أحيوا أمرنا

لماذا التقصير مع المجتبى عليه السلام؟

245-246

بقلم: إسلام شرف الدين.

لا ريبَ أنّ فاجعة الطف هي أدهى خطب عرِفته البشريّة، و قد شدّد أهل بيت النبوّة صلوات الله عليهم أجمعين على التذكير بتلك الفاجعة عبر جملة من أحاديثهم الشريفة، نحو قول المسموم المظلوم الحسن المجتبى عليه السلام :”لا يوم كيومك يا أبا عبدالله”[1].

وامتثالاً لأوامرهم عليهم السلام فقد دأب شيعتهم على إحياء عاشوراء بما أوتوا من قدرة، وإن كان كلّ ما يمكن للثقلين القيام به في هذا السبيل لا يطمع بأن يتناسب مع هول الفاجعة.

غير أنَّ الملاحَظ هو التركيز على مصائب سيّد الشهداء عليه السلام مع تجاهل مصائب سائر الأئمّة عليهم السلام في مناسبات شهاداتهم، أرواحنا لهم الفداء.

لعلَّ السبب في ذلك أنّهم عليهم السلام هم من أوصى بذكر مصاب الحسين عليه السلام ، ولكن إن أمعنّا النظر وجدنا أنّ من واجبنا ذِكر ما جرى عليهم جميعاً ،مع إعطاء الأولويّة للفاجعة التي لا تشبهها فاجعة منذ خلق الله آدم الى قيام الطالب بالثأر.

فقد ورد في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام :” نَفَس المهموم لنا المغتمِّ لظلمنا تسبيح، وهمُّه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرِّنا جهاد في سبيل الله”[2].

وعن الرضا عليه السلام :”مَن تذكّر مصابَنا وبكى لما ارتُكِب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يَمُت قلبُه يوم تموت القلوب”[3].
وللدلالة على أنّنا مأمورون بإقامة العزاء والتفجّع على سائر الأئمّة دون تقصير، نذكر بعض الروايات المتعلّقة بأئمّةٍ غير سيد الشهداء أمروا بالنَّوح عليهم.

فعن الرضا عليه السلام أنّه قال:” إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعتُ عيالي فأمرتُهم أن يبكوا عليَّ حتى أسمع، ثم فرّقت فيهم اثني عشر ألف دينار ثم قلت: أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً”[4].

وفي أمر الإمام الرضا عليه السلام عياله بإقامة النوائح عليه قبل إشخاصه إلى خراسان دليل على أنّ إحياء الأمر لا يقتصر على السبط الشهيد سلام الله عليه.

وقد وردت رواية مشابهة لها عن صادق العترة عليه السلام أنّه ” أوصى أن يناح عليه سبعة مواسم، فأوقف لكلِّ موسم مالاً يُنفَق فيه”[5].

وكذلك ما ورد في وصيّة الباقر عليه السلام أن يناح عليه في الحج عشر سنين.

فإذا أمعنّا النظر في هذه الوصية، وجدنا أنّه عليه السلام  إنّما أوصى أن يُناح عليه في الحج لجذب انتباه أكبر عدد من الناس لعِظَم تلك النائبة. وكلما عَظُم شأن مَن وقع عليه الظلم، كلما كان المصاب أعظم وأجلّ.

ويكفي في قوله عليه السلام : “حدّثوا شيعتنا بما جرى علينا”. دليلاً على وجوب التفصيل في ذكر مصائبهم و مناقبهم جميعاً، كلٌّ في مناسبته، مع الختام بفاجعة الطف، ليُخلَصَ إلى نتيجة مفادها ما قاله مَن لأجله أخطّ هذا المقال:  “لا يوم كيومك يا أبا عبدالله”.

تقصير في الفضائل:

لا يقتصر التقصير على عدم ذكر المصيبة، وإنّما يتعدّاه إلى التقصير في ذكر مناقب وفضائل الإمام صاحب المناسبة والانتقال فوراً إلى كربلاء.

والسبط الأكبر هو من أشدّهم مظلومية، لذا نحاول لفت الانتباه إلى بعض النقاط التي كثيراً ما يُغفَل عنها خلال استحضار  مصابه روحي فداه.

وبما أننا لسنا بصدد بحث تاريخي موثّق لسرد ما جرى على السبط الأكبر عليه السلام، أو لتعداد مناقبه ومزاياه التي لا تحصى بعدد، فسنكتفي بالإشارة إلى بعض ما يُدمي الفؤاد من المصاب الذي عايشه و اكتوى بناره أحبّ الخلق إلى الله عز وجل.

أولًا:  العلاقة الفريدة بين السبطين (عليهما السلام):

لم يشهد التاريخ أخوين كالحسنين (عليهما السلام) في الكمال والتناغم والتلازم، فلا يكاد يُذكر أحدهما دون ذِكرِ الآخَر.
وقد ترادفت الأحاديث وتواترت عن نبي الرحمة صلّى الله عليه وآله في هذا الشأن:

“هما ريحانتاي من الدنيا”[6].

“الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة”[7].

“ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا”[8].

فهذا الأمر مسلّم وبديهي لدى كل من له بعض الإطلّاع على سيرة سيد الرسل (صلّى الله عليه وآله)، ولذا يسهل عليه تخيّل حال سيّد الشهداء عليه السلام وهو يرى النوائب تتوالى على توأم روحه وشقيقه ، بل إمام زمانه المفترض الطاعة، منذ اللحظة المشؤومة حين صلّى الصبح مخفّفة ليلة القدر بأمرٍ من أمير المؤمنين عليه السلام المخضّب بدمائه في محرابه ليلة نادى: “فزت ورب الكعبة”.

ولعلَّ الخيانة الفظيعة التي مُنِيَ بها المجتبى عليه السلام  كانت الأشد على قلب الشهيد، لا سيما لجوء بعض ضِعاف الإيمان إليه عارضين عليه الانقلاب على أخيه وإمام زمانه، متّهمين إياه بالجُبن. أيمكن لعاقل لديه أدنى فهم لسيرة السبطين ومكانتهما تصوّر ما اختلج في قلب السبط الشهيد وهو يسمع ويرى ذلك؟!

ولئن كانت مصيبة رؤية أخيه بأمّ العين يلفظ كبده في الطشت عظيمة علی قلب المظلوم، فإنّ الخطب الأفظع في رؤية السهام تنهال على النعش الطاهر بعد حرمانه من جوار خير الأجداد.

فقد روى الشيخ الطوسي في أماليّه عن ابن عباس أنّ الحسن أوصى الحسين بوصيّة كان منها:” وأن تدفنني مع جدّي رسول الله صلّ الله عليه وآله، فإنّي أحق به وببيته ممن أُدخِلَ بيته بغير إذنه ولا كتاب جاءهم مِن بعده، قال الله (تعالى) فيما أنزله على نبيه صلى الله عليه وآله في كتابه:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ” فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده، فإن أبَت عليك الامرأة فأنشدك بالقرابة التي قرَّب الله (عز وجل) منك، والرَحِم الماسّة من رسول الله صلّى الله عليه وآله أن لا تهريق فيَّ مِحجَمَة  من دم حتى نلقى رسول الله صلّى الله عليه وآله  فنختصم إليه، ونُخبِر بما كان من الناس إلينا بعده “[9].

ولنا أن نتخيَّلَ أيّ الموقفين أشدّ على قلبه المفجوع: موقفه عند مصرع عضُده العباس وقد أفرغ بعضاً مما يختلج في قلبه عبر هجومه على القوم وقتله بعضهم وهو ينادي: إلى أين تفرّون و قد قتلتم عضدي؟ ” كما ذكر بعض أرباب المقاتل، أم موقفه وقد خنق عبرته وكظم غيظه مكبَّلاً بالوصيّة التي تُذَكِّرُنا بالوصيّة التي قيّدت أباه من قبل وهو يرى النار تُضرَمُ بباب الدار.

وسواء أصحّت تلك الرواية القائلة أنّ أبا الفضل عليه السلام لم يحتمل الموقف فاستلّ سيفه لو لم يهدّئه سيّد الشهداء، أم لم تصح، فلنا أن نتخيّل ما عاناه في تلك الساعة العصيبة، بل لنا أن نتخيّل ما اختلج في قلبه الغيور وهو يرى منائره تُذَهّب بينما قبر أخيه وسيّده وإمام زمانه مهدوم ممنوع الزيارة.

ثانياً: غالباً ما يصوِّر الخطيب حالة سيدة النساء عليها السلام عند مصرع سيّد الشهداء عليه السلام ناعياً بلسان حالها، فكيف لو تأمّلنا في قول أمير المؤمنين عليه السلام لفلذة كبده السبط الأكبر:

“وجدتُك بعضي، بل وجدتُك كُلّي، حتى كأنَّ شيئاً لو أصابَكَ أصابني، وكأنَّ الموتَ لو أتاكَ أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي”[10].

ألا يعني ذلك أنّ السُمَّ الذي قطّع كَبِد الحسن عليه السلام إنّما قطّع كبد أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنّ السهام التى أصابت نعشه إنّما أصابت قلب أبيه الوصيّ؟

قصة وصال الشيرازي:

وصال الشيرازي، أحد كبار الشعراء الإيرانيين وكان كفيفاً، رأى في عالم الرؤيا سيدة النساء عليها السلام  تقول: يا وصال إن أردت أن يرتدّ إليك بصرك فقل الشعر في مصاب ولدي الحسن.

فاستيقظ من نومه مذعوراً يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً وهو ينشد قصيدة من أروع ما قيل في كريم أهل البيت عليهم السلام، وأكثر ما يشجي فيها قوله: “خوني که خورده بود همه عمر.

از گلو بریخت دل

را تهی زن خون چند ساله کرد”[11].

فارتدّ بصيراً بكرم كريم أهل البيت عليهم السلام.

ثالثاً: عند ذكر مصاب أيٍّ من أئمّة الهدى عليهم السلام  وذكر تغسيلهم وتكفينهم ودفنهم -أرواحنا لهم الفداء-ينتقل الفكر تلقائيّاً إلى سيد الشهداء الغريب الملقى ثلاثاً بلا غسل ولا كفن ولا دفن، لكن مع المسموم المظلوم لا بُدَّ من وقفة:

فقد أحرز غُسلاً من دموع إخوته وأخواته وأمه أم البنين وجدَّته أم سلمة سلام الله عليهم أجمعين، أحرز كفناً مزّقته السهام، وتشييعاً بتلك السهام المنهمرة على النعش، ودفناً بعيداً عن جدّه سيد الكائنات، ليروى تراب قبره من مدامع سادة الغيارى: أبي الأحرار، وحامل لوائه، وصنوهما محمد بن الحنفية .المجبَرين على الصمت حفظاً للدين والوصية.

ختاماً نسأل الله أن نُوفّق -ولو بالحد الأدنى – في محاولة رفع المظلوميّة عن غريب البقيع، أقلّا ًباستحضار ما جرى عليه وما يزال، فأكثر ما يشدّ القلوب ويدفع بنا للتمسّك به والبحث في سيرته الشريفة، إنّما هو استشعار عظيم الخطب واللوعة. عسانا ننال غداً لا شفاعته، بل شفاعة ولده القاسم عريس الطف.


الهوامش:

[1] الصدوق؛ الأمالي؛ ص١٧٧.

[2] الكليني؛ الكافي،ج٢؛ ص٢٢٦.

[3] الصدوق؛ الأمالي؛ ص١٣١.

[4] الصدوق؛ عيون أخبار الرضا؛ ج١؛ص ٢٣٥.

[5] الصدوق؛ مَن لا يحضره الفقيه؛ج٤؛ ص٢٤٤.

[6] صحيح البخاري؛ ج٤؛ ص٢١٧؛  باب مناقب المهاجرين.

[7] مسند أحمد بن حنبل؛ ج٣ ؛ص٣.

[8] المفيد؛ الإرشاد؛ ج٢؛ ص٣٠.

[9] الطوسي؛ الأمالي؛ ص١٦٠.

[10] نهج البلاغة؛ ج٣؛ ص ٣٨.

[11] ترجمته:أفرغ (في الطشت) الدم الذي تجرّعه طوال عمره ليفرغ قلبه من الدم المتراكم فيه عبر سنين عديدة.

إغلاق