أطول برج ساعة في الهند، إذ يبلغ ارتفاعه ٦٧ متراً، وقد تعمَّد مشيّدوه الإنكليز جعله مشابهاً تماماً لبرج ساعة “بيج بن” في لندن، وهو مصمم على الطراز الفكتوري والقوطي معاً.
  • حديقة حيوان أمير ويلز: التي تعرف أيضاً باسم “حديقة حيوان لكنهو”، وهي من أكبر حدائق الحيوان في الهند، إذ تبلغ مساحتها أكثر من ٧١ فداناً، وقد أُسِّست سنة ١٩٢١م إحياءً لذكرى زيارة أمير ويلز لمدينة لكنهو.
  • بارا إمامبارا: هو مجمّع يرجع تاريخه إلى سنة ١٧٨٤م، ويسمى أيضاً “آصفي إمامبارا”، وتعني كلمة “بارا” كبيرة، أمّا “إمامبارا” فتعني حسينيّة بناها المسلمون الشيعة، ويضم الموقع “مسجد آصفي الكبير” والمتاهة ومجرى مائي يسمى “بولي”.
  • هازراتغناج: توجد وسط لكنهو، وهي عبارة عن منطقة تسوّق مركزية توجد فيها عدَّة أسواق وفنادق ومسارح ومكتبات ومطاعم، ويرجع تاريخ المكان إلى سنة ١٨١٠م، وهو مصمَّم على الطراز الأوروبي.
تاريخ الاسلام في لكنهو:
تشوتا إمامابارا في حسین آباد
تشوتا إمامابارا في حسین آباد

وتعود جذور الإسلام إلى النواب والأمراء الذين حكموا مملكة “أوده” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديّين.

كانت تضم مملكة “أوده” ما يُعرف في أيامنا بالمنطقة الوسطى لولاية “أوتار براديش”، التي تأسست عام ١٧٢٢م تحت سلطة نواب “سعادة علي خان” وهو اسم يطلق على مجموعة من الحكّام الذين حكموا «دولة أوده» في الهند في الفترة ١٧٢٢-١٨٥٨م. فكانت الولاية بالأصل تابعة لسلطة مغول الهند منذ أواسط القرن السادس عشر، حيث كانت من أكثر المناطق ازدهاراً في شمال الهند وذلك لما فيها من أراضٍ خصبة إضافةً إلى اقتصادٍ زراعي مزدهر. وفي عام ١٧٧٥ م، أصبحت لكنهو عاصمة الإمارة التي أسَّسها النواب.

وما لبثت لكنهو حتى أصبحت العاصمة الثقافية لشمال الهند بعد مرور فترة قصيرة من كونها العاصمة، وذلك تحت حماية النواب الأثرياء من المسلمين الشيعة المنحدرين من سلالة فارسية حاكمة. لذا فقد جسَّدت أسرة ملوك “أوده” استمراراً للتاريخ الشيعي، بل بقيت ” رامبور” في شمال الهند والتي اعقبتها ” لكنهو” مركزاً لحكومة شيعية محلية إلى عصرٍ قريب. ومن ثم أصبحت منارةً لطلاب العِلم والفنانين والشعراء والكتّاب والمفكّرين من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة، وامتلأت بالمدارس والمكتبات لا سيّما التي تضمّ أُمّهات الكتب الشيعيّة.

والجدير بالذكر أنّه في عصر “النواب” ستطاع عالِم شيعي جليل وهو “دلدار علي النقوي” المتوفى عام ١٨٢٠م (١٢٣٥ه)، المعروف بإسم” غفران مآب”، أن ينشر المذهب الشيعي في كافة أرجاء الهند وبشكل خاص شمال البلاد، مشدِّداً على رفض مذهب الصوفية المتأثر بالطقوس والثقافة الهندية، حتى باتت لكنهو تشكِّل العمق الروحي والعلمي للشيعة في الهند.

وتزخر حاليّاً بشواهد على الجهود الخلّاقة لساكنيها، حيث فيها معالم شاهقة ومساجد وغيرها من الأبنية التي تعود لهذا العهد، والتي تُبرز خليطاً متآلفاً من تأثيرات الحكم الهندي والفارسي والعربي والتركي. وشجّع النوابُ وجودَ لغةٍ أرديةٍ منقَّحةٍ للتعبير عن ثقافتهم. وهي متميزةٌ عن اللغة الهندية التي تحدَّث بها الكثيرُ من مواطني سلطنتهم، والمأخوذة عن مصادرٍ لغويةٍ وشعريةٍ متنوعةٍ، وهو ما سَاعد في تحولها إلى مركزٍ أدبي. وحتى يومنا هذا، تُعزِّز اللغة الأردية، التي يتحدث بها سكان لكنهو، من الكياسةِ الرائعةِ في الخطاب اليومي بين الناس، وتشتهر برُقِيِّها وعذوبتها.

كما يحرص سكان لكنهو على إستمرار التوافق بين المسلمين والهندوس والحفاظ على روح المحبَّة والإلفة بين أهلها، ولذا لا نعجب إذا وجدنا فوق معبد “بورانا هانومان” الهندوسي هلالاً إسلامياً يعانق القبة. وذلك للدلالة على عرفانهم بجميل ” النواب” الذين شيدوا هذا المعبد.

وهذا الرقي في التعامل بين المسلمين والهندوس يتجلّى حينما يدعم المسلمون المصلين الهندوس في معبدهم خاصةً أثناء الإحتفالات الدينية، بل وينصبون اكشاكاً صغيرة لتوزيع الورد والماء. وكذلك يعامل الهندوس المسلمين بالمثل خاصةً خلال شهري محرّم الحرام ورمضان المبارك.

وللدلالة على الإحترام المتبادل بين أبناء الديانتين، فإنّهم يستبدلون تحية المسلمين أي “السلام عليكم” وتحية الهندوس أي “ناماستي” بكلمة واحدة مشتركة وهي ” أدب” ككلمة للتحية.

أمّا بالنسبة إلى اقتصاد لكنهو، فإنّ من أهم الآثار التي تركها عهد “النواب”، هو التزاوج الإقتصادي بين المسلمين والهندوس خاصةً في قطاع إنتاج ” التشيكان”  أي الأقمشة المزخرفة.

فقد تركّزت الجهود على تطوير هذا القطاع بالأصل لمدِّ “النواب” ونخبة المجتمع بالملابس الفاخرة، حتى أصبح هذا النوع من الإنتاج في جوهر اقتصادها، بل وعزَّز من جهود الاكتفاء الذاتي الإقتصادي وكذلك الثقة بين المسلمين والهندوس.

ولكن على الرغم من كلِّ تلك المحبة والإلفة، لا يخلو الأمر من بعض الاضطرابات السياسية التي تحصل بين الحين والآخر منذ استقلال الهند.

بالإضافة إلى أنّه بعد تقسيم الهند عام ١٩٤٧م، أُعلنت اللغة الأردية -التي كانت لغة بلاط النواب- كلغة رسمية لباكستان، ليصبح الجزء الأكبر من الثقافة الأردية في لكنهو مرتبطاً بباكستان والمسلمين.

ونتيجةً لهذا التقسيم السياسي للّغتين، فقد أصبحت اللغة الأردية لمسلمي دولة باكستان، واللغة الهندية لهندوس دولة الهند. الأمر الذي أثَّر على عرى الوفاق بينهما، لتصبح الأردية وثقافتها تمثِّل عدواً لدوداً لدولة الهند.

ولكن حينما اشتعلت التوتّرات الطائفية، إستطاع هذا الإرث الثقافي أن يحمي لكنهو من أعمال الشغب والاضطرابات والانقسامات المتزايدة بين أبناء أديان الهند المتعدِّدة، وبين المسلمين السنّة والشيعة. ولا بد أن نذكر في هذا الإطار الاعتداءات التي تعرَّض لها أبناء طائفة “الداليت” أو “المنبوذون” كما يُطلق عليهم الهندوس.

وتبقى بارقة أمل، حيث لا تزال تُبذل الجهود من أجل تجاوز التحديات السياسية وإيقاف الإضمحلال الثقافي، من خلال تاسيس معاهد جديدة للغة الأردية وتراثها الفكري والأدبي.

وبعد إنتهاء عصر “النواب”، لبست لكنهو ثوباً آخراً حيث كثُرت تحدياتها المعاصرة وإزداد الفقر والفساد بين ابنائها وتراجع تراثها الفكري بل تغيّرت هويتها.

مسجد آصيفي
الإسلام اليوم:

تخاطب مآذنُ لكنهو وقبابها المطليّة بالذهب زائرها وكأنّها ترحّب به في أرض السلام والمحبة.

فالأحياء التجاريّة القديمة في الجزء الشماليّ الغربيّ منها، ومحلات صياغة الفضّة، وأكشاك عرض المشغولات المطرّزة، والمشغولات النحاسيّة، والمطبوعات، ومحلّاتها التجاريّة، إضافةً الى مصانعها العديدة كمصانع القطن ومصانع السكر، ليست إلا دليلاً على عمق العلاقة التاريخية بين المسلمين والهندوس…

وتعتبر منطقة صافية خالصة لشيعة أهل البيت (ع) بخلاف مدن الهند الأخرى التي يوجد فيها اختلاط بين مختلف الاديان والمذاهب حيث وصل عدد المسلمين الشيعة فيها إلى حوالي ۳ مليون نسمة.

وهي تشكِّل العمق الروحي والعلمي للشيعة في الهند، بل قد أطلق عليها البعض لقب “قمّ الهند” أو “نجف الهند” لِما تحتويه من عشرات الحوزات العلميّة وآلاف المساجد والحسينيّات المنتشرة في كلّ أرجائها حيث تظهر الصبغة الدينية. كما أنَّه لشدَّة تعلُّق السكان بأئمة أهل البيت(ع) بُنيت فيها المزارات الشبيهة للمراقد والعتبات المقدسة في العراق، كالنجف، وكربلاء، والكاظمين، وسامراء، والكوفة، وبهذا نجد في لكنهو صورة حيّة عن الآثار والمراقد والمزارات التي يشاهدها الزائر في العراق.

وينبغي الإشارة إلى أنّ للكنهو الفضل الكبير في انتشار مذهب أهل البيت(ع) في عدد من البلاد وخاصة بلاد شرق آسيا وبعض البلاد الأفريقية حيث تتواجد جاليات هندية تعدّ بمئات الآلاف من الشيعة. كما تقوم الحوزات العلمية والمراكز الدينية في لكنهو بإعداد طلاب العلوم الحوزوية وإرسالهم بمهام تبليغية وتثقيفية لشيعة الهند وغيرهم، ممّا أدى إلى استبصار الآلاف من أهل تلك البلاد.

مسجد مكة

وقد أولَت العتبة العباسية اهتماماً خاصاً بلكنهو وذلك لخصوصيتها باعتبارها حاضرة دينية ضخمة مشابهة لمدينتي النجف الأشرف وقم المقدسة. وقد تُرجم هذا الاهتمام من خلال الفعاليات والأنشطة العديدة كاحتضانها لمهرجان أمير المؤمنين(ع) الذي أصبح نافذة تطلُّ من خلالها العتبات المقدسة في العراق على شبه القارة الهندية.

عاشوراء في لكنهو:

يعتبر اليوم العاشر من المحرّم من أعظم الأيام في لكنهو، حيث تتَّشح بالسواد الكامل، وتنتشر مجالس العزاء في كلِّ مكان، بالإضافة إلى اللطميات والمسيرات العزائية الضخمة التي يخرج للمشاركة في مراسمها أغلب السكان. كما يتقاطر إليها مئات الآلاف من خارج الولاية وغيرها من مدن الهند حيث يمارسون طقوساً خاصةً بعاشوراء من البكاء واللطم والمشي حفاة، وإقامة المجسّمات التي تجسّد صورة وأحداث عاشوراء الأليمة. كما يقيمون المآدب لإطعام المؤمنين ويوزعون الماء على حب سيد الشهداء(ع). وتأتي كلّ هذه المظاهر لتعبِّر عن مدى ولاء أهلها والهند عموماً لأهل البيت(ع).

احياء الليلة التاسعة من شهر محرم في مدينة لكنهو
المساجد والحسينيّات:

تزخر لكنهو بالعديد من المساجد والحسينيّات والمؤسسات والجمعيات الدينية. وهي بالإضافة إلى دوريها الدينيّ والاجتماعيّ، فإنّها غدَت أيضاً تشكِّل جزءاً بارزاً من المعالم السياحيّة التي يحرص السّائحون على زيارتها بشكلٍ دائمٍ.

نذكر من أهمها:

  • مجمّع إمام بارا: يضمّ هذا المجمع حسينيّة «إمام بارا» – أي الإمام الكبير – وهي أكبر حسينيّة في العالم، شيّد بناءها “نوّاب آصف الدولة” (وهو أحد حكّام أَوَده) عام ١٧٨٤م، وتُعرف أيضاً بـحسينيّة آصفي. يُعدّ هذا المجمع بأبنيته المتعدّدة، من أبرز المعالم التاريخية والعمرانية والسياحية في الهند، وكان البريطانيّون قد استولوا على المجمع بأكمله إبّان الاستعمار البريطانيّ للبلاد، وبنوا قناة للمياه محاذية للجدار الغربيّ للمسجد بقصد تهديمه، ولكنّ هيكل المسجد كان قويّ البناء، وبالتالي ذهبت جهودهم سدى.

يضمّ المجمع مسجداً شهيراً هو «جامع آصفي الكبير»، الذي تمّ الانتهاء من أعمال بنائه سنة ١٧٩٤. يتميّز هذا المسجد بجمعه بين فنّي العمارة الهنديّ والإسلاميّ، مع قباب رائعة التزيين تعلوها مآذن شاهقة.

ولكنّ على الرغم من كونه تحفة فنّيّة فهو لا يحفل بالاهتمام اللازم، إذ يحتاج إلى المحافظة على هيكله الخارجيّ وأعمال الصيانة المستمرة. ولهذا المجمع مدخلان كبيران يؤدّيان إلى القاعة الرئيسيّة.

أمّا الحسينيّة، فهي مبنيّة كلّها من الجصّ والطّابوق، وهذا النمط الخاصّ من البناء يجعلها مذهلة وفريدة من نوعها. والشيء الأكثر إبهاراً في بناء هذه الحسينيّة الضّخمة، هو أنّ سقوف قاعاتها المركزيّة المقوّسة لا تحتوي على أي قطعة من العوارض والدعامات، حيث يبلغ ارتفاع السقف عن الأرضيّة خمسة عشر متراً.  أمّا جدرانها الدّاخليّة الجوفاء فهي مَعلم آخر من معالم الإبداع المعماريّ الذي تتميّز به هذه الحسينيّة، فهي لا تساعد على الاحتفاظ بالبرودة في أيّام الصّيف الحارّة في الهند فحسب، بل تساعد على التخفيف من عبء ضخامة البناء؛ ويُمكن مشاهدة قبر «نوّاب آصف الدولة» وتاجه المحفوظ في وسط القاعة المركزيّة.

مسجد آصيفي

أما فيما يتعلّق بنشاطات هذه الحسينينة، فلعل ّأهمها هي إقامة مجالس عزاء الإمام الحسين (ع) في شهرَي محرّم وصفر، حيث تتّشح مناطق تواجد الشيعة بالسواد الشامل. وتُقام فيها أيضاّ الاحتفالات الدينيّة مثل المولد النبويّ الشّريف، وذكرى ولادات الأئمّة (ع) وشهاداتهم.

فعلى سبيل المثال، شهدت باحة الحسينيّة يوم الثاني عشر من رجب ١٤۳٤ ه، فعّاليات «مهرجان أمير المؤمنين عليه السلام الثقافيّ السنويّ الأوّل»، الذي اقيم بمناسبة ذكرى ولادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، تحت شعار “أمير المؤمَنين… وصيّ الرسالة وأمير الأُمّة”، برعاية «العتبة العبّاسيّة المقدّسة»،.

وشهد حفل الافتتاح حضوراً واسعاً لشخصيّات دينيّة وفكريّة وثقافيّة واجتماعيّة، ومن فضلاء الحوزات العلميّة الهنديّة وطلَبتها، ووكلاء المرجعيّات الدينيّة في العالم الإسلاميّ، إضافة إلى حضور كبير من المؤمنين.

وهذه الحسينيّة أضحت معلماً سياحيّاً يقصده السّائحون والزّائرون من مختلف أنحاء العالم، لروعة بنائها الهندسيّ.

  • حسينيّة تشوتا إمام بارا: تُعرَف أيضاً باسم حسينيّة «إمام حسين»، بناها نائب «أوده» محمّد علي شاه عام ١٨۳٨م. وبعد مماته دُفن فيها. ويُعرف مبنى هذه الحسينيّة بـ«قصر الأنوار» بسبب كثرة الزخارف والثّريّات المضيئة، وهي مقصد للسّائحين أيضاً.
الجمعيات والمؤسسات الدينية:
  • ندوة العلماء: من أعرق الجمعيات والمؤسسات الدينية في لكنهو. فبعد أن اجتمع نخبة من علماء الهند وبحثوا في مسائل التعليم الديني ومستقبل المدارس العربية وشؤون المسلمين الاجتماعية والخلقية، عزموا على تأسيس جمعية دينية علمية تُعنى بمسألة التعليم الديني وإصلاح المسلمين الاجتماعي الخلقي، والجمع بين طبقات المسلمين. وعقدوا جلستهم الأولى تحت رئاسة الأستاذ الأكبر “الشيخ لطف الله العليكرهي”، وأرسلوا دعوتهم إلى جمع كلمة العلماء ورفع الشقاق والنزاع بينهم، وإصلاح المدارس القديمة والتغيير اللائق في منهاج المدارس.
  • مهمة الشيعة: هي جمعية دينية يتولى إدارتها” ظهير أحمد خان افتخاري” وهو من الشخصيات الإسلامية الشيعية المتميّزة النشاط في الهند. ومن أهم أعمالها تأسيس مكتبة وتوزيع وطبع كتب إسلامية بلغة الأردو.
  • مؤسسة القرآن الكريم: هي جمعية دينية يشرف على إدارتها عدد من التجار والمثقفين ومن أبرز المهام التي تقوم بها هي طباعة القرآن الكريم وتفاسيره ونشرها، كما أنّها تضم مكتبة قيِّمة موضوعة في خدمة الباحثين والدارسين.
الحوزات والمعاهد الدينيّة في لكنهو :

تلعب لكنهو دوراً بارزاً في نشر الإسلام الأصيل بين أبنائها الهنود المسلمين، وإبراز تعاليم أهل البيت(ع)، من خلال عمل الحوزات العلميّة والمراكز الدينيّة على إرسال الدعاة والعلماء لتثقيف الهنود الموالين لأهل البيت(ع). وتظهر الأجواء الدينية بشكلٍ بارزٍ فيها وذلك لكثرة طلاب العلوم الدينية حتّى يُخيّل للزائر أنّه يمشي في أزقّة النجف الأشرف أو قمّ المقدّسة.

أبرز المدارس الدينية والجامعات:
جامعة أحمد بن عرفان الشهيد
  • سلطان مدارس: هي من المدارس الدينيّة والعلميّة، أسّسها السيّد محمّد باقر الرضويّ الكشميريّ(١٨٤٤م -١٨٩٥م) وذلك في العام ١٨٩٢م، تحت إشراف مهدي حسن خان، من وجهاء “أوده”. وتُعدّ من المدارس الدّينيّة المهمّة في لكنهو، حيث تخّرِج سنوياً أعداداً كبيرة من العلماء وطلّاب العلم.
  • مدرسة واعظ: وهي مدرسة دينيّة مميّزة، أسّسها العلّامة السيّد نجم الحسن. وهي تضمّ إلى جانب قاعات الدرس والمرافق الإداريّة، مكتبةً قيّمة تحتوي على عشرين ألف مجلّد من الكتب الإسلاميّة، باللّغات العربيّة، والفارسيّة، والأرديّة، والإنجليزيّة، وفيها مخطوطات نفيسة، ولها مطبعة خاصّة لطبع ما تنتجه من أبحاث. كما تضمّ المدرسة جناحاً خاصاً لسكن الطلبة. وقد تَخرّج منها عددٌ لا يستهان به من العلماء والمبلّغين بشتى اللّغات للتبليغ في الهند وباكستان، وأفريقيا، وشرقي آسيا.
  • المدرسة النّاظميّة: أسّسها السيّد محمّد باقر الرضويّ الكشميريّ، وفوّض أمرها إلى السيّد نجم الحسن. وما تزال عامرة إلى الآن، ويتخرّج منها كلّ عام الكثير من الطلّاب والمبلّغين.
  • المدرسة السلطانيّة: أسّسها أيضاً السيّد محمّد باقر الرضويّ الكشميريّ، وهي مدرسة شهيرة، وفيها مكتبة عامرة خاصّة بها، تضمّ ما ينيف على الخمسة آلاف مجلّد باللّغات العربيّة، والفارسيّة، والأرديّة، وبعض المخطوطات.
  • مدرسة أبو طالب العلمية: وهي مدرسة دينية تتبع منهجاً تعليمياً موحَّداً. ومن أهم نشاطات هذه المدرسة هي إقامة الدروس الدينية، يومان في الاسبوع، وإحياء المناسبات الدينية الإسلامية.
  • جامعة دار العلوم (ندوة العلماء): أسّسها جمعٌ من رجال المذاهب الأربعة في أوائل القرن العشرين – أي ما يقارب ١۳٢٠ه/ ١٩٠۳م – على إثر تأسيس جمعية “ندوة العلماء” ويديرها بعض علماء أهل السنّة من المذاهب الأربعة. وتخرّج الكثير من الطلّاب الذين يفدون إليها من بلدان أفريقيّة وآسيويّة. وتتبع لها مكتبة فخمة جداً، ناهز عدد كتبها ستّين ألف مجلّد.
    جامعة لكنهو
  • جامعة أحمد بن عرفان الشهيد: هي جامعة إسلامية تابعة ل”ندوة العلماء”، تهدف إلى إعداد وتخريج العلماء المجتهدين المؤهلين لحمل رسالة الإسلام في مختلف التخصُّصات.
  • جامعة المؤمنات: تقع الى جانب جامعة أحمد بن عرفان الشهيد وتتبع لها. وهي تهدف إلى إنشاء جيل جديد من النساء المسلمات الحاصلات على شهادات عالية في الدراسات الإسلامية.

المكتبات في لكنهو:

يوجد في لكنهو العديد من المكتبات المهمّة التي تحفظ في رفوفها نفائس الكتب والمخطوطات، منها:

  • المكتبة الناصريّة: وهي مكتبة عظيمة تضمّ ميراث العالِم الشيعيّ الكبير المير حامد حسين اللكنهوي (المتوفّي سنة ١۳٠٦ه/١٨٨٨م)‍ صاحب موسوعة “عَبَقات الأنوار في إمامة الأئمّة الأطهار”، والذي كان من القيادات الدينيّة العليا للشيعة الاثني عشريَّة في لكنهو، إضافةً إلى العديد من المؤلّفات الغزيرة التي تزيد على مئتي مجلّد.

هذا وتضمّ ميراث والده المرجع الشيعيّ محمّد قلي الموسويّ (المتوفّي ١٢٦٠ ه/ ١٨٤٤م).

ثمّ بعد ذلك طوّر ناصر حسين، ابنُ المير حامد، هذه المكتبة وعمل على توسعتها وإغنائها بنفائس الكتب، فاشتهرت باسمه وعُرفت باسم «المكتبة الناصريّة»، وتُعدّ من أكبر المكتبات في الهند. وهي تحتوي على نفائس الكتب ونوادر المخطوطات في علوم الفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والكلام، والحكمة، وغيرها. ويناهز عدد كتبها اليوم ثلاثين ألفاً من المطبوع والمخطوط.

مركز مسجد لكنو
  • مكتبة ممتاز العلماء: أسسّها العلّامة الجليل السيّد محمّد نقيّ، المعروف ب‍ «ممتاز العلماء»، والذي ترك في خزانته مؤلّفات قيّمة ونفيسة، ومخطوطات وكتباً نادرة، يزيد عددها على ثمانية عشر ألف كتاب باللّغات العربيّة والفارسيّة والأرديّة، فكانت تلك الكتب والمؤلّفات نواة مكتبة «ممتاز العلماء»،.
  • مكتبة فَرَنْكي محلّ: تأسّست هذه المكتبة على يد قيام الدين عبد القادر اللكنهوي، ويقوم بإدارة شؤونها بعض العلماء، ولهم فيها حلقات لتدريس العلوم الدينيّة. تحتوي المكتبة على تسعة آلاف مجلّد، نصفها مخطوطة، ومعظم كتبها في العلوم الإسلاميّة باللّغات الثلاثة: العربيّة، والفارسيّة، والأرديّة.

بفضل ما يتمتَّع به الشيعة الاثني عشرية الهنود من قابلية استمدوها من عمق وأصالة مذهب الحق، الذي اكسبهم قوةً وإرادةً وتصميماً ممّا أثار إعجاب الآخرين بهم، خاصّة بعد الاطلاع على ما يحملون من عقيدة، وعلى حُسن نواياهم تجاه الإنسانية جمعاء، فقد مالت إليهم القلوب واقتنعت بعقيدتهم العقول. فكانت -في الهند- حركة تشيُّع قوية بلغت أقصى اتساع لها لتشمل أعداداً غفيرة من أبناء الهند، وبذلك انتشرت مساجد المسلمين الشيعة وحسينياتهم وحوزاتهم في أنحاء هذه البلاد الشاسعة.

وفي النهاية، يبقى الطموح الأبرز في تلك البلاد هو الارتقاء بهذه الشريحة الهندية المؤمنة من أجل تعميق عقيدتهم، ونشر هذا المعتقد بأساليب فنية وحديثة مدروسة من خلال التركيز على ترجمته في سلوكياتهم وحركتهم الاقتصادية لِما للاقتصاد من كبير الأثر في حياة الأفراد وتوجيه مسيرة حياتهم. وليكونوا بذلك مصدر إشعاع فكري وثقافي لاستقطاب أكبر للمستبصرين الجُدد.

إغلاق