آفاق معرفية

فرح البُعد الرابع

243-244

بقلم: حسن العاملي

هكذا تقول الرواية: هي حال رجلٍ يعيش وحيداً، كفاه الله من نِعَمه. لا يشكو من مشاكل، رغم أنّ الحياة قد لسَعته بسمومها مراراً وتكراراً. تراه هادئاً مطمئنّاً لكنّه يشعر بحزنٍ وفراغ، يجعلانه يفتّش عمّا يريحه.

إنّه يبحث عن فرح لم يجده في الأسواق، ولا في حفلات عابرة، ولا في اجتماعات طارئة، فرحُه من نوعٍ آخر. إنّه فرح البُعد الرابع، الذي يحميه من مزعجات الخارج، ويلوِّن حياته بألوانَ زاهية.

بعد أن جال يميناً وشمالاً، وهو يبحث عن وسيلة تحرّره من حزنه وكآبته وضيق تنفّسه، ذهب يشكو حاله إلى واحد من معارفه. وكما تقول الرواية: بعد أن استمع الرجل إلى شكواه، نصحه أن يقضي بضعة أيام في غابة الصنوبر، فهواؤها النّقي، ورائحتها النفّاذة، تفتح مسامات الرئة، وتسهّل التنفس. وهناك استقبله حارس الغابة، وفهم مُراده، ورحَّب به.

هكذا تقول الرواية: الحارس كان يعيش بلا سلاح وبلا طعام، يقضي ليله فوق العرزال (غرفة خشبية في أعلى الشجرة)، يصعد إليها بِسُلَّم، ويترك كلبه نائماً في الأسفل.

هي الغابة، فيها للشجر أرواح وعقول وأحاسيس ولغات، ووسائل دفاع، فإذا هاجمتها حشرات من أطرافها، فإنّها ترسل روائح تحذِّر بها باقي الأشجار، لتنزل صموغاً على جذوعها، حتى تمنع صعود النمل والحشرات والطفيليات عليها، فالأشجار المعمِّرة تلفّ جذعها بخشبٍ سميك، لتحميها على مدى عمرها الطويل.

ولكي تحافظ الغابة على أشجارها وتجمّعاتها في مكان واحد، فهي تغلِّف بذورها بخشب قاس، وبأحجام كبيرة حتى تبقى إلى جانبها ولا تهرب بعيداً عنها. إنّها قبائل من الأشجار، تعيش قريبة من بعضها، مثل غابات الأرز والصنوبر والبلّوط والسرو والجوز واللوز والزيتون والبندق. أمّا أشجار البساتين، مثل البرتقال والحامض والخوخ والتفاح والتين والرمان، فهي ضعيفة، مقارنةً بأشجار الغابة، لأنّ أليافها طريّة وأغصانها ليّنة وبذورها صغيرة ورقيقة. تصنع السكر وتضعه في ثمارها لتجذب إليها النمل والحشرات حتى تُنقل بذورها إلى أماكن بعيدة. بعكس أشجار الغابة التي تتلقّح عن طريق تيارات الهواء، فلا تحتاج لإنتاج السكر لإغراء الحشرات حتى تَنقل بذورها، فهي تُكثر من إنتاج الزيوت والألياف، حتى تقطع أنفاسها. من الأشجار المعمّرة، ما تترك في جذعها فجوات وكهوف لتسمح للطيور أن تعشِّش فيها، وتحميها من دبيب النمل والحشرات الزاحفة.

النبات عموماً يحبّ الهدوء والسكينة، هو صامت صابر ساكن، يعشق الحرية والهواء ونور الشمس، يتحرّك ببطء شديد، بعكس الحيوان. الإنسان مثلاً، يرفع يده بلحظات، أمّا غصن الشجرة فيحتاج إلى أشهر ليرتفع إلى الأعلى.

هكذا تقول الرواية: في النهار يجول الحارس حول أطراف الغابة مع كلبه، ويحمل بيده عصاً طويلة. يأكل من ثمار الطبيعة ويشرب من مياهها، ويتنفس هواءها العليل. لا تخطر بباله الملكية، فالغابة كلّها ملكه. لا يحتاج إلى طبيب، وإن مرِض فالله يشفيه. لا يحتاج إلى معلّم، فالفطرة تعلّمه. لا يتعامل بالنقود، لأنّ الغابة لا تسمح للأسواق أن تلوثها. ليست لديه مشاكل مع الناس، فهو لا يراهم إلا وهم مشاة. ليس في (مدينة الغابة) طرقات، ولا وسائل نقل، ولا يُسمع فيها ضجيج المركبات، أو يشمّ دخان المحروقات. لا توجد فيها نفايات مرميّة على جانب الممرّات، فالشمس والهواء والمطر تنظّفها على مدار الساعة.

هكذا تقول الرواية: في قاموس هذا الحارس، لا توجد أسماء تصف الحزن والكآبة، ولا اليأس والملل، ولا الخوف والإحباط، ولا الطمع والجشع، ولا الغيرة والحسد، ولا الكذب والدجل. هو لا يفهم معنى الحرب والانتقام، ولا الظلم والتسلّط. إنّه يشعر بفرح وسعادة ونشوة روحية. هو يتأمّل دائماً في خلق الله. مراراً، يبكي من شدّة الإيمان ومن عظمة الخالق في تنظيم الكون. في حياته أحلام جميلة وأفكار مبدعة وحوله مناظر خلّابة، وفي أعماق ذاته نقاء وطهارة وخير وبركة وكرم وعطاء. لا يخاف، فالغابة من حوله تردّ عنه الحر والبرد، تطعمه وتسقيه، تُفرِحه وتشفيه، والله من الأعلى يحميه.

بعد أسبوع، ودَّع صاحبنا الحارس وشكر كرمه وضيافته، ثم رجع إلى المدينة. هو الآن، بعد تجربة الغابة ليس كما قبلها. إنّه في قمة الفرح والسعادة، لا يريد شيئاً ولا يشكو من شيء، لقد خُلِق من جديد. بهذه الحال، ذهب إلى الشيخ العجوز ليخبره عن هذه التجربة الفريدة، ويسأله متعجِّباً، كيف تبدَّل حاله تماماً، خلال أسبوع واحد.

قال له العجوز: كنتَ في البُعد الثالث، والآن انتقلت إلى البُعد الرابع. هكذا تقول الرواية: كنتَ سابقاً، بثلاثة أبعاد، مثلك مثل جميع المخلوقات: هي الطول والعرض والارتفاع. في هذه الأبعاد، كلّ شيء يتغيّر. وكلّما اتّسعت الأبعاد، تولّدت فيها المتناقضات وزاد الاحتكاك بين البشر، فتكثر المشاكل والحروب والمآسي، وتنمو فيها الأحزان وتتشابك، وتصبح حلقة مفرغة. أمّا الأفراح، فتمرّ سريعاً كلمح البصر، ثم تختفي.

أضاف العجوز: أمّا ألآن، فقد ابتلع جسمك هذه الأبعاد الثلاثة وحوّلها إلى نقطة في البُعد الرابع. فبدلاً من السفر إلى الخارج لتفتّش عن الفرح، فقد سافرت َإلى أعماق ذاتك، وفيها وجدتَ الفرح الذي تنشده. فأنت الآن ترى الكون كلّه من خلال (خرم إبرة)، وأنت لا تدرك ذلك.

صاحبنا، لم يستوعب أفكار العجوز، فسأله، هل هذا وهم أم هو خيال؟

هكذا تقول الرواية: صحيح الذي خطر في بالك. فكلّ ما نراه أو نسمعه أو نتذوّقه أو نشمّه أو نحسّه، يأتينا كأحاسيس. فهي عرض وليست حقيقة، لكنّها تنفعنا وتضرّنا، كالفرح والحزن.

في جمال الألوان:

في كلّ يوم وفي كلّ لحظة نشاهد ألوانَ متعدِّدة، أينما ذهبنا وكيفما اتجهنا. منها الأبيض والأسود والأصفر والبرتقالي والأحمر ثم الأخضر فالأزرق، وأخيراً البنفسجي، هذه الألوان الجميلة غير موجودة. إنّها تموّجات من الطاقة، تبدأ بالأصفر وتنتهي بالبنفسجي. فهي عرض وليست حقيقة. لكن شبكيّة العين تترجمها إلى ألوان والدليل على ذلك، أنّ الأبطأ منها (ما دون الحمراء) لا تراها العين، والأسرع منها (ما فوق البنفسجي) لا تراها أيضاً. فجميعها تموّجات من الطاقة، مثلها مثل تموجات الكهرباء والمغناطيس والحركة.

مثل ذلك، المرآة الواحدة تعكس صورة للجسم الواحد، لكن عشرة مرايا تعكس عشر صور للجسم ذاته. فالجسم موجود والمرايا موجودة، لكن الصور عرض وليست موجودة.

في جمال الأصوات:

كذلك نحن نسمع الأصوات بنغمات من تموّج الهواء، بين (20 الى 2000) موجة في الثانية. وما زاد عن (2000 موجة) أو أقل من (20 موجة) لا نسمعها. فالصوت عرض وليس حقيقة، إنّما الأذن تُترجم أمواج الهواء إلى أصوات. الدليل على ذلك أنّ الكلاب مثلاً، تسمع ما زاد عن (2000 موجة)، أمّا الحيوانات والحشرات فتسمع ما دون ال (20 موجة). لذلك هي تحسّ بحركة الزلازل تحت الأرض، قبل أن تصلها، فتهرب. الصوت لا ينتقل في الفراغ، أمّا إذا اعترضه حاجز نسمع له صدى واحداً، وإذا اعترضته عشرة حواجز، يتكرّر الصدى عشر مرات للصوت ذاته، فالصوت عرض وليس حقيقة.

طعم السكر:

نحن نحسّ بحلاوة السكر وطعم العسل، وما هو حامض أو مالح أو مرٌّ أو حارٌّ. السكر هو فحم وماء، والحامض هو فحم وماء، والمرّ هو فحم وماء، والحر هو فحم وماْء. هي جميعها بِلا طعم، فهي عرض وليست حقيقة. هي انطباع يترجمه اللسان إلى مذاقات. السكر حلو لأنّه ضرورة لديمومة الحياة، فإذا انقطع السكر نموت فوراً. الذبابة، مثلاً، تتغذى على القاذورات، فتشعر في طعمها حلاوة، لأنّها ضرورة لديمومة حياتها. نحن نحسّ بالحلاوة من مقدمة اللسان، ونشعر بالمرورة من مؤخرته، لأنّها تحمل ما يقزِّز النفس. فالطعم هو عرض وليس حقيقة. الدليل على ذلك أنّنا لا نأكل ما لا طعم له، مثل التراب والحجر والخشب والمعادن. كذلك، في حالة المرض، يختلف مذاق الاطعمة، عمّا هو في حالة الصحة.

” ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ” (البلد : 8 – 10)

الروائح والعطور:

كذلك جميع العطور والروائح هي مركبات كيميائية، لا طعم لها ولا رائحة، لكن حاسّة الشّم تترجمها إلى عطور خفيفة تريح التّنفس، وأخرى ذات رائحة كريهة، عسيرة على التنفس. فالرائحة هي عرض وليست حقيقة، وهي انطباع يميّز بين ما هو صالح للجسم أو مضرّ به.

الحر والبرد:

كذلك، يترجم الجلد سرعة حركة ذرّات المادة، إلى شعور بالحرارة أو البرودة. فالحار ليس حاراً، والبارد ليس بارداً، بل هي أعراض وليست حقائق، لكن الجلد يترجمها للحفاظ على سلامته. الدليل على ذلك، أنّ الإصبع البارد جداً لا يحسّ بما هو أقل منه برودة، والإصبع الحار جداً لا يحسّ بما هو أقل منه حرارة. كذلك، عند الغضب، لا نحسّ بالحار ولا البارد.

الحزن والفرح:

إذا كانت وظائف حواسّنا تترجم مظاهر العالم الخارجي من ألوان وأصوات وأطعمة وروائح وحرارة وبرودة، لِما يلائم حاجات الجسم، فبالأحرى أن يترجم الدماغ ( الفكر) تغيّرات العالم الخارجي إلى ما هو مفيد مفرح أو محزن ضار. فإذا سمعنا مثلاً خبراً مزعجاً سيصيبنا حزن لهذا الخبر. بعد دقائق نسمع تكذيباً له، فنفرح. فحزننا وفرحنا كانا لسماع الخبر، وليس للحدث نفسه، فالفرح والحزن هما عرض وليس حقيقة.

هذه الانطباعات يترجمها الدماغ حتى يجعل القرار ملائماً. الدليل على ذلك، أنّ الخلل في أعضاء أجسامنا يترجمه الدماغ إلى ألم. لكن هذا الألم يتضاءل أو ينعدم إذا خطف انتباهنا أمر مهم أو مفاجيء. أمّا إذا انقطع العصب أو تخدّر، يختفي الألم تماماّ. فالألم عرض وإنذار بوجود خلل وليس حقيقة.

داخل كهف من العظام:

كيف يمكن لهذا الدماغ أن يتحكّم لوحده بمصيرنا، ونطلب منه أن يقلب الحزن إلى فرح، ما دام هو لا يرى ولا يسمع ولا يحسّ ولا يشمّ، إلا عن طريق الحواس؟ هو أبكم، أصمّ، أعمى، فاقد الإحساس، لا يتالم، ويغطّ في النوم داخل كهف من العظام. الدماغ، يخطىء فيعتذر أو يندم. من أبوابه، يسمح للشيطان أن يعشعش فيه، ويوسوس له، دون مقاومة. ثم يأتي بعد ذلك، باكياً للعقل يستنجد به، المرّة تلو الأخرى. الدماغ، مراهق، أناني يستهلك 30% من سكر الجسم. إذا نقصت حصته فإنّه يعلن حرب الجوع، أو يترك الجسم ويهرب. فإذا صدمتنا سيارة أو حلّت بنا كارثة، فهو يرتبك، ثم يهرب تاركاً أجسادنا مرميّةً على الأرض، توقّف نزيفها بنفسها، وترمِّم جراحاتها لوحدها. بعد ساعات، يطلّ علينا دماغنا، كمتفرِّج غريب، ونحن في المستشفى، ثم يسأل نفسه متعجِّباً، كيف حدث ذلك؟ وإذا أُصبنا بغيبوبة، تبقى أجسادنا تصارع لوحدها، فتتنفس وتجوع وتعطش وتهضم وتتحرك في الوقت الذي يتركنا دماغنا ويهرب إلى الأبد.

هكذا تقول الرواية: فإذا كان هذا هو حال دماغنا الذي لا يستطيع أن يردّ عنّا مكروهاً، أو يُبعد عنّا شراً، أو يقلب أحزاننا إلى أفراح، فلنتذكر أنّ التفكير في الحزن يضاعف الحزن، والتفكير في الألم يضاعف الألم، والتفكير في الفرح يضاعف الفرح. فلنترك الدماغ يلهو بحاله، ونصغي إلى صوت الريح، ونسيم البر، وحفيف الشجر، وأمواج البحر. ولماذا لا نتسامر في ضوء القمر، وتحت نجوم السماء؟

فإنّها تُبعد الأحزان وتمنحنا الانطباع بالفرح. ومثلما نختار اللون الذي يبهجنا، والصوت الذي يطربنا، والطعام الذي يغذينا، فلماذا لا نختار الفرح الذي يسرّنا؟

بعد الذي سمعه صاحبنا من كلام العجوز، وجد فيه كثيراً من الخيال، فطلب منه وسيلة واقعية تطرد الحزن، وتريح النفس، وتسهّل الحصول على الفرح.

هكذا تقول الرواية: الحزن الكبير يبتلع الحزن الصغير، فمن يفقد عزيزاً يحزن ويتألّم، لكن حاله يتبدل إذا عَلم أنّ آلاف من البشر ماتوا أو فُقدوا في يوم واحد، وفي مكان واحد بزلزال عنيف. من يخسر مالاً يحزن ويتألّم، لكنّ حاله يتبدّل إذا سمع أنّ عملة البلد المجاور قد انهارت، وخسر ملايين الناس مدّخراتهم. ومن يرسب في الامتحان، فإنّه يحزن ويتألّم، لكن حاله يتبدل إذا علم أنّ “انشتاين” نفسه كان يرسب في أوائل حياته، ولم يتفوق في دراسته الابتدائية، لكنّه أصبح لاحقاً من أعظم العلماء.

هكذا تقول الرواية: من لم يستطع أن يطرد الحزن من جذوره، فليتذكر من يغرق وهو حي، ومن يُحرق وهو حي، ومن يُخنق وهو حي، ومن يُقطّع وهو حي، ومن يُدفن وهو حي.

ومن لم ينفعه ذلك، فليمرِّر إصبعه فوق النار.

ومن لم يستطع، فليذُق بلسانه شيئاً من طعم الحنظل المر.

الفرح يخلق فرحاً:

الفرح غير موجود لكنّه يُخلَق، أو يُدفَن قبل طلّته. من يربح في تجارة صغيرة، تُفتح أمامه أبواب ربح أكبر. ومن ينجح في دراسته، تُفتح أمامه أبواب جديدة للتخصّص. والمرأة التي سَمعت أنّ ابنها المهاجر قد تزوّج وأنجب ولداً تفرح، ويأخذها هذا الفرح لتبني عليه آمالاً أوسع، وفرحاً أكبر. ومن يصمِّم خريطة لعمارة، يذوق الفرح قبل أن ينفِّذها.

هكذا تقول الرواية: أترك (الدماغ) يغوص وحده في هموم الماضي، ويتخبّط في مستنقع المستقبل، ويتلهّى بالقشور. انظر إلى الزهرة وهي تتفتّح تحت نور الشمس، والبرعم وهو ينمو على غصن الشجرة، والطير الذي يغرِّد في الأعالي، والنجوم التي تتلألأ في السماء. افتح أبواب الفرح رغماً عن ذلك النائم في كهف من العظام. تذكّر أيضاً، أنّ الشجرة في وحدتها، تمجِّد خالقها في الأعالي، والله هو الرحمن وهو الرحيم.

” وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الله لغفور رحيم ” (النحل: 18)

إغلاق