الافتتاحية

الإنسان بين الشِدّة والعودة

245-246

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين.
“قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ( الشعراء: ٧٧)

في ظلِّ إطلالة شهر الله المبارك، وفي ظلِّ هذه الاستحقاقات التي تحيط بنا من كل جانب، إن كان على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، أو على الصعيد الصحّي، بل على مُختلَف الصُّعد، يقلِّب الانسان نظرَه يميناً وشمالاً في الأسباب الظاهرة، ويحاول أن يعرف حقيقة ما يجري، وسُبُل الوقاية منه.

ولكن الاقتصار على هذا الحدّ مقبولٌ من أصحاب المنهج المادي، أمّا نحن بما نتبنّاه من منظومة اعتقاديّة كمسلمين _وتحديداً كأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام_ فلا يُرضى منّا أن نكتفيَ بالنظر إلى الأسباب الظاهرة والبحث فيها، وإنّما لا بُدَّ لنا من أن ننظر إلى الأسباب الباطنة.

صحيحٌ أنَّ هناك ظروفاً وملابساتٍ وسلسلةً من العِلل والأسباب التي أدَّت إلى الوضع الاقتصادي، وصحيح أنّ هناك عوامل أدّت إلى انتشار الوباء، سواء أكانت حرباً بيولوجية، أو تجارة الجراثيم ثم تجارة الأدوية، أو فوضى الغذاء المتفشّية في دول بدء الوباء، والتي تجمع في مطابخها متفرِّقات الطبيعة التي لا تجتمع حتّى في المحميّات، وما قد يترتّب عليها من تطوير وتلاقح جرثومي، أو تقلُّص المساحات غير المأهولة نتيجة توسُّع الإنسان على حساب البيئة، ما حَشَرَ البيئة البرّيّة في جوار الأهليّة، وأدّى إلى تفاعلات غير مسبوقة بين الجراثيم المُختلِفة عند الفصائل المُتبايِنة من الحيوان، وبينها وبين البشر نتيجة التجاور غير المسبوق.

كل هذه المروحة من الاحتمالات الظنّيّة موجودة، ولكلِّ احتمال منها مسوِّغ ومعطيات تجعل الإنسان يتَّجه إليه.

والقَدْر المشترَك والمُتَيَقَّن منها أنّها أسقطَت آخر مِصداقيّة للعالَم الحديث، إن في (رساليّة الأبحاث العلميّة)، أو في (أسلوب الحياة الحضاري الصحي).

أياً كان العامل الظاهري، فهناك عامل باطني لهذه المعادلات كلّها.

فعن الإمام الرضا عليه السلام  أنّه قال:” كلّما أحدثَ العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدَثَ الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون”(1).

فعندما يُبدِع البشر في مجال المعصية والمخالَفة فإنّ الله (عز وجل) يريهم الإبداع في مجال الابتلاء، وهذه معادلة واضحة.

كما أنّ الجامع بين العاملَين واضح، فالإحداث الإلهي ليس دائماً بسببٍ غيبي، بل قد يكون بسبب طبيعي موضوعي، كما في موضوع الرزق؛ فالرزق المحتسَب الآتي بالأسباب الطبيعية  وغير المحتسَب الآتي بسبب إعجازي  كلاهما من الله.

وكذلك المريض الذي يتعالج ويشفى، والمريض الميؤوس من حالته الذي يشفى فجأةً، كلاهما شفاؤه من الله .

فعندما يقول عليه السلام:” أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون” ليس من الضروري أن تكون أسباب البلاء صاعقة من السماء، بل ممكن أن تكون أسباباً اقتصاديّة أو انتشار جراثيم، يرفع الله فيه يد اللُّطْف عن الناس ويخلّي بينهم وبين الظروف والعوامل.

قال تعالى: “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ” (الشورى: 30)، فالمصائب التي تصيبكم هي بما كسِبت أيديكم، مع أنَّ الله يتغاضى عن الكثير من أفعالكم.

” وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ”( العنكبوت:22)، أي لا يمكن لأحد أن يجلب لكم مصلحة ونفع ولا يدفع عنكم مَفسَدة أو ضَرر من دون الله تعالى.

هذه جهة لا بُدَّ من التأمُّل فيها في واقع الابتلاء. فإذا تأمَّلنا في واقعنا الاجتماعي نجده من سيّء إلى أسوأ، فمن الطبيعي أن تتشعَّب الأسباب، فكلّ ما جرى من فسادٍ جديد هو من صناعة الإنسان، حتى الأمراض وتردّي المستوى الاقتصادي والاختلال في الموارد الطبيعيّة وعلى هذا فقِس.

فلقد كانت الإنسانيّة تعيش في انسيابيّة تامّة، حتى بدأ الإنسان يفتّش عن السهولة في العيش، فأفسد كلَّ شيء بدون استثناء من الطعام والمياه والشجر والحيوانات والثمار وحتى جَسَده ولم يترك شيئاً إلا أفسده, حتى تفشَّت الأمراض، وهذا الأمر كان متوَقعاً.

فإذا ظهر الفساد في البرِّ والبحرِ بما كسِبت أيدي الناس، فماذا يعمل الانسان في هذه الحالة ؟؟

لقد ذمَّ الله (عزَّ وجلّ) في القرآن فئات من الناس بصفات:” وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ” (فُصِّلَت:51).

 أمّا نحن فوصلنا إلى مرحلة حتى إذا مسّنا الشر لا ندعو الله.

فلو بحثنا اليوم في مجتمعنا لوجدنا أنَّ الجميع خائف من الوباء ومتضايِق من الوضع الاقتصادي، وجُلُّ ما نفعله هو متابعة التحليلات فقط، ولم يفكِّر أحد أن يلجأَ إلى حلٍّ على الصعيد الشخصي.

أنا كإنسان عادي ليس بيدي شيء على صعيد الحلّ المادي، ويجب أن أفكِّر بعمل قد أسبِّب فيه فاعلية، إذا كنتُ أعتقد أنّ الله مسبِّب الأسباب.

فالذين ذمّهم الله في كتابه كانوا على الأقل إذا مسّهم الشر دعوا دعاءاً عريضاً، أمّا نحن فحُرِمنا حتى من الدعاء العريض، أي أنّ الفئة المذمومة في القرآن أصبحت متوجِّهةً إلى الله أكثر منّا.

“وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ” (الإسراء: 67).

هذا الكفور كان في شِدّة الضُرِّ يخلّي يده من الأسباب ويتوجّه إلى الله، أمّا نحن فقد أصبحنا دون هذا الكفور بمرتبة أو بمراتب .

فهل من حلٍّ يعيدنا إلى الرُّشد ويفتح لنا أبواب الرحمة؟

الحلّ في قوله تعالى:” أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ” (النمل: 62)، فالله تعالى أعطانا معادلةً واضحة: عندما نتوجَّه إليه مُضطَرّين، والمُضطَرّ هو مقابل المُختار، فهو الذي ليس لديه حلّ، ولا يملك بيده أداةً إلا الدعاء.

من خلال هذه الآية تعهّد الله (عزّ وجلّ) بأنّه عندما يأتيه الانسان مُضطَراً ويتوجَّه إليه بدعاء المُضطَرّ الشاعر بانقطاع الأسباب فإنّه سيكشف عنه السوء. فهل وصلنا إلى هذه المرحلة؟

هل التفتنا في أتون هذه الغمرة أنّ هناك عيناً ناظرةً تراعي شؤوننا، فتوجَّهنا إليها قائلين: يا مهديّ آل محمد:” يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ” (يوسف:88).

فمهما فعلنا لم نفعل أكثر مما فعله أخوة يوسف عليه السلام، عندما عرفوا أنَّ أخاهم سيكون وصيّاً ووليّاً فرموه في البئر وأرادوا قتله، ومع ذلك عادوا إليه قائلين:” تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ” (يوسف:91). فقال لهم:” لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ” (يوسف:92).

فلا النبي يوسف عليه السلام أكرم من صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه، ولا نحن أجرم من إخوة يوسف.

هذا الشهر المبارك قد أقبل وعلى الإنسان أن يستفيد منه ويُفَرِّغ  نفسه ساعةً من نهاره وليله ويتوجّه إلى الله تعالى ويبثّ خوفه إلى من هو على كلِّ شيء قدير.

لعلَّ الله (عزَّ وجلَّ) يشملنا برحمته بفضل ما وجّهَنا به أهل البيت عليهم السلام من طُرُق التّوَجُّه إلى الله (جلّ وعلا) فنصبح من المشمولين برحمة الله والقُرب منه والانقطاع إليه.


الهوامش:

1-الكليني؛ الكافي؛ ج2؛ ص275.

 

إغلاق