قضية ورأي

المرأة وهويّتها الإنسانيّة

245-246

بقلم: أحمد إبراهيم عجمي

كانت ضحيّة كلّ الأمم، إلا الأنبياء، فقد كانت معهم الساعد في توصيل الرسالة والعامل الفاعل في إرساء قواعد النّجاح للمجتمع منذ النبي آدم عليه السلام: إنّها المرأة.

كرّم الله المرأة وأحسن خَلقها وجعلها أُنساً في الحياة ومصدراً للسعادة، فقد ورد في حديث قدسي: “إنّ الله خلق آدم ثم خلق له حواء، فقال آدم: يا رب! ما هذا الخلق الحَسَن الذي آنسني قربه والنّظر إليه؟

فقال: يا آدم هذه أَمَتي حوّاء، أفتُحِبُّ أن تكون معك، فتؤنسك وتحدِّثُك، وتكون تَبَعاً لأمرك.

فقال: نعم يا رب! ولك عليَّ بذلك الحمد والشكر ما بقيت. …”[1]

وبعدها يحكي لنا التاريخ قبائح العُنف والعَنَت الذي أجحَفَ المرأة حقّها بالحياة، لتكون حياة النساء في الأمم والقبائل القديمة كالقاطنين في إفريقيا وأستراليا والجزائر وأمريكا القديمة بالنّسبة إلى حياة الرجال حياة الحيوانات الأهليّة من الأنعام وغيرها بالنسبة إلى حياة الإنسان.

أمّا في الصين والهند ومصر القديمة وإيران ونحوها كانت المرأة أرفَهَ حالاً، لكنّها كانت تحت إمرَة الرجل ، وعليها أن تأتمِرَ بأمره وتختصَّ بأمور البيت والأولاد ، وكان عليها أن تطيع الرجل في كلِّ ما يأمرها به ويريد منها، لكنّها لم تكن تُقتل ويُؤكل لحمها، ولم تُحرم من تملُّك المال، وأمّا في الهند فتُحرَق مع جسد زوجها.

أمّا في الأُمَم التي كان لها قانون كبلاد ما بين النهرين مع قانون حمورابي، فالمرأة التي تخطئ تُغرَق في الماء، وفي بلاد الروم كان الرَّجُل يُعبَد وهو الرَّب في الأسرة، وكان له الاختيار التام والمشيئة النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت من زوجة وأولاد، حتى القتل.

وفي بلاد اليونان المرأة ليس لها استقلال في الإرادة ولا الفعل إلا تحت ولاية الرجال، وكانت المرأة عندهم تُعاقب بجميع جرائمها ولا تُسأل عن حسناتها.

أمّا العرب القاطنين في شبه الجزيرة العربيّة فكانوا لا يرون للمرأة استقلالاً في الحياة ولا حُرمةً ولا شرفاً إلا حرمة البيت وشَرَفه، وكانت لا تورَّث النساء وكان تعدُّد الزوجات بلا حدود. وقد اختلفت مكانة المرأة عند العرب قبل الإسلام حسب المستوى الاجتماعي الذي تنتمي إليه حيث عُرفت السيدة خديجة قبل الإسلام بأنّها امرأة عفيفة خيّرة، وتتمتّع بشخصية فذّة وكانت تلقَّب بـ “الطاهرة”، لشدَّة عفافها وصيانتها، وكانت على ديانة النبي إبراهيم عليه السلام.

وفي مقلَبٍ آخَر، عَقَدَ الفرنسيّون مؤتمراً عام 586م للبحث: هل تُعَدُّ المرأة إنساناً أم غير إنسان؟ وإن كانت تمتلك روحاً، فهي روح إنسانيّة أم حيوانيّة؟

وفي إنكلترا كانت تُعَدُّ نَجسة ويَحرُم عليها قراءة العهد الجديد.

فكما رأينا كلّ هذه المجتمعات كانت تحبس المرأة في سجن الذّل والهوان.

أمّا الإسلام فقد أبدعَ في حقها آمراً بتشييد بناء الفطرة التي كانت المجتمعات قد هدمتها وأعفت أثرها ، ليقول أنّ الإنسان ذكرٌ وأنثى يشتركان في المادّة والعنصر، ولا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

وقد ذمَّ الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات أبلغ الذمّ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِأَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ “(النحل،59 -58) وقد بالغ الله في التشديد حيث قال: ” وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ” (التكوير، 8).

لا شكَّ أنّ الإسلام له التقدُّم الباهر في إطلاقها من قيد أسرها وإعطائها الاستقلال في الإدارة والعمل وجعل المرأة سكناً ومصدراً للمودّة والحنان، وشريكة للرجل في الحياة، بنصِّ قوله تعالى: “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”(الروم، 21)، وقرَّر بأنّها إنسانة تمتلك العقل الكامل والذكاء وجميع الصفات التي تؤهلها لأسمى المراتب، وهي العنصر الرائد والفعّال في المجتمع من خلال مشاركتها التربويّة والاجتماعيّة والفكريّة وحتى السياسيّة والقانونيّة، والمرأة في بيت زوجها سيّدة محترمة لا خادمة تُضرب وتُعنّف حيث قال: ” وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”(النساء، 19) وأوجب على الرجل الإحسان إليها ليعتبر أنّ اللقمة التي يضعها الرجل في فم زوجته صدقة كما جاء على لسان النبي محمد صلّى الله عليه وآله ، وقال اتعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ “(البقرة، 236) وقال: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ”(الطلاق، 6)، وقال: “وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ” (الطلاق،6) وقال: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَة”(النساء، 24).

وحيث كانت المرأة لا تورَّث، فرَضَ لها الإسلام إرثاً واجباً وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ” (النساء،7)، وأعطاها الحقّ في العمل المأجور حيث كانت تعمل سخرةً “وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْن” (النساء، 32). وحتى لو كانت تعمل في بيتها فلها مقابل ذلك، وقال: “وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”(البقرة: 233)، كما نهى الإسلام عن جعل المرأة رمزاً للعار وكرّمها بالزواج وفرض على الرجل المهر وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً”( النساء،4) وقال: “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ” (النور،33) وفرض العقاب على كلٍّ من الرجل والمرأة إذا خرجا على حدود العفّة “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ” (النور،2). ويكون أخيَر الرجال عند الله من أحسَنَ معاملة زوجته، فعن رسول الله (ص): خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي[2]. لتصبح المرأة في الإسلام المُرَبِّيَة والمعلِّمة والمفكِّرة ورفيقة درب الجهاد والمتصدِّية في وجه الحكّام الظالمين كالسيدة زينب عليها السلام، إضافةً إلى رسالتها التربوية.

بعد كلِّ ما قدَّمته رسالة السماء السمحاء، عاد الوضع في العصر الأموي وكأنّه لم ينزل إسلام عند الكثيرين، لتكون المرأة عندهم أداة للمتعة والاتجار ، فالفتوحات الإسلاميّة كان من المتوَقَّع أن تبني مجتمعات سليمة، في مشروع حضاريّ فاعل يغيِّر وجه التاريخ، لكنَّ الرجل العربي صبَّ جُلَّ اهتمامه على جانبٍ منه مُخرجاً عقله من ساحة التحكيم لتُخرجه تلك المرأة بذكائها من رياض الاندلس وتنتزع منه مجداً كان ثمنه النجيع والرؤوس. فبدل من أن يسعى العربي إلى ترتيب أمور الخلافة وتحسين الإدارة، أخذ يتلهّى بالملذّات والتباهي بالليالي التي يتبادلون فيها الجواري ، ويبنون لهنّ الإمارات لإرضائهن.

وبعد قرون من الزمن، ومنذ الستينيات من القرن الماضي، أتى النظام اللبيرالي في الغرب ليُحِدِث أزمة قِيَم ، حيث بدأت الإباحيّة الأخلاقيّة ، التي أفرزت أجيالاً غير مسؤولة، فتفشَّت الجريمة، من قتل، وسرقة، واغتصاب.

فالمرأة الغربيّة على الرغم من الصلاحيّات والحقوق المعطاة لها، نرى أنّها تعاني من الاضطراب والقلق والخوف من التعرُّض لأنوثتها.

واليوم، ومنذ وقت، يعمل أعداء الإسلام على تغيير إيديولوجيّة المجتمع العربي والإسلامي من خلال نشر الإباحيّة والسفور، على نقيض ما أمر به الإسلام من المحافظة على نقطة المجتمع المركزيّة ونواته السليمة، الأسرة، التي هي مؤسسة الأمن الأولى لكلّ أمة ،وما يأتي بعدها من مؤسسات تكون امتداداً لها، وليس إلغاءً لوجودها، فإذا ما كانت هذه المؤسسة سليمة سَلِم غيرها، وإذا ما كانت فاسدة فسَد غيرها من مؤسسات.

كل ذلك مترافقاً مع دعوات برّاقة لتحرُّر المرأة، وما التحرُّر في الحقيقة إلا تنظيف العقل والنفس من العادات البالية المُهترِئة التي تُعيق مسير الانسان، وليس التفلّت من الطوق الإنساني الأخلاقي الذي يضمن للمرأة تنشئة سليمة معافاة لتعمل على تطبيق رسالتها بأمان في تربية وصناعة المجتمع.

وإنّ مظلومية الرجل العربي ليست بمعزل عن المرأة اليوم، حيث يعمل العالم المعادي لحقوق الإنسان على استغلال طاقة الرجل بامتهان المرأة في منحىً غير سليم ليفكِّك الأسرة الشرقيّة ويُخرجها عن طوق السلامة.

ولذا نرى المرجعيّة الرشيدة في النجف الأشرف تبذل الجهود وتنفق الأموال في مشاريع شبابيَّة ثقافية هادفة، للعمل على ترميم وإصلاح الشباب ممّا تبثّه الجهات المعادية من مفاسد مدروسة.

وفي الختام نقول: إنّ لكلٍّ من الرجل والمرأة دور في الحياة وما يُقال له: مساواة لا يمكن أنيكون! بل هناك تكامل، فلكلٍّ دور يكمِّل به دورَ الآخر لإنتاج حياه إنسانيّة مستقرة، تُنصِف كِلا العنصرين في الحقوق والواجبات.

 


الهوامش:

[1]  الشيرازي حسن، كلمة الله، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، الطبعة الأولى، ص 174، بيروت 2004م.

[2] الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ ج3؛ص555.

إغلاق