عقيدة

إشكاليَّة الخمر والمَيسر

245-246

بقلم: د. حسن عباس نصرالله

 

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ”(النساء ،٤۳)

الخمرة محرَّمة عند جمهور المسلمين، لكنَّ بعضهم يعاقرون الخمرة، وراحوا يبرِّرون آثامهم بعدم وجود نصٍّ صريحٍ في القرآن الكريم يقول بتحريم الخمرة مثلما حرَّم غيرها بقوله: “إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ” (البقرة، ١٧٣).

في القرآن ثلاثة نصوص في الخمر.

النص الأول:  نزل بعدما سأل المسلمون عن أحكام الخمر والمَيسِر، وهو قوله: ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا” (البقرة، ٢١٩).

الأفعال:

يسألونك: السؤال هو طريق المعرفة.

قُل: أمرٌ بتبليغ الجواب.

الأسماء:

الخمر: المُسكِر الذي يُخامِر العقل.

المَيسِر: القمار.

الإثم: عمل ما لا يحِلّ، أو الذنب.

لم تَحسم الآية تحريم الخمر والميسر، وتضمّن الجواب ثنائيَّة ضِديّة وهي الإثم/ المنافع.

الإثم الكبير هو الذنب أو الضرر والمفاسد المنتِجة للمخاصمات.

المنافع: المال، البيع والشراء والرِّبح، ولذَّة الشاربين للخمرة، والربح والخسارة في القمار.

بعد نزول الآية شربها قومٌ، وامتنع آخرون..  والآية في سورة البقرة، وهي أوّل سورة نزلت في المدينة.

النص الثاني: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ”(النساء ،٤۳)

بعد آية الإثم والمنافع، ظلَّ بعض المسلمين المؤمنين، بدليل النِّداء : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ….”، ظلّوا يشربون الخمرة وهذا ما كان يؤدّي إلى خللٍ في تأدية الصلاة، فنزلت الآية التي تنهى عن الصلاة في حالة السُّكر، وهو النهي التدريجي الذي يصل إلى الحسم في سورة المائدة.

الأفعال:

آمنوا: بعض المؤمنين كانوا يتعاطون الخمرة إلى حدّ السُّكر. نزلت في الآية في سورة النساء ورقمها (٦) في ترتيب النزول المدني.

لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ: لا تباشروا الصلاة وأنتم سكارى…

تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ: تأدية الصلاة بشكل صحيح (تأدية الوظيفة).

أراء الناس بين الحلّيَّة والتحريم:

أباح أنصار الخمرة شربها، دون السُّكر، حتى لا يفقد الشارب رشده، واعتمدوا قول النصارى: ” قليلٌ من الخمرة يُنعِشُ قلب الإنسان”. فردَّ عليهم المحرِّمون: إنّ الصلاة متتابعة في ساعات النهار: الفجر، الظهر، العصر، المغرب والعشاء، فشارب الخمر إلى حدِّ السُّكر، لا يتّسع له الوقت للصحو من سُكره لذلك فالخمرة محرَّمة من أجل صحَّة الصلاة ،” وما حُرِّم كثيره، فقليله حرام”.

النص الثالث: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ” (المائدة، ٩٠-٩١).

في آخر سنة من الرسالة السماويّة،، نزلت سورة المائدة ورقمها (٢٨) وهي آخر سورة في الترتيب المدني، وفيها حسمٌ لتحريم الخمر وتجنّب أمكنة شربها. وفيها نَسْخٌ لما سبق.

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”(البقرة، ١٠٦).

الأسماء: حشد من المحرمات بين الشرب ولعب القمار، وعبادة الأصنام …

الخمر: المُسكِر الذي يخامر العقل (شراب).

الميسر: القمار، لعب فيه ربح وخسارة (احتيال، وحظ).

الأنصاب: الأصنام التي تُنصَب للعبادة.

الأزلام: أقداح أي سهام بلا ريش، مكتوب عليها أمر أو نهي يقترعون بها.

رجس: النَّجِس، الخبيث، الفاسد.

لقد جمع هذه الأسماء حرف “الواو” لجعلها متساوية في الحرمة، ووحَّد بينها خبرٌ واحدٌ وهو “الرجس”. (الخمر: مبتدأ. رجس: خبر).

عمل الشيطان: العمل الذي يزيّنه ويحبِّبه للإنسان ( المعاصي، الضلال، الكفر، الشرور…).

العداوة والبغضاء: ترادُفٌ لمساندة المعنى العام، ونتاجُ الخمر والميسر آفات وأحقاد في المجتمع.

الأفعال:

اجْتَنِبُو، تُفْلِحُونَ، يُرِيدُ، يُوقِعَ،َ يَصُدَّكُمْ.

تتوزع الأفعال بين حقلين دلاليّين متعاندين:

ا- الاجتناب: وجائزته الفلاح أي الثواب.

ب- طريق الشر(يريد، يوقع، يصدّ)

يريد: يبتغي الشيطان

يوقع: يصدّ وهي ثنائيّة ضديّة.

أي يوقع العداوة وهي شرٌ، ويصدّ عن الخير أي عن ذكر الله.

تتعاون هذه الثنائيّة الضديّة لوفاقيّة النتائج، فالعداوة شرٌ، والصدّ عن ذكر الله شرٌ كذلك.

اجتنبوه: أمرٌ فيه صعوبة انطلاق الحركة، نابعة من حرف ” الجيم” ثم الظهور للاجتناب يولّدها حرف” النون” ومعناه: اتركوه، ابتعدوا عنه، نحّوه…

بهذه المعاني قيل لا يقتصر التحريم على الشرب، بل يتعدّاه إلى الإبعاد عن مكان وجوده ومغرياته أي الحانات ودكاكين الخمارين… كما يحسم الفعل بين نهجين متعاندين: إيمان بترك الخمر، وكفر بالتعاطي، وهجر لأماكن تواجده. و”الهاء” في آخر الفعل هي ضمير متصل في محل نصب مفعول به، يعود إلى ” رجس” وهو وصف الخمر والميسر.

تُفلِحون: تفوزون، والفوز ناتج عن الاجتناب.

ونجد أنّ الحقل الثاني (يريد، يوقع، يصدّ) أفعال مضارعة فاعلها الشيطان.

تعليل التحريم:

لم يعلِّل القرآن الكريم عادةً أسباب تحريم المحرّمات، ولا أسباب فرض العبادات. لكن في هذه الآية علَّل الأسباب من أجل فرض أحكام تحمي المجتمع من وقائع قد تؤذيه.

الخمر والميسر رجسٌ، يوقعان البغضاء والعداوة بين الناس لِما فيهما من الشرّ والفِتن. كما وأنّهما يصدّان عن عبادة الله. لذلك صدر النَّهي عنهما.

” فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ “

هل: استفهام تقريري.

منتهون: اسم مفعول، ليتلقّى الأمر، أي: انتهوا!! وهذا الأمر موجّه إلى الذين آمنوا.

وقال أنصار الخمرة، لم ترد كلمة ” حرِّمت” عليكم الخمرة والميسر، بل قيل: هي رجسٌ فاجتنبوه، وضاعوا في تفسير كلمة ” اجتنبوه”.

معنى كلمة ” الرجس” في القرآن الكريم:

“أفضل ما فّسَّرَ القرآن بالقرآن”، “قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ…..” (الأنعام،١٤٥)

الإباحة في المَطعم هي الأصل.

إلا: استثناء المحرّمات، و علَّلَ تحريمها لأنّها رجسٌ.

حُرِّمت الميتة لأنّها رجسٌ، وحُرِّم لحم الخنزير لأنّه رجسٌ.

ولمّا كانت الخمرة والميسر رجساً، فحكمهما حكم لحم الخنزير والميتة.

إذا أخذنا منطق أرسطو:
كلّ إنسان فان

سقراط إنسان

سقراط فان

كلّ خنزير محرّم

الخنزير رجس

الرجس محرّم

الرجس محرّم

الخمرة رجس

الخمرة محرّمة.

أسباب التحريم:

الخمرة:

  1. تسبِّب العداوة والبغضاء بين الناس.
  2. تصدّ عن ذكر الله، أي تبعدكم عن ذكر الله والصلاة.
  3. فهل أنتم منتهون؟ استفهام تقريري، فيه أمر، أي انتهوا عنها.
  4. إطاعة الشيطان، وهي تغتال العقل.
  5. المؤمن لا يتبع عمل الشيطان، بل يتركه ويبتعد عنه أي يتجنبه.

تتضمّن سور القرآن الكريم آيات مُوقَرة بالمجاز والاستعارة وتَحمِل إشارات.

ففعل “اجتنبوه” يحمل إشارة أبعد من تحريم الشرب، بل تصل إلى تحريم الجلوس في أماكن بيعها وشربها. فالخمرة لها سلطة على المدمن والنٌّدماء، كما وأنّها تشكِّل عامل إغراء للأبرياء، فيُقبلون على تعاطيها رويداً رويداً حتى يصبحوا من المدمنين.

لذلك نجد أنّ هناك افتراء على الناس بدعوى عدم التحريم.

قال النبي صلّى الله عليه وآله  في هذا الخصوص:” ملعونٌ مَن جلس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر”[1].

وقال الإمام علي عليه السلام: “لا تجلسوا على مائدة يُشرَب عليها الخمر، فإنّ العبد لا يدري متى يؤخذ”[2].

الخمر والمجتمعات:

ورد ذكر الخمرة الحلال في الجنة:

وعدَ الله المتقين بخمرة من الجنة، لذةً للشاربين لا غول فيها ، أي لا تغتال العقل.

وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ” (محمد، ١٥).

لقد حرَّمت نصوص الفقه شرب الخمرة لأنّها مُسكر، وحرّمتها أيضاً لنجاستها. فالمُسكِر المائع نجس، ولا يجوز شرب النّجس.

حرَّم المجتمع الإسلامي الخمرة، لأنّها تنطوي على المفاسد، وهي أمّ الخبائث. إنّها تُذهب العقل فتصدر عن السكران أعمال عدائيّة ضد المجتمع، وتمنع الإنسان عن ذكر الله.

إنّ المجتمعات التي تبيح شرب الخمرة، تحاول بشكلٍ أو بآخر منعها في المناسبات والأعياد، ذلك لأنّ الإفراط في شربها يولِّد مجتمعاً فاقداً للعقل والوعي. كما تمنع السكارى من قيادة السيارة في هذه الحالة، وتذلّهم باختبار كمّيَّة الكحول في الدم.

عن النبي صلّى الله عليه وآله: “لعن الله في الخمر عشرةً: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها”.، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبايعها، ومشتريها، وآكِل ثمنها”.[3]

” فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ “(الكهف، ٢٩)


الهوامش:

[1] البرقي؛ المحاسن؛ ج2؛ص585.

[2] الصدوق؛ الخصال؛ ص619.

[3] المصدر نفسه؛ ص445.

إغلاق